تقليد السنة الثقافية الجديدة بالمغرب .. انتقادات تبدد آمال الحكومة

تقليد السنة الثقافية الجديدة بالمغرب .. انتقادات تبدد آمال الحكومة

عادت "السنة الثقافية" الجديدة في غفلة من الفاعلين الثقافيين والإعلاميين والمهتمين؛ فبعد احتفال بافتتاحها في قاعة باحنيني بالعاصمة الرباط، بحضور وزير الثقافة والاتصال، عبر بعض الفاعلين الثقافيين والفنيين عن تفاجئهم من عدم علمهم بالموعد إلا صدفة بعد انقضائه..

ويرجع إقرار هذا "التقليد" الجديد إلى السنة الماضية، إذ افتتح محمد الأعرج، وزير الثقافة والاتصال، يوم الخميس 12 من شهر أكتوبر 2017، "السنة الثقافية الجديدة"، بحضور سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ومجموعة من الشخصيات الثقافية، والسياسية، والفنية؛ بهدف أن يصبح الموعد فرصة للإفصاح عن البرنامج السنوي المقبل لقطاع الثقافة بوزارة الثقافة والاتصال، وتقييم حصيلة السنة الماضية، وهو ما ينتقده بعض الفاعلين الثقافيين الذين يرون أن الحديث عن سنة ثقافية جديدة، أو دخول ثقافي، بالمغرب أمر "غير ممكن"؛ لأنه لا يمكن الحديث عن "دخول" في ظل "غياب" تخطيط ثقافي، وبنيات ثقافية حقيقية.

تقليد سنوي

يعتبر محمد الأعرج، وزير الثقافة والاتصال، افتتاحَ السنة الثقافية مناسبة للإفصاح عن التوجهات الكبرى للوزارة وأهم برامجها في السنة المقبلة بعد عرض حصيلة السنة الماضية وتقييمها؛ وهو ما يجعل هذا النشاط فرصة تمكّن الرأي العام من معرفة المجهودات التي قامت بها الوزارة، حتى يتمكن من محاسبتها حول التعهدات التي أعطتها.

ويوضّح الأعرج في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية أن التأسيس لوجود سنة ثقافية في السنة الماضية كان مبتغاه أن تصل الصناعة الثقافية إلى مرحلة تكون فيها رافعة للبلد، مذكّرا بأن الأولوية الآن هي خلق بنية تحتية ثقافية؛ "فلا يمكن أن يكون هناك شأن ثقافي دون فضاءات ثقافية".

وعدّد وزير الثقافة والاتصال مجموعة من "التقييمات الإيجابية" للتعهدات التي أعطتها وزارته في السنة الماضية، ومن بينها مشاريع القوانين الجديدة المعروضة على الأمانة العامة للحكومة المتعلقة بحماية وتأمين التراث، وحماية الكنوز الحية والموروث الثقافي اللامادي، وحماية المخطوطات، إضافة إلى إدخال أصناف جديدة في جائزة المغرب للكتاب، من بينها صنفا الثقافة والأدب الأمازيغيين، ومصادقة مجلس الحكومة على جائزة تهدف إلى تكريم رواد الثقافة المغربية وتكريم شخصيات من داخلها.

ميزانية ضعيفة

في سياق حديثه عن "السنة الثقافية الجديدة" ذكّر صلاح بوسريف، الشاعر والناقد، باعتراف سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، في حفل تقديم جائزة المغرب للكتاب بأن الميزانية المخصصة للثقافة بالمغرب لا تكفي، ولا ترقى إلى الطموحات. وأضاف بوسريف أن "هذا عامل مؤثّر مهما كانت طبيعة الوزير، وطبيعة الوزارة، أو طبيعة البرنامج الذي تنظمه هذه الوزارة".

هذه الميزانية التي وصفها الشاعر المغربي بـ"الضعيفة والهزيلة" لم تزد هذه السنة إلا بنسبة لا تتجاوز 3 بالمائة في مشروع قانون المالية برسم سنة 2019؛ وهو ما وصفه وزير الثقافة والاتصال بكونه "اعتمادات غير كافية مقارنة بأهمية وحجم المشاريع المقترحة".

ضعف الميزانية دفع الوزارة الوصية على الشأن الثقافي بالمملكة إلى عدم الاقتصار عليها، ومحاولة الرفع من مواردها الذاتية الموجودة في الحساب الخصوصي المسمى "الصندوق الوطني للعمل الثقافي"، عن طريق "الرفع من تسعيرة زيارة المعالم التاريخية والمواقع الأثرية، ووضع نظام صارم للمراقبة والتتبع، وتجويد الخدمات المقدّمة"؛ وهو ما حقّق ارتفاعا في مداخيل الصندوق التي لم تكن تتعدى 15 مليون درهم، لتصل إلى حدود نهاية شهر أكتوبر المنصرم إلى أكثر من 50 مليون درهما؛ وهو ما دفع الأعرج إلى التعهّد بإمكانية الوصول في السنة المقبلة إلى مداخيل بقيمة 200 مليون درهم، إذا تمّ العمل في إطار الحكامة، والتّتبع، والتقييم.

"في حضرة الغياب"

رفض فريد الزاهي، الكاتب والمترجم والناقد الفني، الإجابة "عن شيء غائب، وموضوع زائف"، مضيفا أن الحديث عن سؤال الدخول الثقافي يتم عند من لهم بنيات ثقافية حقيقية.

بدوره قال صلاح بوسريف، الشاعر والناقد، إنه من غير الممكن الحديث عن دخول ثقافي بالمغرب بالمعنى الفرنسي؛ لأنه في المجتمع الفرنسي للسياسة سياقاتها، وللمدرسة سياقاتها، وللثقافة سياقاتها؛ ولا يلغي أي منها الآخر، أو يضغط عليه؛ وبالتالي يتاح الإعلام للجميع ويعطي الفرصة والكلمة للجميع.

ووضّح بوسريف أن "المشكل بالمغرب يكمن في أن الدخول المدرسي يسبق كل أشكال الدخول الأخرى؛ وهو ما يرجع إلى طبيعة الذهنية المغربية التي تركز أساسا على المدرسة كرهان، ليس في بعدها الثقافي والمعرفي، بل في بعدها الوظيفي المستقبلي"، وزاد: "ثم يتبعه الدخول السياسي، فتُطرح أسئلة ما الذي سيرد في الخطاب الملكي؟ وما التوجيهات التي ستتم؟..ثم يمكن التفكير في ما هو ثقافي".

واستدرك قائلا: "لكن الإعلام الذي يتساءل عن الدخول الثقافي يسقط في الفخ نفسه، فيبدأ بالدخول المدرسي، ثم الدخول السياسي، ثم يأتي ما هو ثقافي ولا يتم الالتفات إليه".

وحصر الناقد المشكلة التي تجعل من غير الممكن الحديث عن دخول ثقافي بمعناه الحقيقي بالمغرب في "عزوف المثقف المغربي عن الانخراط في تدبير الشأن الثقافي؛ وهو ما يجعل أشخاصا آخرين لا علاقة لهم بالعمل الثقافي يتدخلون فيه، وبالتالي تختلط الأمور"، قبل أن يجمل قائلا: "هذه مشكلة بنيوية لها عمق تاريخي".