فتيحة غزاوي بالبحرين .. مسار مغربية يمتد بين السماء والأرض

فتيحة غزاوي بالبحرين .. مسار مغربية يمتد بين السماء والأرض

راكمت فتيحة غزاوي ما يزيد عن عشرين سنة من العيش فوق تراب مملكة البحرين، منطلقة هناك من شركات الطيران قبل أن تحط في ميدان صناعة الجمال، مفتتحة مشاريع خاصة تلبي طموحاتها وتعرف بثقافتها الأصلية.

بدأت هذه المغربية حياتها بتحديات ملازمة لفضاء عيشها الأسري، محاولة ضبط إيقاعها بين مثبطات نظرة كلاسيكية لأدوار الإناث، قبل أن تصل إلى إعلان انتصارها لـ"الوسطية" التي آمنت بها منذ نعومة أظافرها.

في وادي زم

تتحدر فتيحة غزاوي من مدينة وادي زم، في هذا الفضاء المغربي عانقت الحياة ووسط أسرة متسمة بـ"المحافظة" تربت، وبالحاضرة ذاتها المتاخمة لخريبكة تدرجت بين فصول التعليم.

ترجع المغربية نفسها إلى الماضي لتقول: "وادي زم مدينة صغيرة، سكانها يعرف بعضهم البعض الآخر، وثقافة المنطقة تجعل نشأة الإناث بين منازلهن والمدارس، ولم أنل استثناء من هذا التعامل".

بعد التحصل على شهادة الباكالوريا، رفضت أسرة فتيحة استقرارها بعيدا بداعي التمكين من مواصلة التعليم العالي؛ لكن غزاوي حاولت التشبث بوجهة نظرها المستندة على الاستثمار في تفوقها الدراسي ابتغاء لمستقبل أفضل.

"نلت دعم إخوتي الذين أقنعوا أبي بسلك طريق معدّل.. قصدت العاصمة الرباط للاستقرار في بيت أختي، التي كانت تعيش هناك، وأقبلت على دراسة المعلوميات في مؤسسة خاصة"، تقول المؤمنة بـ"نهج الوسطية" في معاملة بنات جنسها.

سوق الشغل

أمضت "ابنة وادي زم" سنتين من التكوين قبل الحصول على دبلوم في المعلوميات يتيح لها دخول سوق الشغل، ثم التحقت بأخيها لمباشرة دراسة جامعية في الدار البيضاء، بنية مقاسمته المسكن، وظفرت بفرصة عمل في شركة للتعليب.

تشبثت فتيحة بمنصبها الإداري في العاصمة الاقتصادية مدة سنتين، مسؤولة عن شحن عملية البضائع الموجهة إلى التصدير، قبل أن تحاول تغيير مسارها كي تصير مضيفة في مجال الطيران.

وتورد غزاوي أنها لبت دعوة غذاء في بيت أختها في الرباط، وخلال اللقاء علمت بافتتاح معهد للتكوين في هذا التخصص بـ"حي الليمون" في العاصمة، لتقرر خوض التجربة، بعد تفكير عميق، من أجل توسيع آفاق حياتها المهنية.

بين السحب

"كانت مغامرة غير محسوبة العواقب وأنا أضحي باستقرار مالي للظفر بتكوين لا يشمل وعدا بنيل منصب شغل كمضيفة؛ لكن الحياة هي هذه الروح المغامرة"، تردف المغربية ذاتها.

تسترسل غزاوي في عرض ما جرى خلال هذه المرحلة بقولها: "دفعتني أختي وزوجها إلى ارتداء الحجاب كي أستقر في مسكنهما بالرباط، إجبارا لا اختيارا، وقد استحملت ذلك كي أخوض تجربة التكوين كمضيفة".

تفوق فتيحة جعلها تضبط قواعد العمل في أشهر قلائل، وظفرت بفرصة اشتغال على متن "الخطوط السعودية" دون أن تلتحق بالمنصب، مواجهة في ذلك اعتراض أسرتها على هذه الخطوة.

أقدمت غزاوي، بعد مرور أسابيع أخرى، على الاستماتة في الدفاع عن خيارها بالاشتغال مضيفة على ناقلات "طيران الخليج" البحرينية؛ فنجحت ضمن هذا المسعى بتدخل "حكماء العائلة"، وانتزعت فرصة التواجد مهنيا بين السحب.

إلى البحرين

تحركت فتيحة غزاوي صوب المنامة سنة 1996، مبتغية تمضية سنة بمعية الشركة المستفيدة من مهاراتها قبل العودة إلى المغرب، مركزة على تحقيق التطور إلى جانب التعرف بعمق على ثقافات البلدان التي تزورها.

استمرت تجربة المضيفة المغربية مع "طيران الخليج" مدة أكبر من تلك التي حددتها في البداية، مستطيلة على باحة زمنية وصلت سبع سنوات كاملة، ثم التحقت بـ"اتحاد إيرويز" مسؤولة عن خدمات التذاكر سنة واحدة.

"كان الاستقرار في البحرين مبهرا لأن مرحلة كبيرة من حياتي قضيتها في وادي زم، ونوعية تربيتي المحافظة لازمتني في هذا البلد الخليجي؛ لكنني اندمجت في محيطي الجديد وأنا أتخيل وجود أسرتي في كل مكان أقصده"، تزيد فتيحة ضاحكة.

إقبال غزاوي على الزواج من مواطن بحريني وترحيب أسرته بها حفزا ارتباطا أشد للمغربية نفسها بالبيئة البحرينية، إلى درجة تفرغها إلى التزاماتها الأسرية سنوات قبل أن تنخرط في انطلاقة مهنية جديدة بمشروع خاص يعنى بالتجميل.

مبادرة ذاتية

انخرطت المنتمية إلى "مغاربة العالم" في تكوينات جعلتها متحصلة على شواهد في "الماكياج" و"الحلاقة"، ثم استعانت بمدخراتها المالية، سنة 2010، لفتح صالون تجميل "أم الحصم" بالبحرين، لتلاقي في نشاطه نجاحا فاق تصوراتها.

أقدمت فتيحة غزاوي، بحلول سنة 2017، على افتتاح محل إضافي يقدم خدمات تجميلية مماثلة في منطقة "الجفير"، على مستوى أكبر وأرقى من النواة الأولى للمشروع

تستند المستثمرة عينها على ثقافة التجميل المغربية في أداء المرفقين معا، بوجود حمامات شبيهة لتلك الموجودة في الوطن الأم تستضيف عميلات بحرينيات، زيادة على الاستعانة بمواد مرتبطة بالمغرب؛ مثل "الغاسول" و"زيت أركان" و"العكر الفاسي" وغيرها.

"كان الناس يخافون من طقوس التجميل المغربية، خاصة ارتياد الحمام الذي نعرفه جيدا في المملكة؛ لكنني كنت من بين من يقدمون شروحات حول هذه الممارسات وفوائدها على الأجسام، وتحول الأمر إلى إقبال كبير حاليا تخطى البحرينيات إلى جميع الجنسيات المقيمة في هذا البلد"، تقول فتيحة.

وضعية مريحة

ترى غزاوي أنها بلغت بحياتها إلى المرتبة التي تريحها، على الصعيدين الشخصي والمهني، وتعتبر أن العيش في مملكة البحرين لا يجعلها تحس بالاغتراب على الإطلاق.

وصي فتيحة المقبلين على الهجرة من المغرب، الراغبين في التموقع بوضعيات مريحة مستقبلا، بأن يعوا وجود عقابات تعترض سيرهم بشدة أقوى خارج الوطن، وأن يتسلحوا بالتحدي.

"التوفر على شبكة من الأصدقاء والمعارف تفيد المهاجر في الحصول على النصح المفيد، والتعرف الجيد على المجتمع الجديد، خاصة إذا كانت الأهداف متصلة بالاستثمار"، تسترسل المغربية.

وتختم فتيحة غزاوي قولها بالتشديد على أن الحياة، أينما كان خوض غمارها، لا تأتي مكتسباتها دون تعب.. لذلك، ينبغي أن يحوز "مهاجرو اليوم والغد" إرادة قوية وعدم استعجال الوصول إلى الأرباح المنشودة.