تعليقا على القرار الأممي 2218 حول الصحراء

تعليقا على القرار الأممي 2218 حول الصحراء

أصدر مجلس الأمن قراره عدد 2218 المتعلق بملف الصحراء، يكون بذلك قد أسدل الستار عن سنة من التجاذب حول بعض التفاصيل المحورية في الملف، و في عمل بعثة المينورسو بالمنطقة، كذا لأفق حل النزاع، الذي انتهى القرار إلى أنه لن يكون إلا سياسيا، قبل التطرق لمضامين القرار لابد من الإشارة إلى السياق الإقليمي و الأممي الذي مهد له، هنا يمكن تجميعها في:

-الحزم المغربي الذي أبداه المغرب طيلة هذه السنة تجلى أساسا في "سحب الثقة" و وقف التعامل مع المبعوث الشخصي للأمين العام كريستوفر روس مما أدى إلى توقف المفاوضات طيلة التسعة أشهر الماضية.

- المكالمة الهاتفية للملك مع الأمين العام للأمم المتحدة التي أكد فيها على الرؤية الواضحة للمغرب حول الملف، و حول المخاطر التي تهدده في حال استمرار الانحياز لطرف على حساب طرف آخر، و هي المكالمة التي أشار إليها الامين العام بان كيمون في تقريره السنوي حول الصحراء.

- خطاب 6 نوفمبر 2014 الذي اعتبر خطاب الحسم، و وضع النقط على الحروف فيما يتعلق بالملف و بمنعرجاته، خاصة على مستوى تأكيد الخطاب على الواقع الميداني الذي يتجلى في خضوع هذه الأقاليم للسيادة المغربية منذ استرجاعها إلى الآن و عدم استعداد المغرب للتنازل عن هذا الواقع و عن هذه السيادة حتى لو أدى الأمر إلى مراجعة دور و تواجد بعثة المينورسو بالإقليم الصحراوية.

- التأكيد المغربي و من خلال ذات الخطاب على ألا مخرج و حل للنزاع إلا من خلال الحل السياسي الذي جسده المغرب في مبادرة الحكم الذاتي التي تجسد الروح الديموقراطي لمبدأ تقرير المصير، و ألا استعداد للمغرب لمناقشة أي حل خارج هذا الإطار الذي سبق للأمم المتحدة أن اعترفت بجديته، و واقعيه مما جعله مع توالي القرارات الأممية جزءا أساسيا من الحل، بل هو الحل نفسه.

- موقف الدول الفاعلة خاصة امريكا التي قدمت مشروع القرار قبل المصادقة عليه، الذي اعتبر انتصارا داخل الإدارة الأمريكية للخط و الصوت المتنبي للحل السياسي، و لإعطاء دفعة قوية للخروج من هذا المأزق الذي وجدت فيه نفسها الجزائر و جبهة البوليساريو عن طريق تقديم مشروع قرار أممي أعاد الملف و الوضع لحجمها الطبيعي.

بالعودة للقرار 2218 الصادر عن مجلس الأمن، لابد من الإشارة إلى مواقف الدول أثناء مناقشته، و بالعودة لجلسة المناقشة يمكن التمييز بين ثلاث مواقف أساسية:

1- موقف الدول الفاعلة دوليا: جسدته الولايات المتحدة الأمريكية،فرنسا، اسبانيا، بريطانيا و هو موقف عبر عن دعمه الواضح للقرار و تبنيه له، خاصة على مستوى عدم تغيير طبيعة بعثة المينورسو، و إحصاء اللاجئين الذي أصبح ضرورة إنسانية أكثر منها سياسية، كذا من خلال الربط في مداخلاتهم بين استمرار النزاع و الخطر الإرهابي. ..

2- الموقف المجسد لصوت الدول العربية: و هو الموقف الذي جسده الأردن من خلال إعلانها على الدعم القوي، الكامل للمغرب و لسيادته، و لمبادرة الحكم الذاتي التي اعتبرتها المخرج الوحيد للنزاع

3- موقف دول الموالاة للجزائر/البوليساريو: و هو الموقف الذي عبرت عنه كل من فنزويلا و أنغولا، اللذين رغم احتجاجيهما، و تعبيريهما معا في مداخلاتيهما عن رفضها لمحامين القرار خاصة فنزويلا التي عبرت عن استياءها من عدم الاستجابة للطلب الذي تم التقدم به قصد استدعاء "المبعوث الافريقي" شيصانو الذي عينه الاتحاد الأفريقي كممثل له في الملف، الذي وجد نفسه في موقف محرج رغم الضغط الذي مارسته الجزائر و فنزويلا لاستدعاءه لحضور الجلسة إلا أن م قف الامين العام كان واضحا في رفضه له و لهذا المقترح، غم ذلك فقد صوتتا معا لصالح القرار للإحراج الدولي و الأممي اللذين وجدت نفسيهما فيه بعد الإجماع الذي حظي به القرار أثناء مناقشته و التصويت عليه.

فاستقراء لهذه المداخلات، يشير بوضوح إلى العزلة التي أصبح يعيش فيها النظام الجزائري، و جبهة البوليساريو، من خلال تراجع الدعم الذي كان يحظى به عادة في مثل هذه المناسبات، و يجسد تغير في المقاربة الأممية للملف، و في النظرة التي كانت تحكمه و تؤطره.

بالعودة لقرار مجلس الأمن عدد 2218 الصادر بعد سنة من الفراغ التفاوضي، يمكن تلخيصها في:

1- الربط بين استمرار النزاع و الخطر الارهابي:

القرار و في مقدمته تطرق بشكل مباشر إلى الربط بين راهنية الحل السياسي، و الأخطار التي تهدد المنطقة خاصة مع تزايد حجم الإرهاب الذي تتعرض له بعض البلدان الإفريقية التي قد تجسد خلفية عسكرية يتم التمترس فيها لتفجير افريقيا، و هي مخاطر تتزايد حدتها مع وجود نزاع مفتعل، يقوض من فرص الأمن بأفريقيا و العالم، خاصة مع وجود "المخيمات" شبه نقطة سوداء بالمنطقة، مغلقة تحولت إلى مشتل حقيقي ينتج الإرهاب، خاصة و أن تقرير الامين العام بان كيمون الذي اعتبر تمهيدا لقرار مجلس الأمن، أكد على ارتفاع حالة الإحباط و اليأس في صفوف الشباب داخل المخيمات، و ربطها بالإرهاب و المخاطر التي يجسدها استمرار النزاع، على المنطقة و على العالم، خاصة و أن التنظيمات الإرهابية تنشط في مثل هذه الأزمات لاستقطاب الشباب سواء لداعش، أو بوكو حرام....أو غيرها من التنظيمات الإرهابية اقليميا، دوليا.

2- عدم توسيع مهام المينورسو ليشمل حقوق الإنسان:

القرار و قبله تقرير الامين العام اللذين جاءا متكاملين في هذه النقطة، من خلال التأكيد على الدور التأسيسي لبعثة المينورسو خاصة على مستوىتقوية إجراءات الثقة من خلال تبادل الزيارات، و الإشراف على وقف إطلاق النار بموجب اتفاقية 1991 التي بموجبه وجدت هذه البعثة، بالتالي يكون القرار قد أعاد النقاش أمميا على مستوى وضعية المينورسو في علاقتها بموضوع حقوق الإنسان إلى وضعها الطبيعي.

لكن الإشارة هنا القوية التي قدمها القرار نفسه هي فيما يتعلق بوضع حقوق الإنسان على مستوى الأقاليم الصحراوية، من خلال الإشادة بتقدم الحالة في هذه الاقاليم، و تطورها على هذا المستوى،

خاصة على مستوى تعامل المغرب مع البعثات الأممية التي زارت المغرب مجردة في المفوضية السامية لحقوق الإنسان التي بينما كان الامين العام يتلوا تقريره السنوي كانت هذه البعثة تزور المنطقة لتفقد الوضع الحقوقي هناك، ليخلص التقرير إلى الدور الذي يقوم به المجلس الوطني لحقوق الإنسان، و لجنتيه الجهويتين المتواجدتين بالإقليم الصحراوية، و بالعمل الذي يقومان به على مستوى التصدي لأي خرق حقوقي قد يحدث بهذه الاقاليم، و إذا كانت الامم المتحدة قد وجدت آلية دستورية، وطنية، مستقلة تخضع لمبادئ باريس للتعامل معها، فإنه بالمقابل لا توجد أية آلية حقيقية "مؤسساتية" بالمخيمات لمراقبة، حماية حقوق الإنسان هناك.

3-إحصاء اللاجئين بالمخيمات:

المسألة الأخرى الأكثر أهمية في هذا القرار، هي المتعلقة باللاجئين و حقيقة عددهم، و تواجدهم بالمخيمات، و ظروف عيشهم، التي كانت محط نقاش كبير بدءا من سنة 2010 من خلال قرار مجلس الأمن 1920 القاضي إحصاءث اللاجئين، الذي كان قد اعتبر لحظتها قرارا تاريخيا، اليوم بعد خمس سنوات تعود الامم المتحدة للتأكيد على هذا القرار و على ضرورة إحصاءهم، لمعرفة حقيقة المتواجدين هناك، و عددهم، ازداد أهمية هذا القرار مع تقرير مكتب محاربة الغش الأروبي، الذي قدم أرقاما متضاربة"90الف" عما تقدمه البوليساريو " 160 الف"، و ما أثاره من نقاش حول استغلال اللاجئين و هذه الأرقام المنفوخ فيها، لاستقطاب مساعدات غذائية و مالية كبيرة تحقق أرباحا و ربحا غير مشروع لقيادة الجبهة و الاثراء على حساب اللاجئين و على حساب بؤسهم، هذا القرار انضاف إليه القرار الأروبي الداعم لعملية و لموقف إحصاء اللاجئين، مما جعل من هذا التوجه توجها دوليا، يتعلق بمختلف المؤسسات سواء كانت اروبية، أو أممية.

4- الحل السياسي التفاوضي:

القرار 2218 و قبله تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بان كيمون، اتجاه معا للتأكيد على الحل السياسي، التفاوضي، بالعودة لتقرير الأمين العام الذي اعتبر تمهيدا للقرار، أكد على ما ورد في الخطاب الملكي ل 6 نوفمبر 2014 على كون المغرب لن يتفاعل مع أي مقترح غير الحكم الذاتي، و هو ما أكد عليه القرار الذي جمع بين ثنائية الإشادة بمبادرة الحكم الذاتي-باعتبارها الحل السياسي

صالحة كأرضية للتفاوض السياسي بين طرفي النزاع تحت إشراف المبعوث الشخصي للأمين العام كريستوفر روس الذي أعاد التقرير على اهمية التعامل معه و التعاطي معه بشكل إيجابي، خاصة و أن القرار بالنسبة أعاد الأمور لوضعها الطبيعي-، و تقرير المصير الذي لم يعد يختزل فقط في الاستفتاء، بل أصبح لهذا المعنى بعده السياسي، الديموقراطي الحقيقي، و هو معنى يستجيب لتطلعات الساكنة الصحراوية في تدبير شؤونها المحلية بشكل مستقل عن المركز، و الحفاظ على وحدة المغرب و استمرار خضوع هذه الأقاليم للسيادة المغربية، هذه المزاوجة بين الشعارين و المطلبين هما الكفيلين لوحدهما لتحقيق الحل و نهاية النزاع المفتعل الذي طال أمده.

في الختام، يمكن اعتبار القرار 2218 هو رد أممي على ادعاءات الجزائر و البوليساريو، و أنصاف للدبلوماسية المغربية التي تعاملت بنزاهة في إدارتها للملف، و أن الدبلوماسية المبنية على الحزم، مخاطبة الضمير الإنساني الدولي بالحجة، قادرة على هزم الدبلوماسية المعتمدة على الرشاوي و العطايا.