عوائد التقليد وعقبات التجديد

عوائد التقليد وعقبات التجديد

«[...] والتقليد عريقٌ في الآدميين وسليلٌ، والتطفُّل على الفنون عريضٌ وطويلٌ، ومرعى الجهل بين الأنام وخيمٌ وبيلٌ. والحق لا يُقاوَم سلطانُه، والباطل يُقذَف بشِهاب النظر شيطانُه [...]» (عبد الرحمن بن خلدون [1]).

«[...] دأبُ المُقلِّد في الدفاع عن تقليده هو اتِّهام مُخالِفه بالتقليد الذي يُضادُّه.»! (طه عبد الرحمن [2]).

يُستعمَل لفظ "ٱلتقليد"، في معظم ٱلأحيان، كما لو كان يَحمِل معنى واحدا وبَيِّنا يتمثل في «ٱلنَّسْج على مِنْوالٍ سابق بحِفْظه وتكراره كما هو». وفي هذا ٱلمعنى يَجِدُ "سَرْعى ٱلفكر" (و، بالأحرى، "صَرْعى ٱلفكر") ضالَّتَهم ٱلتي تُمكِّنهم من تبسيط ٱلواقع، كما هو ديدنُهم في الأخذ بالبسائط والوقوف عندها. لكن لفظ "ٱلتقليد"، في الحقيقة، مُجمَلٌ في معناه الذي لا يتبيَّن إلا بعد التفصيل بإزالة ٱلتباسه وكشف غموضه و، بالتالي، تحديد مضمونه الدلالي في تعدُّده وتداخُله.

وقد يكفي، لبلوغ ذلكـ، أن يُدرَكـ أن "ٱلتقليد" -بما هو "ٱسمٌ"- يُعدُّ مُشتقا من فعل "قَلَّده" ٱلمتعدي (بمعنى «شَدَّد أو أحكم قَلْدَ [أي: فَتْلَ ولَيَّ] ٱلحَبْل» و، من ثم، معنى «ألزمه بوضع "قِلادة" في عنقه» ؛ بحيث يكون معنى «فَتْل ولَيّ الحبل» أساس معنى «ٱلإلزام/ٱلمُلازَمة» أو "ٱلتقييد/ٱلتقيُّد"، وهو إلزامٌ وتقييد كان متعلقا في أصله بالحيوان الذي يُراد تعليمُه بشعار لكي يُعْرَف، فصار إلزامًا يُحمَّل بمُوجبه المرءُ "مقاليدَ" شيء ما [3]). وعليه، يكون المعنى الأصلي لـ"التقليد" مبنيًّا على "إلزام مُزدوِج"، من حيث إن صاحبَه ("ٱلمُقلِّد") يَحتذي حذو غيره في شيء ما، فيُلْزِم نفسه بالسير على مِنواله -ليس فقط حذو النعل بالنعل، كما يُقال، بل كما يُحكَم تقييد الشيء بحبل- فيُلْزِم، بالتالي، ذلكـ الغير المُحتذَى بضمان صحة وصلاح ما يُحتذى فيه ؛ مما يجعل ٱسم "ٱلتقليد" يدل، في آن واحد، على «فعل ٱلمُتابَعة وٱلِاحتذاء وٱلمُلازمة» (تقليد فُلان لعُلان في شيء) وعلى «ٱلشيء ٱلذي يكون موضوعا للمُتابَعة وٱلِاحتذاء» (هذا "ٱلتقليد" أو ذاكـ و، من ثم، مجموع "ٱلتقاليد" ٱلمُتداوَلة وٱلمُتَّبعة بين ٱلناس). وإذا كان "ٱلمُقلِّد" لا يستطيع أن يَشهَد بصحة وصلاح ما يُتابِع فيه غيره، فلِأنَّه يَفْتقِد ٱلقدرةَ على وضع أو بناء ما يَصِحّ أو يَصلُح أن يُحتذَى. وكونُه يتحدد بصفته مُلْزَمًا أو مُقيَّدًا بمُتابَعة ما لا يَملِكـ أن يبتكره ٱبتداءً ولا أن يقوم دليلا على صحته وصلاحه هو ما يجعلُه عاجزا عن تبيُّن أسرار ومفاتيح ("مقاليد" أو "أقاليد") ما يَكتفي فيه باحتذاء حذو غيره.

ومن ثم، يكون "ٱلتقليد" دالًّا على ثلاثة مَعانٍ أساسية: أولها، أنه «كيفيةٌ في ٱلفعل وٱلسلوكـ تقوم على مُتابَعة ٱلغير في قوله و/أو فعله» (وهذا ما يُسمَّى "ٱلمُحاكَاة" في مقابل ٱللفظ ٱلأجنبي « imitation »، و"ٱلمُحاكاة" تتعارض مع "ٱلأصالة" [« originality/authenticity »] بما هي "مُبادَرةٌ" إلى الفعل وبالفعل، مبادرة تجعله أصليّا وأصيلا) ؛ وثانيها، أنه «ما يُمثِّل نَهْجًا يَصِحّ أو يَصلُح أن يُحتذَى ويُتَّبع» (وهو ما يُسمَّى "الأعراف" و"التقاليد" المُتَّبعة كـ"سُنَّة" أو "تُراث" في مقابل اللفظ الأجنبي « tradition »، وهذا المعنى يتعارض مع معنى "ٱلمُجاوَزة" بما هي "ٱبتداعٌ يتجاوز أصلا ما" أو "إحداثُ أصلٍ ما"، أي مع ما صار يُسمَّى "ٱلحداثة" [« mdernity/modenité »]) ؛ وثالثها، أنه «ٱلعمل على حفظ وتكرار ما هو قائم سلفًا أو سائد واقعًا» (وهذا ما يُسمَّى "ٱلنَّقْل" و"ٱلِانتحال" في مقابل ٱللفظ ٱلأجنبي « copy/plagiarism » ، وهو ٱلمعنى ٱلذي يتعارض مع "ٱلِابتكار" [« invention »]، و"ٱلتجديد" [« innovation »]، و"ٱلإبداع" [« creation/création »]). تُرى، ما ٱلعلاقات ٱلممكنة أو ٱلقائمة بين هذه المعاني الثلاثة من "التقليد"؟ هل يتعلق الأمر بثلاثة أنماط مُتبايِنة ومُتمايِزة من واقع الفعل البشري أم بثلاثة مستويات أو درجات مُتداخِلة ومُتراكبة فيه؟ وما الذي يجعل "ٱلتقليد" يبدو، على العموم، سَلْبيا ومذموما في مقابل "ٱلتجديد" المرغوب والمطلوب؟ وهل كل "تجديد" لا يكون أصيلا إلا إذا كان "ٱجتهادًا" في ٱلِانقطاع أو ٱلِانفكاكـ عن كل "تقليد"؟

إنه لمن الشائع أن يُقال بأن "ٱلإسلام" دينٌ قائمٌ -على ٱلأقل من ٱلناحيتين ٱلِاعتقادية وٱلتعبُّدية- على "ٱلتقليد"، من حيث إنه يُنظَر إليه في ٱلغالِب كدين يُوجِب على ٱلمؤمنين ٱلعمل بـ"ٱلِاتِّباع" ويُحرِّم عليهم، من ثم، كل "ٱبتداع". وفي المدى الذي يُعَدُّ "ٱلِاتِّباع" ٱقتداءً بمن يُفترَض فيه أن يكون نموذجَ "ٱلدليل ٱلصادق" (على ٱلنحو ٱلذي يُؤدِّي إلى لُزوم أو ٱلتزام كيفيةِ عمل ٱلمُقتَدى به كضمان يُخلِّص ٱلمُقتدِي من واجب ٱلنهوض بتحصيل "ٱلدليل" وتصديقه)، فإن "ٱلتقليد" يكون بمثابة إلزامٍ للنفس باحتذاء عمل ٱلغير تجنُّبا لِتحمُّل ٱلمسؤولية عن تحصيل "ٱلدليل" وتصديقه (على النحو الذي يقتضي لُزوم أو ٱلتزام كيفيةِ عمل ٱلغير ٱلذي يصير وحده مُقلَّدًا تلكـ ٱلمسؤولية). ومن هنا، يُمكِن أن يُنظَر إلى الأمر كله، على مستوى العمل البشري، باعتباره يدور حول الكيفية التي يُتعامَل بها مع "المسؤولية" تأسيسا موضوعيا لها على "المعقولية" كـ"ٱجتهاد" عُمومي ومفتوح أو تهرُّبا منها في صورة "إمَّعِيّةٍ" تتحدَّد كاتِّكال وقُعود وتفريط.

إن ٱلإنسان، بما هو كائن فاعل، لا يتجلّى كـ"ذات" (قائمة بنفسها، مُستقلة بكيانها وحرة في فعلها) إلا في المدى الذي تُجهَل أو تُغفَل الشروط الِاجتماعية والتاريخية المُحدِّدة لإمكان فاعليته، مِمّا يجعل قيامه الذاتي مشروطا دومًا من الناحية الموضوعية. ولهذا فالمشكلة الكُبرى بخصوص الفعل البشري إنما هي تحديد الكيفية التي يَحصُل بها ٱكتساب القدرة على الفعل الِاجتماعي كما يتحدَّد في "ٱلمُبادَرة" (كـ"مُجاوَزة" أو "مُخالَفة") و"ٱلمُتابَعة" (كـ"مُحاكاة" أو "مُحافَظة"). وبما أن التحديد الموضوعي للفاعلية يُنَزَّل كحتمية سالِبة، فإن الإدراكـ الإيجابي لتلكـ المشكلة يَرجِع إلى كيفية ٱكتساب القدرة على تعطيل مجموع آثار "ٱلوراثة" الِاجتماعية والثقافية التي تُسوِّي موضوعيا "ٱلذات" (كـ"قُدرة على الفعل") تسويةً تُوجِّهها إلى الفعل على نحو ضروري وغير قصدي. وبالتالي، فإن المشكلة تَرتدُّ إلى تحديد علاقات "الفاعل" بمجال تكوينه وٱشتغاله، وهو الأمر الذي يقود إلى ٱستحضار مفهوم "ٱلسَّمْت" (في مقابل « habitus » كما ٱنتهى بناؤُه في ٱجتماعيات "بورديو") الذي يُمكِّن من إدراكـ "هيئة" أو "حال" الفاعلية كـ«نسق من ٱلِاستعدادات المُكتسَبة، الدائمة نسبيا والقابلة للنقل»، نسق يبقى مرتبطا في تكوُّنه (كمجموعة من آليات ٱلِابتناء) بالمسار ٱلِاجتماعي المُحدِّد لِاكتساب الاستعدادات والقدرات الخاصة، ومُحدَّدا في ٱشتغاله (كمجموعة من الأوضاع والمواقف) بعلاقته مع مجال مُعيَّن من مجالات العالَم الِاجتماعي. ولذا، فإن قيام الإنسان كذات فاعلة ليس مُعطى مُسبقًا كما يميل إلى تصوره وتصديقه الظن السائد، وإنما هو بناءٌ تاريخي وٱجتماعي مُحدَّد بكل الشروط التي تَحكُم وجود البشر في هذا العالَم. ذلكـ بأننا نجد أن نسق "البنيات الذاتية" (صِيَغ ومقولات الفكر والإدراكـ والفعل) يتكوّن في علاقته بمجموع مُحدِّدات المجتمع في فترة معينة كما تتجسد في "البنيات الموضوعية" (الأوضاع والمؤسسات المتعلقة بفضاء التوزُّع/التوزيع المُتفاوِت للخيرات المادية والرمزية) بحيث يوجد هناكـ -كما يقول "بورديو"- نوع من "ٱلتواطؤ ٱلوجودي" بين "البنيات الذهنية" و"البنيات الموضوعية"، تواطؤٌ يجعل "السَّمْت" مثل السمكة في الماء، وهو ما يُؤسِّس لـ"ٱلمُلاعَبة" (« illusio ») كمُجاراة ومُسايَرة لأوضاع الوسط بالِانخراط والِاستثمار في أحد الألعاب الِاجتماعية المُثيرة غالبًا لاهتمام الفاعلين [4]. وبالتالي، فإن الكيفية التي يَحدُث بها الفعل البشري كفعل ٱجتماعي لا تجد تفسيرها -حسب المنظور البورديوي- إلا في إطار "منطق الممارسة" كما يتحدَّد ضمن ٱقتصاد عام يشمل مختلف التبادلات المادية والرمزية على مستوى فضاء ٱجتماعي مُعيَّن.

من أجل ذلكـ، فإن الإنسان بصفته فاعلا ٱجتماعيا يُعدّ -بالأساس- نتاجَ "التنشئة الِاجتماعية" (« socialization ») التي تعمل على تسوية "البنيات الذاتية" وَفْق شروط "البنيات الموضوعية"، وهي تسويةٌ تتمثل في نقل أهم المكتسبات والخبرات المُحصَّلَة إلى الناشئين الجُدد في صورة قِيَم ومعايير ومبادئ مُتقمَّصة جسديا. وبما أن "التنشئة الاجتماعية" لا تتم إلا من خلال مجموع الشروط المُحدِّدة بشكل مُتفاوِت للمجتمع بكل فئاته ومؤسساته، فإن عمل تسوية "البنيات الذاتية" المُقوِّمة لسمت الفاعل الِاجتماعي يتحقق موضوعيا بشكل مُتمايِز ومُتفاوِت على نحو يجعل "السُّمُوت" متباينةً في علاقتها بأنواع "التنشئة الِاجتماعية" المرتبطة بمختلف المجالات. ومن هنا، فإن ٱكتساب الاستعدادات والقدرات يخضع أساسا للتفاوُت الِاجتماعي المركوز في "البنيات الموضوعية" من الوجود الاجتماعي للناس. لكن كون التفاعل والتبادل الاجتماعي يستند إلى "المُحاكاة" كآلية أساسية في "النقل" و"المُراكمة" يجعل تسوية "البنيات الذاتية" للفاعلين الِاجتماعيين تقوم في صورة "ٱمتلاكـ"، مشتركـ بهذا القدر أو ذاكـ، لنوع "التقليد" (أو "النهج المُتَّبع") الخاص بمجال معين من الفضاء الاجتماعي. ومن دون ٱمتلاكـ ذلكـ النوع من "التقليد" لا يكون الفاعل الاجتماعي سوى إطار فارغ ومُعطَّل، لأن "السمت" لا يشتغل إلا باستدخال وتقمُّص "البنيات الموضوعية" في صورة "بنيات ذاتية" هي جِماع "التقليد" السائد والناجع في الوسط حيث ينشأ ككائن ٱجتماعي.

تُمثِّل "المُحاكاة"، إذًا، آليةً أساسيةً في ٱلِاكتساب ٱلِاجتماعي والثقافي. وهي ليست مجرد "مُشابهة" تَحفَظ الظاهر الحسي للأشياء وتقف دون باطنها الحقيقي ("أفلاطون")، وإنما هي أساس "التعلُّم" و"المعرفة" من حيث إن الإنسان أشد الحيوانات مُحاكاةً ("أرسطو")، بل إنها خاصية بشرية تُميِّز الإنسان حتى عن أقرب الحيوانات إليه ("الرئيسيات")، مما يُعطيها دورا أساسيا من الناحية العصبية والنفسية والاجتماعية في كل الأنشطة التعرُّفية والثقافية التي ينشأ ويستمر بواسطتها الإنسان [5]. إذ بفضل "المُحاكاة" يَحصُل ٱكتساب ونقل الخبرات والقيم في إطار ممارسة عملية تستند إلى "المُشابهة" و"المُماثلة" لبناء سيرورة النمو والتطور والتمكين، من ثم، لـ"المُراكمة/التراكُم" فرديا ونوعيا [6].

وهكذا، فإن ٱشتغال "المُحاكاة" على المستوى الاجتماعي والثقافي كآلية أساسية في ٱلاكتساب والاستمرار يجعل سُمُوت الفاعلين تَتَّسم بنوع من ٱلِاشتراكـ والتوافُق في الميول والتفضيلات بفعل كونهم يخضعون للتنشئة ضمن "تقليد" أو "تقاليد" خاصة بهذا المجال أو ذاكـ من مجالات العالَم ٱلِاجتماعي حيث يعيشون ويتصرفون. ولكون تسوية "السُّموت" تَحدُث بواسطة عمل "التربية" و"التعليم" من خلال المؤسسة "المدرسية" التي تسهر على "التلقين" و"الترسيخ"، فإن الكيفية التي تتجلّى بها آثار "المُحاكاة" في نهاية المطاف إنما هي "إعادة ٱلإنتاج" (« reproduction ») كنقل وحفظ يستعيدان ويَستديمان نظام الأشياء والأفكار من خلال تسوية "السُّموت" بالتوافُق مع "البنيات الموضوعية" التي تُستدمَج داخل النفوس والأذهان كأنساق من "بنيات مُبتناة" تُتَداول وتُتَناقل في الآن نفسه كـ"بنيات مُبتنِية" تشتغل من داخل الفاعلين ٱلِاجتماعيين (مثلا، "اللغة" تُبتنَى ٱجتماعيا وتاريخيا في صورة نسق يتقمَّصُه المتكلمون على شكل قُدرات ومَلَكات لإنجاز الخطاب على نحو مُناسب [7]). ولذا، لا يكون الفاعل الاجتماعي إلا "نظامَ المجتمع/الثقافة" الذي يصير متجسدا في "السمت" كنسق من الاستعدادات التي تُكتسَب كنوع من "الوراثة" الاجتماعية والثقافية في صلة بمسارٍ حياتيّ ضمن الفضاء الاجتماعي الذي هو مجموعة من المجالات المستقلة بهذا القدر أو ذاكـ والخاضعة لأصناف من التفاوُت والتمايُز التي تنعكس تاريخيا وبنيويا على مُستوى سلوكات وإنتاجات الفاعلين بها.

ومن ثم، فإن الإنسان كفاعل اجتماعي لا يستطيع ٱلِانفكاكـ عن الضرورة الاجتماعية والثقافية المشتغلة من داخل الأذهان والنفوس (التي تُسوَّى من خلال نظام "التقاليد" الخاصة بالمجالات الاجتماعية) إلا على أساس معرفة حقيقية بالكيفية التي تتم بها "إعادة الإنتاج" كاستعادة وٱستدامة لنظام الأشياء والأفكار، وهي المعرفة التي تجعل أية "مُجاوزة" غير ممكنة إلا بالنسبة إلى الشروط نفسها التي تَكفُل قيام "المُلاعبة" و"المُنافسة" في المجالات الاجتماعية، بحيث إن الخروج من "تقليد" (أو نهج تقليدي) معين لا يتحقق إلا بالنسبة إلى آثار التفاوُت والتمايُز التي تَطْبَع مجموع التبادلات والتفاعلات والتي تجعل "السُّموت" لا "تُولِّد" من الفعل إلا بقدر ما "تُحمَّل" منه بواسطة "التنشئة" و"التشريط" المُلازِمين للوجود ضمن مجال معين. ولذا، فإن إمكانات "التجديد" لا تتحقق إلا على أساس كون "نظام التعليم" يشتغل في آن واحد بواسطة الآليات التي تضمن "إعادة الإنتاج" و"التمكين من الإنتاج"، بحيث يتم إيجاد الفاعل الاجتماعي من خلال إكسابه القدرات المناسبة لـ"المُضاهاة" ٱجتماعيا وثقافيا وتزويده منهجيا بالاستعداد للانقلاب عليها طلبا للانفكاكـ عن الضرورة التي تَشرُطه. فـ"ٱلتجديد" أو "ٱلِابتكار" رهينٌ بالاكتساب التامّ لـ"ٱلتقليد" ٱلمُتداوَل كـ"نهج قويم" أو كـ"نموذج سَوِيّ" والخاص بأحد المجالات المعنية، وذلكـ في المدى الذي لا يمكن قيام الفاعل الاجتماعي من دون أن يتمكن من نوابض الفعل التي تنغرس جذورها في "التقليد" السائد والتي تَنْهل منه قُدرتَها على الاشتغال صعودا ونزولا، خصوصا باعتبار نقل وتناقُل هذا "التقليد" لا يَحصُل إلا بشكل مُتفاوِت على النحو الذي يُؤدي إلى قيام "تقاليد" مُتنازِعة ومُتنازَعة في صورة "سُمُوت" تُلاحِقُ مَطالِبَها على نحو تنافُسي وتراكُمي يَحكُمه قانون "الغَلَبة/السيطرة" الذي يتوزع الفاعلون بحسبه إلى "غالِبين/مُسيطِرين" و"مغلوبين/مُسيْطَرعليهم". ومن هنا، فإن الفاعلية البشرية لا تعود نابعةً حصرا من "الذات" (كجوهر قائم بنفسه) كما تذهب إلى ذلكـ النزعة الذاتية ("الذاتِيَّانيّة")، ولا تقبل أن تُختزل تماما في الشروط الموضوعية متمثلة بالخصوص في "المجتمع" و"التاريخ" كما تقول النزعة الموضوعية ("الموضوعانيّة") بكل تجلياتها والمُفضية إلى القول بالخضوع للحتمية، وإنما هي نتاجُ حركيّةٍ بنيوية وتكوينية تَتَّخذ مظهرين: بنيات موضوعية ومُؤسَّسية (مجالات العالَم الاجتماعي) وبنيات ذاتية وذهنية ("السُّموت)".

وحينما يتعلق الأمر بالمجال العربي-الإسلامي، فإننا نجد أن الناس يَتلقَّوْنَ -من بين أشياء أخرى- "التقليد" الخاص بـ"الإسلام" بما هو دين، وأيضا بما هو ثقافة وحضارة، حيث تَحضُر وتُستحضَر أنماطٌ مختلفة من ذلك "النهج التقليدي" الموروث والمُتوارَث كـ"سُنّة" أو "سُنَن" يجب على المؤمنين ٱتِّباعُها بما هي "نموذج عملي أمثل". وعلى الرغم من أن "التقليد/المُتابَعة/المُلازَمة" يبدو، من الناحية المبدئية، مُستكرَها ومذموما («وإذا قيل لهم: "ٱتَّبِعوا ما أَنزل اللـه"، قالوا: "بل نَتَّبِع ما أَلْفَيْنا عليه آباءنا!"، أَوَلَوْ كان آباؤُهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون؟!» [البقرة: 170])، فإن تأسيس "الإيمان" على "ٱلِاجتهاد العقلي الحر" («ولا تَقْفُ ما ليس لكـ به علم. إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئكـ كان عنه مسؤولا.» [الإسراء:36] ؛ «أَإِلاهٌ مع اللـه؟ قُل: "هاتُوا بُرهانكم إن كنتم صادقين!» [النمل:64]) لا يشتغل إلا ضمن السيرورة الِاجتماعية المتعلقة بـ"التقليد/التُّراث/السُّنَّة" التي من خلالها يُنشَّأ الناس على "الإسلام/الدين" عقيدةً وعبادةً وأخلاقا. وإذا كان من الثابت أن معظم علماء "الإسلام" (في "الكلاميات" و"الفقهيات"، وحتى في "الصوفيات") لا يَقبلون "التقليد" السَّلْبي إلا في حدود ضيقة ويُوجِبُون "ٱلِاجتهاد" في طلب الحق لمن ٱستطاع إليه سبيلا [8]، فإن واقع الممارسة الدينية في حياة عامة المسلمين (وكثير من الخاصة أيضا) يشهد بأن الأساسي، على مستوى الاعتقادات والعبادات والمعاملات، لا يُنقَل ويُتناقَل إلا تقليدا من الأبناء لآبائهم. ذلكـ بأن "التقليد/المحاكاة" في الواقع الفعلي للحياة البشرية ليس مجرد "مُتابَعة" تَبني وتُرسِّخ "القدرة على الفعل" من خلال "الِاتِّباع العملي" لـ"كيفية في الفعل" تُعدّ نموذجية، وإنما هو مجموع الخبرات البشرية المُتعارَفة والمُتداوَلة التي لا قيام للإنسان كفاعل ٱجتماعي من دونها. ولذا، فإن وجود ضرورة ٱجتماعية وثقافية لبناء الفاعلية الإنسانية ضمن "تقليد" مُعيَّن يقود إلى تأكيد صعوبة ٱلِانفكاكـ عن هذا النوع من "التقليد" على نحو يجعل معظم الناس لا يكادون يفعلون شيئا آخر غير إعادة إنتاجه بحفظه وتكراره إلى ما لا نهاية، بحيث يبدو طلب مُجاوَزة "التقليد" نحو "ٱلتجديد" كما لو كان ممتنعا بإطلاق.

لذلكـ، فإن "ٱلتقليد" لا يتحدَّد كـ«مُتابعة في ٱلقول أو ٱلفعل من دون دليل» (كما ٱعْتِيد تعريفُه)، إذ هو ليس موقوفا على النهج النظري في ٱرتباطه بالتأمل ودورانه على الدليل المجرد [9]، وإنما هو «مُتابعة في القول والفعل لعدم القدرة على ٱلِاستقلال في إتيان ٱلفعل ٱبتداءً»، حيث إن ٱمتناع قيام الإنسان في وجوده كـ"ذات" مستقلة كليّا هو الذي يُعطي "ٱلتقليدَ" مشروعيةً وجوديةً وٱجتماعية ويُقيمه في أساس ٱلفاعلية البشرية إلى حدِّ أن "ٱلتقليد/ٱلمُحاكاة" يترسخ فيصير طبيعيا وبديهيا بالنسبة للإنسان العادي حيث يَتَّخِذ لديه صورة "ٱلتقليد/ٱلمُلازَمة" الذي هو «مُلازَمةُ قول و/أو فعل الغير بإلزامه هو وحده بمسؤولية صحة وصلاح الدليل». ولذا، فإن الخروج من هذا "التقليد" لا يمكن أن يتأتى من خلال "ٱلِاجتهاد" النظري مُتصورًا كـ«بذل لغايةِ ٱلجُهد في طلب ٱلدليل تصديقا وتحقيقا»، لأن "ٱلِاجتهاد" بهذا المعنى لا يَنْفكّـ أن يكون سعيًا مُتوحِّدا ومُتوهِّما من حيث إن "ٱلسعي" عموما غير ممكن إلا في إطار مُغالَبة عملية مشروطة تاريخيا وٱجتماعيا كـ"مُكَابدة" من أجل رفع الموانع وٱقتحام ٱلعقبات في سبيل مُلاقاة "ٱلحق" [10]. وهذا ما يجعل "ٱلِاجتهاد" الكفيل بقطع حِبال "التقليد" وفكّـ قيوده لا يكون إلا "مُغالَبةً في ٱلجُهد العُمراني"، أي بالتحديد "مُجاهدة/جِهادا"، لتحصيل معرفة علمية وعملية بشروط الضرورة الطبيعية والاجتماعية من أجل التمكُّن من تعطيلها وٱلتمكين، من ثم، لقيام "ٱلمعقولية" كأساس لـ"مسؤولية" ٱلإنسان بصفته قد ٱستُخلِف في ٱلأرض ٱستعمارًا وٱستُؤمن على ما سُخِّر له ٱبتلاءً.

وإن إغفال التجذُّر الاجتماعي والثقافي لـ"التقليد" هو الذي يقود إلى أن يُنظر إلى "ٱلتجديد/ٱلِاجتهاد" كما لو كان يقوم على شاكلة "مُبادرة" ذاتية إلى ٱلفعل مُتاحة لكل من قادته إحدى سوانح "ٱلوعظ الخُلُقي" إلى أن يَعْزِم على ٱلإقلاع عن عوائده في مُتابَعة غيره، وكأنه يصير بذلكـ في غنى عن تحصيل الأسباب الموضوعية التي من شأنها أن تُمكِّنه من تركـ "التقليد" مُجاهدةً وليس عطالةً. ولعل ما يُجلِّي ذلكـ هو الكيفية التي يُدَّعى بها "ٱلإبداع" من قِبَل زُمرة "ٱلمُتحادِثين". ذلكـ بأنهم يكادون يُطْبِقون على إمكان شيء مثل «ٱلإنشاء على غير مثال سابق» أو «إيجاد شيء بديع من لا شيء»، مما يجعلهم لا يترددون في عرض أنفسهم بصفتهم يتميزون حصرا كـ"مُبدعين". «لكن من الذي خَلَق المُبدِعين؟». هذا هو السؤال الذي يَجدُر وضعه بمن يظن في نفسه القدرة على "ٱلإبداع" خلقًا وإنشاءً مُطلقَيْن، وهو السؤال الذي سبق لـ"بورديو" أن طرحه في بداية الثمانينيات من القرن الماضي [11]، وٱشتغل نحو عقد بحثًا عن إجابة له ذات كِفاية علمية [12]. وهكذا، إذا كان المُنتجُون، في مختلف مجالات الإنتاج، يُؤمنون بالطابع "الإبداعي" لأعمالهم، فإن الأمر لا يجد تفسيره ٱعتمادًا على أسباب تَعلُو على المجال الخاص بكل فئة منهم، وهو المجال حيث يُبتنى "السمت" الذي يجعل أحدهم مُقتدرا على "الصَّنْعة الفنية" (« poesis ») التي يُخْرِج بفضلها تلكـ "الأعاجيب" التي تُسمَّى "الأعمال الكُبرى" والتي يُنظَر إليها ببالغ الإجلال والتعظيم. ذلكـ بأن «ما يُسمَّى "الإبداع" يُمثِّل اللقاء بين سَمْتٍ مُكَوَّن ٱجتماعيا ووضعٍ مُعيَّن مُتكوِّن سلفًا أو ممكن في تقسيم الشغل المتعلق بالإنتاج الثقافي (و، فضلا عن ذلكـ، في مرتبة ثانية، في تقسيم عمل السيطرة) ؛ ويمكن للشُّغل الذي يَصنع به الفنان عملَه ويَصطنع، على نحو غير قابل للفصل، نفسَه بصفته فنانا (و، حينما يتعلق ذلكـ بالطلب المرتبط بالحقل، بصفته فنانا أصيلا، متفردا) أن يُوصَف باعتباره العلاقة الجدلية بين موقعه الذي يسبقه، غالبا، في الوجود ويبقى بعد زواله (مع ٱلتزامات مُحدَّدة، مثلا، "حياة الفنان"، شعارات، تقاليد، أساليب في التعبير، إلخ.) وبين سَمْته الذي يُهيِّئه مُسبقًا بهذا القدر أو ذاكـ من التمام لكي يَشغَل ذلكـ الموقع أو لِيَعْمَل -وهو ما يُمكن أن يكون أحد المتطلبات المُسجَّلة في الموقع- على تحويله كليّا إلى هذا الحدّ أو ذاكـ» [13])

وبناء على ذلكـ، يتبيَّن أن ما يُعطَى من أصالة وتفرُّد لـ"العمل الفني" (كعمل يقوم على "الصَّنْعة الفنية" في تعلُّقها العام والنموذجي بكل مجالات "الإنشاء") يُفسَّر من خلال ربطه الضروري بالحقل الخاص حيث يُنشَّأُ "السمت" الذي لا يُعدّ المبدأ المُولِّد لذلكـ العمل إلا في المدى الذي يكون قد تَشرَّب "التقليدَ" الخاص بالحقل إلى أن ٱستوى فنّانًا مُنتِجا. وقد يكفي، هُنا، أن نُدرِكـ أنه لو أمكن "ٱلخَلْق" الفني -بذلكـ المعنى- من قِبَل كثيرين (لتعدُّد الفنانين) لـٱقتضى الأمر وجود "خالِق" لكل منهم، بحيث يكون كل خالِق مخلوقا لغيره، ممّا يَحُدّ من إطلاقية فعل "الخلق" نفسه المُتوهَّم في أصل كل عمل فني بديع!

وهكذا، إذا كان أدعياء "ٱلإبداع" «لن يستطيعوا أن يَخلُقوا ذُبابا، ولو ٱجتمعوا له»، فأنّى لهم أن يُبدِعوا شيئا على غير مثال أو من لا شيء، وهو الذي من شأنه -لو أمكنهم- أن يكون بِدْعًا مُعجِزًا! بل إِنْ هم وما يعملون إلا بعض مما يَخلُقه بديع السموات والأرض، لو كانوا يعلمون! ولا وجه لقول أحدهم، هنا، بالمجاز في ٱستعمال "إبداع" و"مُبدِع"، لأنه لا يعدو أن يكون -من الناحيتين الِاجتماعية والمعرفية- تَكلُّفا مردودًا أو جهلا مَطمورًا! أما من الناحية الدينية، فهو سُوء أدب تُجاه "المُبدِع" الحق الذي جَلّ وتعالى أن يُسوَّى بـ"ٱلإله-ٱلفن" المُتجسِّد حُلُولًا في "ذاتِ" من لا يملكـ أن يقوم بصفة "ٱلمُبدِع" إلا جُحودًا! وبالتالي، فإن ٱمتناع "الإبداع" كعمل مُتألِّه، على المستوى البشري، يُوجِب -من جهةٍ- "ٱلِاتِّباع" في "ٱلأصول" ردًّا لـ"ٱلِابتداع" كعمل يَنْزِع إلى "ٱلإحداث" المُؤدِّي بفعل تَسيُّبه إلى "ٱلضلال" المُهلِكـ، ويستدعي -من جهة أخرى- "ٱلِاجتهاد" طلبًا لـ"التجديد" كأساس للمعقولية على النحو الذي يدفع "ٱلتقليد" المُتملِّص من "المسؤولية"، وذلكـ في إطار السعي البشري كابتلاء في سبيل طلب "ٱلحق" جِهادًا وليس قُعودًا.

يَتأكَّد، إذًا، أن النظر إلى "التجديد" كما لو كان مُمِكنًا كـ"تجديد جذري" أو "إصلاح جذري" (يَنْصبُّ على "الجُذور" أو "الأصول" بقلبها أو مُجاوزتها) لا يصح إلا باعتبار أن الأمر يتعلق بقيام أسباب -تبقى، في معظم الأحيان، مجهولةً بفعل نسيان التاريخ كنوع من "اللاشعور"- هي التي تَكفُل، في الواقع، ٱنقلابا نظريا ومنهجيا يسمح بالِانتقال الفعلي من "نموذج" (« paradigm »)، ضاق على ٱلأزمة بُنيانُه أو ٱنقطع عن حَلِّها طريقُه، إلى نموذج آخر أَثبَت كِفايتَه العلمية والعملية في مُواجهة أنواع "ٱلشذوذ" على مستوى الظواهر المُتناوَلة أو المشكلات المُواجَهة في مجال معين من مجالات البحث [14]

إنه لو كان "التقليد" (من حيث يُفهَم كمجرد "مُتابَعة/مُلازَمة" تُكرِّر الموجود سلفًا وتستنسخه بسذاجة) هو الإمكان الوحيد في الفعل البشري لتساوى الناس وتماثلوا في كل شيء، ولو كان "التجديد" (من حيث يُعدّ "مُجاوَزةً" تَطَّرِح الموجود سلفًا وتُخالِفه كليّا) إمكانات مفتوحةً بين أيدي كل الناس، لما وُجِد شيء يَصلُح أن يُتَّخذ كـ"أصل" يُتَّفق عليه أو كـ"معيار" يُستند إليه. ومن هنا، يمكن أن يتبيَّن أن إشكال "التقليد" و"التجديد" لا يَقبل أن يُطْرَح من خلال المُقابلة بينهما كما لو كانا نمطين مُتنافيَيْن بإطلاق، بحيث يُكتفى بذم وٱستبعاد الأول ويُبتهَج باستحسان وٱستدعاء الآخر. ومن حيث إن المُشتغلِين بالاستثمار في مجالات الإنتاج يَحرِصون عادةً على الإتيان بأشياء مُبتكرَة ومُستجدّة يتميزون بها عن غيرهم في سوق التداول، فإنهم ينتهون إلى تسويةِ جُملة من المُنتجات التي تتباين في الظاهر وتتطابق في العمق، إذ لا يكادون في الغالب يتميزون في عملهم إلا بفُروق دقيقة ؛ مِمّا يُؤكد أنهم يخضعون لمنطق "المُحاكاة" و"المُحافَظة" حتى حينما يُبْدُون رفضهم القاطع له فيُنادون بضرورة "المُجاوزة" و"الِانقطاع" ؛ وذلكـ لأن كونَهم لا يَطلُبون إلا "التفرُّد" و"الأصالة" يجعلهم يتنافسون ويتنازعون في "حفظ المظاهر" على نحو قد يُسهِم في إيقاف مسلسل "التراكُم" بالابتعاد عن الإكراهات الحقيقية لـ"المُجاهدة/الجهاد" وإذعانًا لأسطورة "الخلق الإبداعي" الشائعة.

ومن ثم، يُمكنكـ أن ترى كيف أن أشد الناس تقليدا يصير في نظر "المُقلِّدين" أشدهم تجديدا (مثال "ٱبن رشد" الذي عُرف عنه أنه ٱستمات في الدفاع عن "التقليد الأرسطي"!)، وأن أشدهم تجديدا ينقلب في نظرهم كما لو كان أوغل الناس في "ٱلتقليد" ("أبو حامد الغزالي" في تفنيده للإلهيات الميتافيزيقية، "ٱبن تيمية" في خُروجه على المنطق الأرسطي، و"ٱبن خلدون" في ٱبتكاره لعلم العُمران والاجتماع الإنساني)، بل حتى من ٱنتصر للتجديد على التقليد وخاصم "المُقلِّدة" يصير عندهم مجرد مقلد لا خَلاق له (مثلا، "طه عبد الرحمن" و"أبو يعرب المرزوقي")، بحيث لا يبقى في ميدان الاستعراض سوى الذين مَرَدُوا على التظاهر بـ"التجديد" و"التحديث"، وهم الذين ليسوا -عند التحقيق- سوى "مُقلِّدة" للقُدامى (لا يحرصون على ٱسترداد عطاءات "السلف" إلا بقدر ما يَستنْكِفُون من عطاءات "المُحدَثِين") أو "مُقلِّدة" للمُحدثين (لا يَهيمِون بعطاءات المُحدثين من نوابغ الغرب إلا بقدر ما يَشْنَأون عطاءات القُدامى من السلف)! والفريقان كلاهما لا يكادان يفرضان نفسيهما إلا ٱدِّعاءً وتضليلًا.

وكما أن "التقليد" لا يكون بمجرد ٱلِاستناد إلى القائم سلفًا أو السائدا واقعًا (لأن "ٱلِاجتهاد" نفسه ممتنعٌ إلا على أساس مثل هذا الاستناد)، فإن "التجديد" لا يُمكن أن يكون فقط بمُلاحقة المُستجدَّات أو إحداث المُستغرَبات (لأن "الابتكار" بناءٌ جادّ يجمع بين "المعقولية" في تجدُّدها المنهجي والموضوعي و"المسؤولية" في إلحاحها الأخلاقي والمدني)، مما يجعل كل عمل يُكتفَى فيه بمُتابَعة الغير في قوله أو فعله وإلزامه وحده بتحمُّل المسؤولية عنه يُعدّ "تقليدا" صريحا يُعطِّل "المعقولية" ٱجتهادًا ويَستديم "التبعية" ٱعتمادا، في حين أن كل عمل يُؤتَى ٱجتهادًا ويُعاش "مجاهدةً/جهادًا" من أجل التمكُّن من تعطيل ٱلِاشتغال الخفي للوراثة ٱلِاجتماعية والثقافية يدخل في إطار "التجديد" الأكيد.

ولأن "المُقلِّد" يعمل بالخضوع لآثار الوراثة الاجتماعية والثقافية بغير شعور منه، فإنه لا يكاد يُوقِف آليات التوجيه التي تشتغل من داخله فتجعله مجرد ناطق باسم العالَم الاجتماعي الذي يَسكُن في أعماقه الدفينة. ولعل ٱنجراف معظم المتكلمين والكَتَبة وراء الِاستعمال التلقائي للغة يُعدّ، بهذا الصدد، خير شاهد على كونهمم من ضحايا "التقليد" المذموم. وبخلاف ذلكـ، فإن "المُجدِّد" من شأنه أن لا يَكُفّ عن مُساءلة كل ما ينتهي إليه من "التقليد/التراث"، لأنه يعي أن قيامه كفاعل رهينٌ -في آن واحد- بمدى ٱمتلاكه لتاريخ تكوُّنه الذاتي وظهوره على الشروط المُحدِّدة موضوعيا لاشتغال المجال حيث يوجد ويعمل. وكون "المُجدِّد" يذهب بعيدا في إبطال سحر ما يتظاهر به أدعياء "الإبداع الجذري" يجعله مُزعِجًا لهم إلى الحدّ الذي تراهُم لا يترددون في ٱتِّهامه بما لم يستطيعوا مُواجهته من أمر نفوسهم بقَبُول جريان النقصان على أعمالهم. وبما أن هذه المَذمَّة لا تَصدُر إلا عمن لم يجد سبيلا لدفع نقصه المُلازِم إلا بادِّعاء مقام "المُبدِع/البديع"، فإنها تُمثِّل الشهادة لـ"المُجدِّد" بأنه أكمل حالًا وعملًا من "المُقلِّد" الذي يغيب عنه أن مَزِيّة "ٱلِاجتهاد" قائمةٌ في كون صاحبه يُثَاب عليه سواء أأصاب فيه أم أخطأ!

*****

[1] ابن خلدون، "المقدمة"، تحقيق علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر، القاهرة، ط3، د. ت، ج1، ص. 283 ؛ وقارن بها طبعة عبد السلام الشدادي، بيت الفنون والعلوم والآداب، الدار البيضاء، ط1، 2005، ج1، ص. 6-7.

[2] طه عبد الرحمن، "روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية"، المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء، ط1، 2006، ص. 13.

[3] اُنظر: ابن منظور، "لسان العرب"، تحقيق عبد الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة، د. ت، ص. 3717 وما بعدها ؛ والزَّبيدي، "تاج العروس من جواهر القاموس"، تحقيق علي شيري، دار الفكر، 1994م/1414هـ، مج 5، ص. 203 وما بعدها.

[4] اُنظر:

- Pierre Bourdieu et Loïc J. D. Wacquant, Réponses : pour une anthropologie réflexive, éd. Du Seuil, coll. « Libre Examen » , Paris, 1992, p. 16-20 et p. 27-30 ; An Invitation to Reflexive Sociology, The university of Chicago Press, 1992, p. 7-10, p. 19-26 ;

أو الترجمة العربية: بيير بورديو ولويك ج. د. ﭭـاكونت، "أسئلة علم الاجتماع: في علم الاجتماع الانعكاسي"، ترجمة: عبد الجليل الكور، إشراف ومراجعة: محمد بودودو، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1997، ص. 11-14، وص. 21-24.

[5] اُنظر مدخل "أهمية المحاكاة" في:

- Susan Hurley and Nick Chater (ed.), Perspectives on Imitation: From Neuroscience to Social Science, vol 1: Mechanisms of Imitation and Imitation in Animals ; Vol 2: Imitation, Human Development, and Culture ; Massachusetts Institute of Technology, 2005 ;

[6] اُنظر:

- Anne Reboul, langage et cognition humaine, éd. PUG, 2007, p. 19, p. 79, p. 221 ;

- Michael Tomasello, The Cultural Origins of Human Cognition, Harverd University Press, London, 1999, p. 26-27, p. 30-35, chap. III, p. 56-93 ;

وقارن به الترجمة العربية: ميشيل توماسيللو، "الثقافة والمعرفة البشرية"، ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، رقم 328، الكويت، 2006، ص. 21-22، والفصل الثالث، ص. 75 وما بعدها.