شعر لا يتبعه الغاوون

شعر لا يتبعه الغاوون

شباب حَراك الريف صدرت في حقهم أحكام جائرة، لا لشيء سوى لمطالبتهم بحقوق يتمتع بها غيرهم من سائر البشر .. الشعب بدأ يعي حقوقه، وبدأ يتصدى إلى أصحاب المال والسلطة تحت شعار (مقاطعون)، وذهب أكثرَ من ذلك فقاطع مهرجان موازين، رافضا أن يكون مُسهما في نهب ثرواته التي تُقدَّم إلى الفنانين الغرباء من أجل إنعاش جيوبهم، وتبقى جيوب فنانينا فارغة، ورافضا في ذات الوقت أن يكون مُسهما في إفساد هويته وثقافته، وتلويثهما ببعض الصفات المشينة المحمولة إلينا من الآخر.

كل هذا يحصل في بلدنا، لكن الشعر ما يزال يقبع في برجه العاجي بعيدا كل البعد عن الشعب، والشعراءَ لم يعد يتبعهم الغاوون كما كانوا في السابق، تجدهم في كل مناسبة تُتاح لهم يبكون ويشكون، ويُرجعون سبب ابتعاد الغاوين عن القراءة إلى الغاوين أنفسهم، متناسين السبب الحقيقي الذي أدى إلى نفور القارئ من الكِتاب، وجعل الشعراء (نكرة) بعد ما كانوا معرَّفين، لا ب(أل) التعريف، بل بالفن وبالأسلوب الجميل والموضوعات المختلفة التي تبحث عن قارئ ويبحث عنها قارئ. وأنا أتفق معهم في كثير من النقاط، لكني أؤكد على سبب بارز يغفلون عنه، وأعتبره مربط الفرس في هذه القضية؛ سبب أُرجعه إلى الشعراء، وإلى طبيعة الشعر الذي يُكتب في وقتنا الراهن.

إن شعرنا وشعراءنا اليوم كما قال فيهم نزار قباني من قبل.

شُعَـرَاءُ هَذَا الْـيَوْمِ جِـنْسٌ ثَالِثٌ فَالْــقَوْلُ فَـوْضَى وَالْـكَلَامُ ضَبَـــابُ

يَتَكَــلَّمُونَ مَــعَ الْـفَـرَاغِ فَمَا هُــمُ عَـــــجَــمٌ إِذَا نَــطَـــقُــــواْ وَلَا أَعْـــــرَابُ

وهم أيضا في وهمهم سجناء، يعتقدون أن الكاتب البارع والماهر هو من يكون في مقدوره أن يكتب قصيدة يغيب فيها المعنى غيابا تاما، متكئين في ذلك على ما كُتب في الغرب سواء على مستوى الإبداع أو التنظير. لكنهم، ومن دون أن يشعروا، يسقطون في التقليد والاتِّباع مبتعدين عن الإبداع والابتكار. وكل شعر لا يأتي بجديد فهو ليس سوى ببغاء يعيد الكلام الذي سمعه من قبل بصوت ركيك مزعج.

أستطيع أيها القارئ أن أضع أصابعي على عدد كبير من شعرنا الراهن يتصف بصفة الببغاء، يطبق تنظيرات الغرب تطبيقا حرفيا، ويعيد كتابة الشعر الغربي بطريقته، أو يقلد كبار الشعراء العرب كنزار قباني، أدونيس، محمود درويش مع تباين كبير فنيا. وأجد مثل قول محمود درويش في قصيدة (لاعب النرد): «أمشي / أهرولُ / أركضُ / أصعدُ / أنزلُ / أصرخُ / أَنبحُ / أعوي / أنادي / أولولُ / أُسرعُ / أُبطئ / أهوي / أخفُّ / أجفُّ / أسيرُ / أطيرُ...» في قصيدة لمالكة العاصمي، فما بالك بشعراء اليوم.

وذلك، أيها القارئ، سبب كاف لنفور الغاوين من الشعر والقراءة وابتعادهم عنهما كليا، وأنا أتفهم هؤلاء الغاوين لأنهم لا يمكنهم أن يقرأوا كتابات لا تمثلهم؛ لا من حيث لغةُ وأسلوبُ الشعر، ولا من حيث موضوعاتُه باعتبار أن الإنسان يقرأ نصوصا تعالج قضاياه النفسية والعاطفية والاجتماعية والسياسية.

والشعر الذي يمكن أن يتبعه الغاوون هو شعر يتسم بالبساطة والعمق والغموض المستند إلى الرموز/المفاتيح التي تؤدي به إلى تأويل النص حسب مستواه الثقافي والمعرفي. وليس بالطريقة التي تجلب إليه الملل، فتقوده إلى وضع النص/القصيدة جانبا، والولوج إلى الفيسبوك واليوتيب حيث يجد كل ما يوافق رغباته وهمومَه.

أما آن للشعراء أن يتخلوا عن أوهامهم التي تجعلهم يقاتلون في صحراء مقفرة .. يقاتلون طواحين الهواء .. بعيدا عن القارئ العادي .. بعيدا عن الشعب؟ في ظل غياب العدالة الاجتماعية، وفي ظل تعليم أهم مخططاته تجهيل المواطن حتى يتمكن أصحاب القرار من الاستمرار في مراكزهم، وحتى يتمكن أصحاب الثروة من جمع المزيد من الأموال، وفي ظل وعي الشعب بكل ما يجري حوله اجتماعيا وسياسيا وحتى اقتصاديا.

اُكتبوا أيها الشعراء شعرا صادقا نابعا من هموم الغاوين، فكما أنكم في حاجة إليهم، هم أيضا في حاجة إليكم.