عباس المراكشي .. آخر "عواد" يصارع لبقاء النجارة التقليدية بفاس

عباس المراكشي .. آخر "عواد" يصارع لبقاء النجارة التقليدية بفاس

بسوق العوادين بالمدينة العتيقة لفاس، جلس عباس المراكشي القرفصاء داخل محله، الذي ضاق بقطع من الخشب وبقايا النجارة، يتجاذب أطراف الحديث مع صديقه إدريس الشرادي، وبين الفينة والأخرى يشتغل على قطعة عود من البلوط، قال هذا الحرفي، الذي يعد آخر عواد بمدينة فاس، إنه سيحولها إلى مدقة خشبية.

سوق العوادين مازال شاهدا على العلاقة التي تم نسجها على مر العصور بين مدينة فاس وباديتها، فقد كان هذا الفضاء التاريخي يشكل حيا للحرفيين المتخصصين في صنع مختلف الأدوات الخشبية، وخاصة أدوات الفلاحة التقليدية، من مجرفات ومذار ومحاريث ومقابض الفؤوس والمناجل.

الأنفاس الأخيرة قبل الأفول

لم يعد كما كان قديما يتم اللجوء إلى المعلمين العوادين لإصلاح المحاريث أو الأدوات المنزلية التي تفقد أحد أجزائها الخشبية، فقد بدأ ما يعرف بحرفة العواد، أو النجارة الشعبية، تلفظ أنفاسها الأخيرة بفاس العتيقة، وذلك بعدما تربعت لعقود على عرش الحرف التقليدية الأخرى، وهي التي كان يلجأ إليها الصناع التقليديون كلما وجدوا أنفسهم في حاجة لأداة تساعدهم في حرفتهم.

ورغم أفول بريق العواد، ما زال عباس المراكشي متمسكا بمزاولة هذه الحرفة التي يعد وريث الوحيد لها حاليا بفاس العتيقة، وهو الذي لم يمنعه التقدم في السن من مزاولة حرفة قديمة قال لهسبريس إنه ورثها أبا عن جد، حيث يقضي داخل ورشته ساعات ينحت أدوات بسيطة تجد طريقها إلى المنازل أو ورشات الصناعة التقليدية الأخرى.

مطرقة خشبية ومنشار ومبرد، وخشب البلوط أو الصفصاف أو الجوز، هي عدة المراكشي البسيطة التي يعتمد عليها في حرفته، وهو الذي يتمكن من تطويع قطع الخشب إلى مدقات خشبية أو آلة رباب أو كنبري، وأحيانا إلى أطراف اصطناعية، مثل تلك الرِّجل الخشبية المعلقة بباب ورشته.

فبعد أن يحصل على الخشب اللازم لحرفته، الذي يتزود به من غابات الأطلس، يقطعه باستعمال المنشار اليدوي إلى قطع متفاوتة في الطول، حسب الحاجة والغاية من كل قطعة، بعدها ينحت المراكشي، الذي تأسف لاندثار "الجنانات" بفاس التي كان يتزود منها العوادون بمادتهم الأولية من الخشب، قطعته، ثم يجعلها ملساء ناعمة.

"تعلمت هذه الصنعة من والدي وأنا في عمر الزهور"، يقول عباس المراكشي، مستعيدا ذكرياته مع هذه الحرفة، قبل أن يضيف: "كان جميع الحرفيين يعتمدون في حرفهم على العواد، فنحن نعمل مع الخراز والدراز والحراز وصانع الصواني والدباغ، كما كنا نزود الفلاح بمعداته الرئيسية، من محراث خشبي، ومقابض للمناجل والمعاول".

بين هذه الذكريات الجميلة، يتهدد حرفة المراكشي الاندثار في ظل تراجع الطلب على مصنوعاته الخشبية التي لم يعد بعضهم يطلبها إلا للزينة، أو لما يرون فيها من فوائد صحية اعتبارا لكونها مصنوعة من مادة الخشب الطبيعي.

الرباب و"الكمبري" وأطراف اصطناعية

"كان عبد الكريم الرايس ورواد الملحون والأندلسي يزورون والدي بمحله هذا، ويجلسون جماعة ويبدؤون في ترديد القصائد"، يتذكر عباس المراكشي، الذي أكد لهسبريس أن والده كان يصنع لأشهر مجموعات الطرب الأندلسي والملحون والغرناطي بفاس وغيرها آلتي الرباب والكمبري، موردا أن الجزائريين، كذلك، كانوا يأتون إلى ورشة والده لاقتناء هاتين الآلتين.

"مؤخرا زارني أحد الجزائريين وألح عليّ أن أصنع له آلة الكمبري، فما كان مني سوى النزول عند رغبته"، يقول المراكشي مبرزا أن هذه الآلة الموسيقية تتطلب نوعا خاصا من الخشب قال إنه أصبح يصعب الحصول عليه، كما أن سعره أضحى مرتفعا جدا.

"العواد بإمكانه أن يصنع بعض الأطراف الاصطناعية من الخشب، مثل هذه الرجل الاصطناعية"، يقول عباس المراكشي الذي أكد أن الأطراف الخشبية أفضل من تلك المصنوعة من المواد الصناعية، "لأنها لا تسبب الحساسية لحاملها"، بحسب العواد المراكشي.

من جانبه ذكر إدريس الشرادي، صديق عباس المراكشي، في حديثه مع هسبريس، أن أشهر "الملاحنية"، ويقصد رواد طرب الملحون، مروا من ورشة المراكشي، مضيفا: "كانوا يأتون من مكناس وتطوان ومن الجزائر ومن أي بلد آخر إلى فاس، ويقصدون محل المراكشي ليشتروا آلاتهم الموسيقية".

"المراكشي هو العواد الوحيد الذي ما زال بمدينة فاس، وهذه الحرفة في طريقها إلى الاندثار"، يؤكد الشرادي الذي التمس الدعم لهذا الصنف من الصناعة التقليدية لكي يستمر، مضيفا أن "هذا المحل كان يعج، خلال فترة المساء، برواد طرب الآلة، لقد كانوا يجربون هنا آلاتهم الموسيقية، وكنا، ونحن أطفالا، نتجمع بباب المعلم المراكشي لنستمتع بذلك، في فترة كان فيها كل شيء مزدهرا وجميلا".