أزمة مراقبة المال العام بالمغرب

أزمة مراقبة المال العام بالمغرب

ضعف مفتشية العامة للمالية وخضوعها للمزاج السياسي

تمثل المفتشية العامة للمالية إحدى الهيآت التابعة لوزارة المالية، وتختص قانونا بمراقبة مالية الدولة والجماعات المحلية ومختلف المنشآت والمؤسسات العمومية، وتمارس بالتالي رقابة بعدية على تنفيذ الميزانية، وبالنظر لوضعيتها القانونية يُفترض أن تكون من أهم هيآت الرقابة الإدارية.

ويفترض أن تقوم هيأة التفتيش العام للمالية بإجراء المراقبة على الوثائق وفي عين المكان، وتتم عادة هذه الرقابة عبر إجراء التحقيقات "بخصوص مصالح الصندوق والمحاسبة" (الفصل الثاني من الظهير المنظم)، وبالتالي تطال هذه الرقابة مختلف الإجراءات والمساطر المتعلقة بالتسيير المالي وبالوثائق والمستندات المثبتة وكذا التأكد من صحة وسلامة وقانونية العمليات المالية المرتبطة بتنفيذ الميزانية العامة وميزانيات الجماعات المحلية. ولا تقتصر هذه الرقابة على المشروعية وإنما تطال أيضا – على الأقل من الناحية النظرية - تنظيم وتسيير المرافق الجماعية وطرق تدبيرها.

وإذا كانت أهمية الرقابة التي تجريها هذه الهيأة الرقابية لا يمكن إغفالها، على الأقل من الناحية القانونية، وإذا كان تخصصها يعد على الأقل نظريا شاملا لجوانب التسيير والتدبير المالي، إلا أن واقع الحال يبين نوعا من الجمود أو التراجع الحاد في فاعليتها، إضافة إلى وجود مجموعة من الصعوبات والعوائق التي تحول دون أن تمثل هذه الهيأة عصب وأساس العمل الرقابي الممارس على المالية العمومية ومالية الجماعات المحلية.

فبالنظر لوضعية المفتشية العامة للمالية (والمفتشيات المركزية لمختلف القطاعات الوزارية) ولمحدودية تأثيرها الفعلي ولضعف أدائها، يعتبر التساؤل عن الدور الفعلي لهذه الهيأة وعن أسباب هذا التهميش الذي يطال الرقابة أكثر إلحاحا وأهمية.

فحصيلة المهام الرقابية لهذه الهيأة التي قاربت على إكمال نصف قرن من إحداثها ومدى تأثيرها الفعلي والواقعي يعتبر مبررا كافيا ودافعا لمناقشة الوضع الحقيقي للرقابة على التدبير العمومي وخاصة في المجال المالي، وللوقوف على الوضع الحقيقي للرقابة على المال العام والتدبير المالي العمومي والمحلي.

فالمفتشية العامة للمالية تعرف عجزا بنيويا ووظيفيا يتجلى بالأساس في افتقادها لمخطط رقابي واضح يجعل عملها ذا طبيعة دائمة ومستمرة ويخولها سلطة التدخل التلقائي وفق رؤية مندمجة وبرمجة استراتيجية واضحة، كما أنها اختارت ومنذ إحداثها التركيز على تكوين أطرها وتخريج المفتشين أكثر مما اهتمت بتنويع آلياتها الرقابية وتطويرها وإرساء ثقافة الرقابة على المال العام.

وعلى المستوى الميداني، بقي عمل ونشاط هذه الهيأة الرقابية هامشيا ومحدود الأثر الفعلي، وتركزت مهامها الرقابية بالدرجة الأولى على بعض الإدارات المالية المركزية أو مصالحها الخارجية، وميز عملها نوع من الضعف الوظيفي والهيكلي. بل إن عملها الرقابي يكون في الكثير من الأحيان أقل فعالية ويطبعه الجانب الشكلي والمسطري ويشوبه في الكثير من الحالات ضعف واضح في الأداء حيث يتم إيفاد المتمرنين في حملات تفتيش تهم بعض الجماعات المحلية أو المرافق التابعة لها والتي تتطلب خبرة وحنكة في ممارسة العمل الرقابي.

وعلى الرغم من المحاولات الخجولة التي تمت خلال السنوات الأخيرة، سواء فيما يتعلق بوضع "مخطط استراتيجي لبرامج تدخلاتها في مجال التدقيق والمراقبة وتتبع الإصلاحات"، أو على مستوى الإصلاح القانوني لهذه الهيأة الرقابية، وتوضيح مجالات تدخلها وآثاره القانونية، وإحداث مفتشيات جهوية تابعة لها؛ إلا أن هذه المحاولات اصطدمت بجمود حكومي أقبر أية محاولة للإصلاح وهمش بالتالي دورها المفترض، وتم بموجب ذلك عزل المفتشية العامة للمالية عن محيطها وجعل تدخلاتها الرقابية خاضعة للمزاج والظرفية السياسية ولحسابات أبعد ما تكون عن تخليق الحياة العامة والرقابة على المال العام.