حتى لا يصبح شباب 20 فبراير جنودا في المعركة الخطأ

حتى لا يصبح شباب 20 فبراير جنودا في المعركة الخطأ

كانت معركتهم حقا نبيلة ،وكانت أحلامهم كبيرة ورائعة.

كانت أحلاما بحجم وطن ... وآمالا بلون الربيع الذي غطى صحراء العالم العربي ،وبعثَ الدفء في شتائنا القارس ،ورسم لنا مخرجا واضحا من خريف الدكتاتورية الطويل، بكل تلاوينه وسراديبه ومنعرجاته، على طول التاريخ وامتداد الجغرافيا..

كانوا شبابا وشابات في عمر الزهور،تجاوزوا المذهبيات والعصبيات والحساسيات السياسية ،واصطفوا في جبهة واحدة،يرددون بأعلى صوتهم : كرامة... حرية... عدالة اجتماعية. وهو مطلب جامع مانع .ولا يمكن إلا أن يُجمع على هذا الشعار،ومن ورائه المطالب الواقعية الأخرى،كلُّ العقلاء في هذا البلد.

أراد شباب 20 فبراير أن تكون تجربتهم فريدة على المستوى الوطني، دون أن تفقد صلتها وتأثرها بباقي الثورات على امتداد العالم العربي.لأن وحدة المصير والهدف لا تلغي تعدد السبل ، كما لا تلغي تنوع الوسائل ،وكثرة الطرق المؤدية إلى الهدف نفسه.ولذلك حرص هؤلاء الشباب على أن تبقى مسيراتهم وانتفاضتهم سلمية بامتياز.وجعلوا ذلك شعارا.

فمن سنن الثورات، وكل أنواع التغيير، أن ليس هناك صراط مستقيم وحيد، من حاد عنه كان مصيره النار،بل هي صراطات مستقيمة،تدل على أن لكل شعب عبقريته وفرادته وقدرته الخاصة في التغيير.وكل تعميم هو خدمة لإيديولوجيا قوم ليسوا في التغيير راغبين،إنما تهُمُّهم أهدافهم الخاصة ومكاسبهم الضيقة بعد انقشاع غبار "المعارك".

أراد شباب 20 فبراير أن يزدان ربيع المغرب بأزهار الفل والبنفسج والياسمين... لكن دون أن يدفع ذلك آلاف ''السيَّافين'' ( الذين يقطعون الرؤوس بسيوفهم ) كي يقطفوا هذه الأزهار،ويجعلوا الربيع مأثما للورود ،ومجزرة للسنونو، وجحيما بطعم الزقوم.أرادوه ربيعا بلون الخضرة، وزخم الثورة السلمية،لا ربيعا بلون الدماء وأكوام الجثث .

وليس المقصود بسلمية هذه المظاهرات هو الحرص على أن تبقى مناسبات لترديد الشعارات والاحتجاج السلمي الحضاري..فهذا تحصيل حاصل،ولكن المقصود أكثر،هو تجنب كل ما من شأنه أن يسمم العلاقات بين المتظاهرين والمسؤولين،من قبيل تجنب بعض الشعارات الحزبية والفئوية ذات الحمولة الاستعدائية والاستعلائية في نفس الوقت ،وتلك الشعارات التي تستفز "النظام" أكثر من اللازم ودون أي داع لذلك.لأن العنف الرمزي أحيانا يكون مقدمة للعنف المادي.وكلاهما عنف.

لكن الخاسر الأكبر،هو الشعب المغربي،الذي يراهن على التغيير السلمي ،خاصة وأن ذكريات الانقلابات العسكرية مازالت حاضرة في المخيال الجمعي .وهي انقلابات لم يأخذ منفذوها رأي الشعب ،ولا آمنوا وما كان لهم أن يؤمنوا -شأنهم شأن باقي الانقلابيين في العالم العربي-بشيء إسمه الديمقراطية ورأي الشعب وسلطته ...ومع ذلك فإن الشعب المغربي دفع الثمن غاليا من حريته وتقدمه وقوت يومه.

فلا ينبغي تكرار أي سيناريو شبيه بهذه الكوابيس السوداء... لا أقصد الانقلاب لأن هذا أمر مستبعد ومستهجن ومرفوض.ولكن أقصد التأثر بالعنف، ولو في صورته الرمزية اللفظية.فلقد علمتنا التجارب أن النار من مستصغر الشرر،لكن الأخطر هو عندما تتصارع الأفيال،تسحق الحشائش.

لقد رسم الشباب في تونس وفي مصر معالم ثورة عربية سلمية واضحة.وهو نفس النهج الذي سار عليه شباب اليمن وسوريا،لولا أن النظامين في البلدين معا،معززين ومدعومين بالآلة العسكرية الجهنمية الطائفية،سلَّطا عنفهما الحاقد، وشططهما في القهر، وتطرفهما في الظلم ،على هؤلاء الشباب.

فلا خيار إذا إلا المسالمة والموادعة والمهادنة وليس المداهنة.وهذا يفترض الوضوح والتحلي ببعد النظر والصبر على كل استفزاز من الطرف الآخر.لأن المطلوب هو التأسيس لثقافة المواجهة السلمية والقضاء على ثقافة العنف.

بالمقابل،على جبهة السلطة ومن يهمهم الأمر،نريد أن يتقدم الصفَّ في هذه المرحلة مسؤولون يحسنون الإنصات ،وتحسس نبض الشارع ،والإصغاء الجيد لتلك الأصوات المعبرة بصدق وعفوية، عن انتظارات الشعب المغربي.أما الأصوات النشاز فمجرد نغمة شاذة لا تؤثر بأي حال من الأحوال في جمالية السمفونيا وحلاوتها وعذوبتها.لكن المحزن أن السلطة في كثير من الأحيان،آثرت أن تسمع تلك السمفونيا العذبة ،للأسف الشديد،بأذن من عجين وأخرى من طين.فلا عجب أن نهدر مزيدا من الوقت والفرص والجهد في حوار الطرشان غير المسؤول بالمرة.

فهل ما تزال فرصٌ أخرى لإتقان السمع والسماع ، وبالتالي تفادي التيه والضياع ...؟

دعونا نحلم بنهاية سعيدة،رغم كثرة الضوضاء وتغييب صوت العقلاء.

******************

حقا ارتفع الصوت العربي الحر من الخليج الهادر إلى المحيط الثائر ،وارتسمت مسارات وصراطات مستقيمة وجهتها الحرية ،ووسيلتها الديمقراطية و العدالة، ونقطة نهايتها تحقيق الكرامة،تلك الأمنية التي ماتت أجيال من بعد أجيال دون أن تنعم بها،وربما لم يطف بخلدها حتى في المنام أنها كلمة لها معنى في القواميس العربية.

ففي ظل الثورات العربية التي تجتاح بلدانا عربية في الغرب وأخرى في الشرق،توافق كثير من شباب المغرب،ومن خلفهم القوى الحية والهيئات السياسية والنقابية التي اعتقدت في جدوى الفكرة وأهميتها،على رفع شعار الإصلاح الحقيقي والقطع مع كل أسباب ورموز الفساد الذي ينخر بنيان الوطن،ويعرقل مسيرة التنمية والتطور والازدهار.

ومرة أخرى،فإن إصلاحا متوافقا حوله ومجمعا عليه ،هو بحد ذاته ثورة .ورب ثورة انتكست قبل أن تبلغ هدفها،لأن أعداءها عرفوا كيف يصرفونها عن مسارها، وسعوا جهدهم قصد إغراقها في '' الهرج والمرج '' بدل أن يفسحوا أمامها مجال البناء والعمران والتشييد.ورب إصلاح بلغ محطته الأخيرة،بأقل الخسائر الممكنة،وكان للمصلحين/ الثوار ما أرادوا،ولم يخسر أصحاب السلطة شيئا، لأن كل ما قاموا به هو مسارعتهم كي يعيدوا للسلطة والحكم معناهما الحقيقي،وبالتالي أعادوا للشعب حقوقه وفي مقدمتها أن يكون مصدر كل السلطات.

ربما يبدو مثل هذا التوقع أو السيناريو ضربا من الخيال.فنحن الذين أدمنا ''مورفين'' القوة ... وشربنا قانون القهر والغلبة من أثداء أمهاتنا... ومورست علينا كل أصناف التسلط والظلم نخال الإصلاح ضربا من الأحلام الوردية،ولا نتصور أن يفضي مسار الإصلاح إلى ما يفضي له مسار الثورة .علما أن مسار الثورة ليس دائما مضمونا، لا تشكيكا في نوايا الثوار وإرادتهم،ولكن للتاريخ مكره،وللمحيط سطوته.

فالثورة،التي نبارك للبلدان العربية نجاحها ونتمنى استمرارها ،حتى يتحقق للشعوب العربية شرط الوجود الأول ،المتمثل في الحرية والكرامة الحقيقتين، هي ثورة أيضا محفوفة بكثير من المخاطر.في مقدمتها إرهاصات الثورة المضادة ،كما هو الحال في تونس،وصعوبة إرساء نظام متفق حوله بأغلبية مريحة أو بشبه إجماع كما هو الحال في مصر.

ليس هذا تيئيسا و لا انتقاصا من هذه الثورات المباركة حقا.لأن بفضلها نكتب اليوم ما نكتب.وبفضلها سيتغير تاريخ المنطقة ككل.لكن هذا لا يتناقض مع إبداع تجربة مغربية إصلاحية /ثورية تستثمر التجارب العربية الأخرى،سلبا وإيجابا،وتبني على ما وصلت إليه،تفاديا للخسائر في غير محلها،ولإهدار الوقت وقتل الفرص السانحة.

أعتقد أن شباب 20 فبراير حين أقدموا على تأسيس حركتهم كانوا ملمين بخصوصيات الواقع المغربي والأسلوب الأنجع لتحقيق أهداف الشعب المغربي،واستطاعوا فعلا أن يجلبوا أصواتا عديدة وقوى مختلفة كي تنخرط بوعي ومسؤولية في المسار النضالي،الذي أفــُقـــُه الإصلاح الحقيقي،دون خلط أو تمييع.

أكرر : ( كانوا شبابا وشابات في عمر الزهور،تجاوزوا المذهبيات والعصبيات والحساسيات السياسية ،واصطفوا في جبهة واحدة،يرددون بأعلى صوتهم : كرامة... حرية... عدالة اجتماعية. وهو مطلب جامع مانع .ولا يمكن إلا أن يُجمع على هذا الشعار،ومن ورائه المطالب الواقعية الأخرى،كلُّ العقلاء في هذا البلد).

ولكن آفة بلادي الاختلاف ،وخنق كل الأصوات الجميلة والقوى المبشرة والواعدة ...

وهكذا ،بعد الرضا الظاهري بسقف الأهداف التي رفعتها حركة 20 فبراير ،وصلنا إلى نقطة تم فيها حشر الأجندات السياسية في غير موضعها،لأن الكثيرين من السياسيين،وخاصة أصحاب الإيديولوجيات الراديكالية ( إما كل شيء ... أو لا شيء ) لا يستطيعون مواجهة شباب 20 فبراير بحقيقة موقفهم وصدق نواياهم.وهكذا يمارسون تقية بغيضة،ويريدون أكل الشوك بأفواه الآخرين.وربما تقديمهم قرابين،إذا وقع المكروه لا قدر الله،كي يغسلوا بدمائهم الشوارع.

من قال : إن الرهان الحقيقي هو على الدماء ؟ ودماء من ؟ ولماذا الدماء أصلا ؟ ومتى كانت الدماء ،في تجربتنا العربية والمغربية على الأقل،وقود إصلاح حقيقي؟ وهل الشعب المغربي فكر يوما،وهل هو مستعد بأي شكل،كي يدفع ضريبة الدم؟.إن هذا غير وارد في أجندة الشعب أو بالنسبة لقطاع عريض منه،أما من يراهن على هذه الأجندة في التغيير،فالمطلوب منه أن يصارح الجميع بذلك،وأن يترك حركة 20 فبراير لحال سبيلها.لأنها لم تجعل بندا كهذا في أجندتها ومفهومها للتغيير.

خيرٌ للحركة ،وخير لمن يصطادون في الماء العكر،وخير للشعب المغربي قاطبة،أن تتوضح المواقف وتتجلى الخطط وتعبر كل الأجندات عن نفسها.لأن الالتباس الحاصل مرده إلى عدم الوضوح ،والتشويش الحاصل على برنامج الحركة ،من طرف الهيئات السياسية التي لها أهدافها وبرامجها وخطابها ورهاناتها.

قضية أخرى، على جانب كبير من الأهمية ،ولا بد من جواب عليها،فمن حين لآخر نسمع أصواتا شاذة تعبر عن رغبات وأهداف مخالفة تماما لأهداف حركة 20 فبراير .فلا أحد ينظر بعين الرضا إلى جعل الحركة مطية، لتمرير الخطابات التي تصدم شعور الشعب المغربي، وتضرب في كثير من قناعاته ومستلزمات عقيدته.فسواء شئنا أم أبينا ،وسواء باسم الحداثة في أنصع صورها،أو باسم التقليد في أقدم مظاهره،فإن الشعب المغربي مُجمع على الإسلام.وهو إجماع لا يلغي التسامح والانفتاح وتباين وجهات النظر حول كثير من القضايا، لكن ليس لدرجة جعل الشذوذ الجنسي مطلبا ،وجعل الإفطار العلني والجماعي في رمضان قضية حقوقية ،وربما "وطنية"،وكل هذا باسم النضال والسعي للإصلاح والقطع مع كل أشكال الفساد.

إن الحرية الفردية مكفولة بشرط الكف عن افتعال كل أسباب التصادم مع قناعة وعقيدة الأغلبية.والنضال يكتسب قدسيته من نبل القضايا التي يتبناها المناضلون.فلا أحد ،إن نحن تحاكمنا للشعب المغربي الذي باسمه تُخاضُ النضالات والإصلاحات والمعارك السياسية،يعتقد في نبل قضية الشذوذ الجنسي والإفطار العلني والجماعي في رمضان.فإن سقط شرط النبل والمعنى الإنساني عن كثير من المطالب،فإن النضال لتحقيقها سياسيا وحقوقيا واجتماعيا،يصبح بداية لتبرير كل نضال،حتى ولو كان من أجل القتل والدعارة والاغتصاب ... فكلها سلوكيات شاذة،وكلها يخجل مرتكبها ويدينه المجتمع.

هذا يجعل وضوح الخطاب الإعلامي ووحدته أيضا مطلبا ضروريا.الفكرة العملية الوحيدة التي أراها كفيلة بإخراج الحركة من هذا التخبط في البيانات والمواقف،وما يتلو ذلك من تجاذبات وتصادمات،حول مدى تعبير هذه البيانات والتصريحات عن مواقف الحركة أو لا ، الفكرة هي تأسيس موقع إلكتروني " احترافي " باسم الحركة ( أتمنى ألا تكون تكلفته كبيرة ويكون اقتراحي غير عملي ).يكون وحده المرجع والمصدر الرئيسي لمعرفة موقف الحركة في كل ما يهمها.ففي غياب موقع موحد،نجد مقالات ومواقف وحوارات مبثوثة في مواقع أخرى،ومنها مواقع الهيئات السياسية التي سبق الحديث عنها.وهنا يقع المتتبع ،وكل من يهمه أمر الحركة،في غير قليل من البلبلة والتشويش والحيرة.

وأخيرا،فإن الحراك في الشارع ينبغي أن يكون هدفه ومآله الحوار بين حركة 20 فبراير والدولة.لأن الحوار أو التفاوض ليس ترفا ومضيعة للوقت كما يزعم بعض "الفاعلين".وهذا انسجاما مع سقف مطالب الحركة،ففي نهاية المطاف هي تبغي التغيير أو الإصلاح في ظل الاستمرارية.وقد سبق للجنة المراجعة الدستورية أن وجهت الدعوة للحركة للمشاركة في مشاورات إعداد الوثيقة الدستورية،ولم تستجب الحركة لهذا المطلب.السؤال هل كان موقفها هو الموقف المناسب ؟وهل كان ممكنا الاجتهاد أكثر وبالتالي المشاركة في أشغال هذه اللجنة ولو من باب المغامرة؟ وإذ لم تستجب لهذه الدعوة،فما تقييمها الآن لهذه المقاطعة ؟ وهل الدولة مستعدة للدخول في حوار جاد ومسؤول مع الحركة ؟

في جميع الأحوال،فإن الحوار هو الأصل،وكل تأخر عن هذه الفريضة يعني أن هناك خللا في التواصل أو في الأهداف أو في المسلكيات ... وربما هي أطراف بعضها لا يعترف بوجود الطرف الآخر،فهو لا يقدره حق قدره وليس مستعدا للتنازل عن هيبته وقوته كي يجلس لطاولة الحوار.

كخلاصة ،لقد ولدت حركة 20 فبراير في خضم الحراك العربي ،وهي حسنة من حسناته.لكن خصوصية الوضع بالمغرب فرضت على الحركة بداية أن تبلور أهدافها وأشكال نضالها طبقا لهذه الخصوصية.وقد حازت الحركة إعجاب الكثيرين الذين بادروا إلى الانخراط في مسيرة نضالاتها وأنشطتها،وعقدوا عليها كثيرا من الآمال.وشيئا فشيئا،كانت هناك بعض التجاوزات التي تقع بفعل هذه الهيئة أو تلك،ومع تعدد الناطقين باسم الحركة،وتداخل الاختصاصات ،وقع الكثيرون في لبس واضح،اختاروا معه التريث وتجميد تفاعلهم مع نداءات الحركة.ليس زهدا ولا تراجعا،ولكن رغبة في الوضوح وجلاء المواقف.

إن الموقف الآن يستدعي مراجعة عاجلة،حتى لا يحول بعض الانتهازيين وذوو الأجندات الخفية،نضالات الحركة ورصيدها الغني لحد الآن،لحسابهم الخاص.وهو ما ينبغي أن يتنبه له شباب الحركة،فهم أكبر ومواقفهم ومبادراتهم أسمى،من أن يصبحوا جنودا في المعركة الخطأ.

معركة النضال والإصلاح متواصلة ... لكن الخطأ مطلوب تصحيحه من الآن ..

[email protected]