مجلس "هاكا" يقيّم تجربة الإعلام في "زمن كورونا"

مجلس "هاكا" يقيّم تجربة الإعلام في "زمن كورونا"

اعتبر المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري أن تجربة التعبئة الإعلامية المرصودة لمواكبة الأزمة الوبائية خلقت فرصا وأنتجت ممارسات يتعين استثمارها وتطويرها للمساهمة في رفع تحديات المراحل المقبلة من تدبير الجائحة، وتقوية الدور الفريد للإعلام في تدبير كل الأزمات.

وأوضحت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري "هاكا"، في بلاغ تواصلي بخصوص التقرير الذي صادق عليه المجلس خلال اجتماعه يوم 28 يوليوز الماضي حول التعبئة الإعلامية ضد جائحة "كوفيد-19"، أن ذلك يستوجب تنمية القدرات المادية والكفاءات المهنية للإعلام العمومي والخاص، حتى يسهم على الوجه الأكمل في تعزيز الثقة في الفعل العمومي عبر تحقيق تفاعل خلاق ومستدام بين المرتفقين وجميع دوائر تدبير الشأن العام كشرط لضمان مساهمة المواطن في إبداع الحلول.

وسجّل تقرير المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، الذي رصد المعالجة الإعلامية لـ24 محطة إذاعية وقناة تلفزيونية، عمومية وخاصة، تكييفا كميا استثنائيا للبرمجة المعتمدة من طرف مجمل الإذاعات والقنوات التلفزيونية بهدف استيعاب متطلبات الظرف الصحي الطارئ، مضيفا أنه للإسهام في إحداث أثر استعجالي وإيجابي على مستوى فهم ووعي المواطن إزاء جائحة "كوفيد-19" وانخراطه في التعبئة الشاملة لمواجهتها، بلغ مدى عملية التكييف هذه تخصيص حيز زمني يعادل نصف (50 في المائة) مدة الشبكة البرامجية اليومية لمجموع الخدمات الإذاعية والتلفزيونية لمضامين ذات صلة بسياق الجائحة.

وأشار التقرير، الذي استند على عينة تتكون من 6048 ساعة من البث علاوة على 60 حلقة من المجلات الإخبارية المخصصة لمناقشة قضايا الشأن العام في الخدمات التلفزيونية العمومية ذات البرمجة العامة (الأولى، القناة الثانية، وقناة تمازيغت) تم بثها خلال الفترة الممتدة من فاتح مارس إلى 30 يونيو الماضي، إلى أنه من ملامح هذه التعبئة البرامجية غير المسبوقة أيضا استحداث برامج جديدة وطارئة لمواكبة الجائحة، غطت نسبة 33 في المائة من مجموع هذا الحيز الزمني، مقابل 77 في المائة للبرامج القارة التي كانت مبرمجة قبل بداية الأزمة.

وأكد المجلس أن المواكبة الإذاعية والتلفزيونية للجائحة تميزت بحضور دال للتفاعلية وانتهاج بارز لإعلام القرب، حيث تم إشراك المواطنات والمواطنين، صوتا وصورة، في لحظة إعلامية استثنائية عرفت أساسا تعويلا كبيرا على ذوي الخبرة الطبية والأكاديمية، مسجلا أن برامج عديدة أعطت الكلمة للمواطن لطرح استفساراته وانتظاراته والتعبير عن تجربته وتفاعله مع مختلف تداعيات الأزمة الوبائية. كما زاد التخصيص الكلي للبرامج ذات البث المباشر لطرح ومناقشة المواضيع ذات الصلة بالجائحة من منسوب التفاعلية والقرب.

ومن ملامح التجديد في إعلام القرب هذا، كما أبرزتها معطيات التقرير، إعمال قرب لغوي عبر توظيف جزئي للغة الدارجة في نشرات الأخبار، مقابل تقديم كلي لبرامج معينة باللغة العامية، ولجوء الأطباء والخبراء إلى التواصل بلغة مبسطة تتيح ولوجية أكبر واستيعابا أفضل للمعطيات المقدمة، وإفراد حيز خاص لتقديم نصائح وتوجيهات للأسر للتخفيف من آثار الحجر الصحي على الشباب والأطفال، علاوة على توسيع المواكبة التواصلية والتغطية الإعلامية الميدانية إلى مختلف جهات المملكة، بما فيها العديد من المناطق النائية عن المراكز الحضرية الكبرى.

وأضاف المصدر ذاته أن بُعد مغاربة العالم عن وطنهم لم يضعف من منسوبي التفاعلية وإعلام القرب في العرض البرامجي الموجه إليهم في ظل هذه الجائحة، حيث انخرطت الخدمات الإذاعية والتلفزيونية في نقل تجربة هذه الفئة من المواطنين مع هذا الظرف الطارئ في بلدان إقامتهم، خاصة من خلال إبراز نماذج من أشكال التضامن فيما بينهم، والتعريف بالإجراءات المتخذة من قبل المصالح العمومية لمواكبة المغاربة العالقين بالخارج.

واتسمت المواكبة الإذاعية والتلفزيونية للجائحة، بحسب المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، بتكامل جلي بين أداء الإعلام العمومي والمجهود الإخباري والتحسيسي الذي بذلته الإذاعات والقنوات الخاصة، إذ تبرز معطيات التقرير أن المساهمة في المجهود التحسيسي (كبسولات، وصلات إعلانية، برامج تفاعلية...) بمخاطر الوباء وطرق الوقاية منه وسبل التصرف أثناء الحياة اليومية، توزعت مناصفة بين القطاعين العمومي والخاص.

كما سجل التقرير تقديم الإذاعات لثلثي العرض الإخباري ذي الصلة بالجائحة وتداعياتها، موزعة بين نشرات إخبارية ومجلات للنقاش، وهي النسبة التي ساهمت الإذاعات الخاصة بحصة وافرة في تحقيقها.

وأشار المجلس إلى انفتاح الإذاعات والقنوات التلفزيونية، العمومية والخاصة، على المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، في شكل تعبئة ديناميكية، بغاية نشر المعلومات والإرشادات على نطاق واسع وإشاعة السلوك الوقائي لدى مختلف فئات الجمهور، خصوصا الشباب. كما فتحت المجال لتنظيم مشاركات وعرض تجارب عن بعد، بالاستعانة بالخدمة الرقمية انسجاما مع قواعد ومتطلبات الحجر الصحي.

من جهة أخرى، أشار بلاغ الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري إلى أنه، وفي احترام تام للحرية التحريرية للمتعهدين ولحق المواطن في الخبر، أبدى المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، خلال اجتماعه، ملاحظات بخصوص بعض نقط المعالجة والمواكبة الإعلامية المرصودة للأزمة الوبائية، والتي تستدعي المزيد من الجهد واليقظة.

وأوضح أنه كان هناك تفاوت بين خطاب الخبرة الصحية وخطاب الفعل السياسي والنقابي والجمعوي، حيث تطرقت جميع المجلات الإخبارية موضوع عينة التقرير لتداعيات الأزمة الوبائية، من خلال استضافة شخصيات تنتمي إلى قطاعات ومجالات تخصص متنوعة، إما حضوريا أو بتوظيف تقنيات المناظرة المرئية أو الاتصال الهاتفي، إلا أن رصد تدخلات الشخصيات العمومية كشف أن نصف هؤلاء المتدخلين هم من خارج الفعل السياسي والنقابي والجمعوي وتمت استضافتهم إما بناء على مسؤوليتهم الوظيفية والإدارية أو بناء على تخصصاتهم أو خبراتهم الأكاديمية.

وأضاف البلاغ أن فئة مسؤولي وممثلي الإدارات العمومية مثلت 27 في المائة من مجموع المتدخلين، وهي النسبة نفسها التي كانت من نصيب فئة الجامعيين والخبراء ومهنيي الصحة، ويأتي بعد ذلك الفاعلون السياسيون (21 في المائة)، والفاعلون المهنيون (13 في المائة)، وممثلو المجتمع المدني (9 في المائة)، ثم ممثلو الهيئات النقابية (3 في المائة).

وأشار إلى أنه إذا كان جزء من هذه النتائج قد يجد مبرره في طبيعة المرحلة الأولى من تدبير الجائحة، وما استلزمته من ضرورة التركيز على الإرشادات الصحية وقواعد الالتزام بالحجر الصحي، فإن المراحل الموالية من تدبير الجائحة والتي تميزت بطرح ومناقشة تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تقتضي انفتاح الإذاعات والقنوات التلفزيونية على سائر القوى الحية مما يكفل إثراء الفعل الديمقراطي، وإنعاش النقاش العمومي وصون الانسجام المجتمعي في ظرفية دقيقة تتسم بصعوبة استشراف المستقبل.

وسجل التقرير تمثيلية نسائية غير منصفة، حيث إن حضور الشخصيات النسائية كمتدخلات في إطار المجلات الإخبارية موضوع عينة التقرير لم يتجاوز نسبة 13 في المائة من مجموع المتدخلين، وهي نسبة لا تمثل حجم الكفاءات والإسهامات النسائية في الشأن العمومي ومجالات الخبرة ذات الصلة بهذه الأزمة الوبائية، كما لا تتلاءم وفلسفة الإطار المعياري الذي وضعته الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري والمتعلق بضمان التعبير التعددي لتيارات الرأي والفكر في الإذاعات والقنوات التلفزيونية الذي ينص على تفعيل مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء في البرامج الإخبارية، مع الحرص على إشراك النساء في تناول سائر المواضيع ذات العلاقة بالشأن العام.

وأشار التقرير كذلك إلى اهتمام غير كاف بمخاطر التعرض المفرط لوسائل الإعلام من طرف الجمهور الناشئ، حيث سجل اهتماما غير كاف من طرف الخدمات الإذاعية والتلفزيونية بالطابع المثير للقلق والخوف في البرامج المتعلقة بجائحة كوفيد-19 بالنسبة للأطفال والجمهور الناشئ بصفة عامة؛ إذ إن تحول بعض هذه الخدمات لقنوات إخبارية لم يوازه تخصيص جزء من برامجها للأطفال الخاضعين بدورهم للحجر الصحي، شأنهم في ذلك شأن الكبار، علما أن الجمهور الناشئ كان يتعرض بشكل مفرط للأخبار المتواترة والمسترسلة ذات الصلة بالجائحة، سواء في وسائل الإعلام الكلاسيكية أو الرقمية.

وأضاف المجلس أنه تم كذلك تسجيل ضعف التوازن بين مجهودي الإخبار والتحليل، حيث حرصت الإذاعات والقنوات التلفزيونية على مواكبة الجائحة انطلاقا من مداخل متعددة وزوايا متنوعة؛ لكن التقرير سجل أفضلية للموضوعات الاقتصادية والاجتماعية مقارنة بالموضوعات السياسية والثقافية، وكذا ترجيحا للمقاربة التواصلية القائمة أساسا على تقديم أرقام وإحصائيات وعرض بيانات وبلاغات، على حساب المقاربة التحليلية والتفسيرية لموضوع غير مألوف وفي ظرفية مرتبطة بتحديات مركبة ورهانات معقدة، علما أن دعم ثقة المواطن في الإعلام وتقوية قدرة هذا الأخير على تحفيز المواطن على المشاركة الإيجابية في التعبئة الوطنية يبقى رهينا بتحقيق هذا النوع من التوازن.