هذا ما جناه جنون العظمة على العرب!

هذا ما جناه جنون العظمة على العرب!

ليس بغريب وأنت المتجول بدروب الحياة وشوارعها إن صادفت أشخاصا يتقنون الحديث عن أنفسهم ويتفاخرون بإنجازاتهم وأعمالهم ويتغنون بصفاتهم وبنسبهم وبما جاد به الزمان عليهم, كما أنك لست بمضطر لأن تخمن من هم هؤلاء لأنك وببساطة لن تجد أحسن من العربي لينزل على دماغك بوابل من القصص والروايات التي لا تحصى ولا تعد حيث يحكي لك وبسعادة غامرة عن ماضي أسلافه وعن منجزاتهم العظام وعن سلالته من خيرة فطاحل الشعراء والأدباء والفلاسفة والعلماء في مختلف المجالات.

وإن شعرت أنت المستمع إلى هذا العربي بأن هذا الأخير لربما يبالغ فيما يقوله فاعلم أنك مخطئ فما استمعت له أذناك كان واقعا في زمان غابر وفي حال فشلت في جعله يصمت أو لم تستطيع أن تصدق ما يرويه لك فلا تتهمه بالغرور أو الغطرسة وإنما تيقن أنك أمام شخص غارق وسط ميراث أجداده الذي ورث عليهم ومن دون أدنى شك ما يعرف بجنون العظمة.

وفي حين يعرف جنون العظمة بكونه مرض نفسي يعتقد صاحبه بأنه الأفضل و الأسمى ومن بعده الطوفان وبأنه وحده من يمتلك الصفات الحسان ولا يوجد غيره على البسيطة أكثر تميزا بمواهبه وقدراته و أعماله الجسام, فبالنسبة للعربي الشعور بالعظمة لا يعد مرضا وإنما هو شيء تغدى عليه من حليب أمه فعاش وتعايش معه حتى صار يجري فيه مجرى الدم بالعروق. وأنت تحكم على كل محاولاتك بالفشل مسبقا إذا حاولت إقناعه بالعزوف عن هذه الفكرة المرضية التي تسببت لنا بالرجوع إلى الوراء وكيف تقنع سليل المتنبي وعنترة بن شداد بغير ذلك وهم من قالوا:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي** وأسمعت كلماتي من به صمم

الخيل والليل والبيداء تعرفني ** والسيف والرمح والقرطاس والقلم

وأيضا :

أنا الأسد الحامي حمى من يلوذ بي ** وفعلي له وصف إلى الدهر يذكر

إذا ما لقيت الموت عممت رأسه ** بسيف على شرب الدما يتجوهر

وغني عن القول كيف أن العرب قديما وهم المعروفون بالأنفة والنخوة والمروءة وبالنفس التي تميل للعزة وتعشق المجد كانوا يتفاخرون فيما بينهم بأنفسهم و يتخدون من المجالس فرصة للتباهي من خلال شعر الفخر والحماسة, ولا يخفى علينا أن حتى أسواق العرب كانت مناسبة لذلك ومن بين أشهرها سوق عكاظ والذي كما يحكى سمي كذلك لأن العرب تجتمع فيه فيعكظ بعضهم بعضا بالمفاخرة.

كل هذا جميل ولا يعيب الشعوب العربية في شيء إن هي افتخرت وتفاخرت بماضيها العريق وبحضارتها الموغلة في القدم, لكن السؤال هو ما الذي جنيناه من جنوننا أو هوسنا بالعظمة هذا ؟ و إلى متى سنظل كعرب عالقين وسط شلال الذكريات نمر على الديار نقبل ذا الجدار وذا الجدارا ؟

إن شعور العربي بالعظمة جعله حبيس تاريخ ومجد الأجداد ونسي دوره الأساس في الحياة والذي يمكنني أن أصيغه في السؤال التالي:

إذا كنا كعرب نفتخر بماضينا وماضي الأجيال التي سبقتنا فما الذي قدمناه نحن أو سنقدمه للأجيال القادمة بعدنا ؟

ماذا قدمنا للتاريخ ليكتب عنا ويؤرخ لمن سيأتوا بعدنا؟

وفي هذا المضمار بالذات دعوني أخبركم ما سيسجله التاريخ لأحفادنا.

سيسجل بأننا شعب مهووس بماضيه الذي شغله عن حاضره وبأننا فشلة لأننا مهما سنقدم سنظل في نظر القادمين عجزة كوننا لم نستطيع الحفاظ على وحدتنا العربية والتي لم تكن سوى فكرة مقترحة على ورق.

سيسجل بأننا خونة لأن لا خير في أخ لا يمد يد العون لأخيه وكيف أننا رضينا لبعض الدول العربية الشقيقة التي تعاني ويلات الحروب بالذل والهوان خوفا وذعرا لأننا نفتقد في عصرنا لأمثال حمزة بن عبد المطلب الذي لربما استطاع بسيفه أن يحرر بلدانا أصبحنا نعتاد على حالها المأساوي رويدا رويدا كفلسطين والعراق وسوريا..

سيسجل التاريخ بأن بعض قادتنا العرب دمروا شعوبهم بسبب هوسهم وتمسكهم بكراسيهم التي كان ثمنها دماء وقتلى وأرامل وحضارات تسقط تحت التراب.

سيسجل بأننا حين انتفضنا وأردنا ثورة كان عنوانها "الربيع العربي" عثنا فيها فسادا فساد ظلام الشتاء الحالك على باقي بلداننا العربية.

سيسجل بأننا لم نعرف كيف نتأقلم كشعوب لا مع الدكتاتورية ولا مع الديمقراطية فأصبحنا نتخبط بين اليمين واليسار ونسينا بأننا أمة الوسطية والاعتدال.

سيسجل كوننا ضحينا بأرواح أعداد هائلة من البشر وعبثنا بأمن الوطن العربي وكل ما نملكه هو قليل من التفكير البطولي وكثير من الهرطقة التي تعم بها برامجنا اليوم.

سيسجل أن عدد المحللين السياسيين ببلدنا أكبر من عدد المصلحين الطامحين الراغبين العاملين على تقدم بلداننا العربية.

سيسجل كوننا عشنا مواقف كثيرة أتبثنا فيها أننا لسنا يدا واحدة ولا نشترك كأوطان عربية سوى في العناد وكثرة الكلام وقلة الأفعال وبأننا سرعان ما نتحول لفئران التجارب.

سيسجل كوننا دمرنا وخربنا أكثر مما عمرنا وبأننا لم ننجز الكثير سوى عمارات شاهقة ومحلات ضخمة وسيارات فارهة وعنترة كذابة نملئ بها أشداقنا.

باختصار شديد سيسجل التاريخ أننا شعب بارع في إثارة الخيال وأن لعنة الهوس بالعظمة تجاوزت حدها إلى وسواس قهري ينخر بعقولنا وأنفسنا فأعوذ بالله من شر الوسواس الخناس .