ليجُّو: العلاقات العربية الإيطالية قديمة .. والإنسان يحتاج إلى الفن

ليجُّو: العلاقات العربية الإيطالية قديمة .. والإنسان يحتاج إلى الفن

قال فرانشيسكو ليجُّو، أكاديمي ومترجم إيطالي، إن "المستشرقين الإيطاليين خصّوا المشرق بالاهتمام أكثر من سائر المناطق العربية، وذلك إلى حدود الثمانينات من القرن الماضي، حيث درس جلّهم في المشرق الذي كان منطقة رائدة خلال فترة النهضة؛ ومن ثمة كان طبيعياً أن يتم التركيز عليه أكثر من المنطقة المغاربية، لكن الوضع تغير الآن".

وأضاف ليجّو، في حوار أجرته معه جريدة هسبريس الإلكترونية، أن "العلاقات بين العرب وإيطاليا لها أثر بعيد يصل إلى ألف سنة، لمّا كانت مستعمرة تابعة للدولة الأغلبية في إفريقية والدولة الفاطمية بعدها، ثم لما انتهى الحضور الإسلامي بها، عادت الجزيرة إلى الحظيرة الأوروبية المسيحية، فكانت مقر الدولة النورمانية ثم السّوابية، قبل أن تتناوب على استعمارها شتى الدول الأجنبية، فلم يساعد ذلك على الإبقاء على العناصر العربية في ثقافتها، وإن وجدت فتتخذ صبغة أنثروبولوجية، تدخل في حيز المظاهر الثقافية المتوسطية".

وأوضح صاحب الترجمة الإيطالية لرواية "موسم الهجرة إلى الشمال" أن "الإنسان يحتاج إلى الفن، الذي يشمل الأدب والموسيقى والرقص والشعر، لأنه يخلق المتعة الفكرية لدى الفرد، التي تُلهي الإنسان عن فكرة الموت المُحدق بنا، سواء عبر الوباء أو غيره، إلا أن دور الفن في الحياة يبقى تيمة فلسفية أكثر".

وإليكم نص الحوار:

بداية من انعكاسات الأزمة الوبائية الراهنة على العلوم الإنسانية، حيث تَطرح مجموعة من التساؤلات بشأن مستقبل الأدب العالمي بعد انحسار فيروس "كورونا"، رغم أنه من المبكّر الحديث عن مآل الفنون والاتجاهات الأدبية في المرحلة المقبلة. أي تغيير قد تُحدثه "كورونا" على الأدب العالمي بعد الأزمة الصحية؟

صدَرت كِتابات عدة حول "أدب كورونا"، تطرقت إلى حالة الانعزال التي نعيشها جميعاً بدرجات متفاوتة، بعدما توقفت الرحلات وأُجْبِر الناس على ملازمة البيوت، بحيث طُرحت مجموعة من التساؤلات ذات الصلة بحالات الكتابة، سواء الإبداعية أو الدراسية.

وقد انكبّ كثير من الكتاب على التأليف في أوقات شبيهة بهاته التي نشهدها، فلا ننسَ الإنتاج الفكري الكبير للكاتب أنطونيو غرامشي خلال الفترة السجنية، وغيره من الكتاب الذين انعزلوا عن العالم في حالات المرض أو السجن أو المنزل، فاتخذوا من الكتابة وسيلة للتعبير عما يختلج النفس.

وإبّان الأزمة الصحية الراهنة، تكاثرت مظاهر التواصل الرقمي عبر الشبكة العنكبوتية، من خلال تضاعف المؤتمرات والندوات الفكرية، حيث سهّل الأنترنت العملية التواصلية بين الباحثين بأقل التكاليف، لكن تأثرت الحياة الاجتماعية سلباً إزاء الحالة الانعزالية.

لا شك أن الأزمة أعادت النقاش بشأن الكتابة الأدبية في أزمنة الأوبئة والكوارث، بين تيار يدعو إلى تأريخ المرحلة في لحظتها، وتيار ثانٍ وجد في الجائحة ملاذاً لاستكمال المشاريع الفكرية، وتيارٍ ثالث يرى أن صنوف الأدب تفشل حينما تتم قراءة المشهد دون اكتمال التجربة. ما نظرتك لـ"أدب العزلة"؟

تصنيف يُشخّص حالات نموذجية، لكن من وجهة نظري، يبدو أنه من الصعب الحديث عن أثر الوباء على الأدب سوى عبر المدى الطويل؛ أي بعد انتهاء "كورونا". أما كتابة البحوث، كثيراً ما تتطلب الاطلاع على المصادر الورقية الأساسية الموجودة في المكتبات؛ ومن ثمة يصعب التحصّل عليها إبّان "الحجر الصحي".

أسْتحسن تأريخ البعض للحظة الراهنة، لأنه عمل توثيقي يتْبع تحليل الظاهرة في آنيتها. وبين هذا وذاك، توجد حالة متوسطة في بعض الأحيان، ترتبط بمدة اكتمال الظاهرة التي نريد الكتابة بشأنها، وتستفيد من الوقت المتوفر عبر استخدام الوسائل التكنولوجية المتاحة.

بالحديث عن العزلة القسرية التي فرضتها الجائحة، تضاعفت الندوات والمؤتمرات الرقمية في مختلف مجالات الأدب، رغبةً في تكسير هذه العزلة، حيث صدرت مجموعة من المؤلفات الفردية والجماعية خلال الفترة الماضية، ليتم تسليط الضوء من جديد على "الأدب الرقمي" الذي يجتاح الساحة الفنية. هل سيكون "الأدب الإلكتروني" بديلا عن الأدب الورقي في المستقبل؟

قد تكون الكتابة عبر القلم أو الحاسوب، حسب شخصية الكاتب ونوع الكتابة؛ إذ لا ننفي بأن البحث فرض على كل الباحثين استعمال الحاسوب، ولكن توجد حالات نفسية في الكتابة الإبداعية تتطلب تنويع المستند، فالكاتب يحتاج إلى الورقة والقلم تارة، أو يرقن بسرعة في الحاسوب حينما يرى النص يتشكل أمام عينيه بطلاقة تارة أخرى.

بالنسبة إلى مسألة نهاية عصر الكتاب، فقد طُرحت مرات كثيرة عبر التاريخ؛ إذ كلّما برزت وسيلة اتصالية جديدة، طفا على السطح النقاش عن نعي الكتاب التقليدي، غير أنه لا يجب نفي التأثر السلبي للكتاب الورقي التقليدي بظهور الكتاب الإلكتروني الذي برزت معه قضية القرصنة.

لذلك، ما زلنا نجهل مصير الكتاب الورقي، ومدى صموده أمام التجديدات الأخرى، لكن الأكيد أنه يدوم من الناحية المادية لقرون، بينما تحوم التساؤلات حول فترة بقاء المستند الإلكتروني، لا سيما ما يتعلق بالإبقاء على النصوص المسجلة إلكترونيا، وهو ما يتطلب معرفة تقنية في الموضوع.

شكّل تفشي وباء "كورونا" حدثاً استثنائياً اجتاح جميع أفراد المجتمعات بسرعة قاتلة، ما جعله تجربة مشتركة وليس عبئاً فرديا. بعد انتشار "كورونا" عبر العالم، تفشّى فيروس آخر أكثر خطورة منه، هو "رهاب الموت"، في وقت أصبحنا أكثر اهتماما بـ"الموت الجماعي". كيف تقرأ فصول هذه التراجيديا المعاصرة؟

ما تقوله صحيح جزئيا، لكن إذا تذكرنا إحدى أشهر الروايات الصادرة في القرن العشرين، وهي "الحب في زمن الكوليرا" للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، نستشف أن الموت ليست فكرة شخصية على الدوام، بل كُتب الكثير عن الموت الجماعي خلال أوقات الحرب.

ولا ننسَ أن الموت الجماعي يأتي عبر الحرب في أغلب الأحايين، علما أن الحرب موضوع أدبي كبير، إلى درجة أن تولستوي ألّف رواية من أروع الروايات العالمية في هذا السياق، وهي "الحرب والسلام"؛ فالموت الذي يداهم حياة الإنسان لطالما كان فكرة شيقة للكاتب، استحضاراً لأدب المقاومة على سبيل المثال. وهنا، نذكر الرواية الفلسطينية التي تُصوّر الموت على أنه حالة جماعية.

الفرق الكائن حاليا يتمثل في ابتعاد شعوب الغرب عن الموت الجماعي منذ الحرب العالمية الثانية، رغم أن الموت الجماعي قد يظل يصيب مناطق أخرى جراء الفيضانات والكوارث الطبيعية، من قبيل السودان مؤخرا، دون إغفال أن أرقام الوفيات جراء "كورونا" منخفضة بالمقارنة مع أرقام الحروب.

يتم التركيز في لحظة الأزمات الوبائية على العلوم الطبية فقط، باعتبارها مُنقذ البشرية من خطر الفيروسات، لكن تغفل المجتمعات الأدوار المنوطة بالعلوم الإنسانية، من أدب وفن وفلسفة وجماليات وغيرها، في الحفاظ على معنى الحياة لدى الفرد، بالنظر إلى الفزع الذي يخلقه الوباء، فيتغلّب بذلك على كل القدرات الإنسانية. ما طبيعة العلاج الذي يمنحه الأدب للإنسان؟

الإنسان يحتاج إلى الفن، الذي يشمل الأدب والموسيقى والرقص والشعر، لأنه يخلق المتعة الفكرية لدى الفرد التي تُلهي الإنسان عن فكرة الموت المُحدق بنا، سواء عبر الوباء أو غيره، إلا أن دور الفن في الحياة يبقى تيمة فلسفية أكثر.

الحضور العربي كان له أثر بارز في صِقِلِّيَة، وهو ما تجسّد في التأثير العربي على التيارات الفنية والأدبية بإيطاليا، بالنظر إلى تداول الثقافات بين بلدان البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى الاحتكاك المتواصل بين التجّار. هل مازال التأثير العربي حاضراً في النصوص الأدبية الإيطالية؟

تطرقتَ إلى فترة زمنية قديمة، تعود إلى القرن التاسع ميلادي، عندما استولى المسلمون على صقلية، حيث وصلوا إليها بقوة جيوش الأغالبة عام 827، ودام حضورهم السياسي الفعلي إلى غاية النصف الأول من القرن الـ11، لكن تواصل حضور المسلمين لفترة تقارب القرنين، ثم كوّنوا إمارة في صقلية من أجل مقاومة الملوك النورمانديين وفريدريك الثاني، قبل أن ينتهي بهم المطاف بالنفي.

على الصعيد الأدبي، وُجدت حالة تاريخية نادرة تمثلت في حضور أعيان المسلمين والشعراء العرب في البلاط النورماندي في باليرمو خلال القرنين الـ11 والـ12 وجزء من القرن الـ13، لتتكوّن، في الآن نفسه، النواة الأولى من الأدب الإيطالي باللغة الإيطالية، حيث ما زلنا نتساءل عن العلاقة الكائنة بين الإنتاج الشعري بالعربية ونظيره بالإيطالية.

العلاقات بين العرب وإيطاليا لها أثر بعيد يصل إلى ألف سنة، لمّا كانت مستعمرة تابعة للدولة الأغلبية في إفريقية والدولة الفاطمية بعدها، ثم لما انتهى الحضور الإسلامي بها، عادت الجزيرة إلى الحظيرة الأوروبية المسيحية، فكانت مقر الدولة النورمانية ثم السّوابية، قبل أن تتناوب على استعمارها شتى الدول الأجنبية، فلم يساعد ذلك على الإبقاء على العناصر العربية في ثقافتها، وإن وجدت فتتخذ صبغة أنثروبولوجية، تدخل في حيز المظاهر الثقافية المتوسطية.

بالنسبة للترجمات من العربية إلى الإيطالية، توجد نصوص كثيرة مترجمة من "لغة الضاد" إلى الإيطالية، لكن كثيرين يرون أن الحركة الاستشراقية في إيطاليا تهتم كثيراً بالمشرق العربي مقارنة بالأعمال الأدبية المغاربية. ما تعليقك؟

المستشرقون الإيطاليون خصّوا المشرق بالاهتمام أكثر من سائر المناطق العربية، وذلك إلى حدود الثمانينات من القرن الماضي، حيث درس جلّهم في المشرق الذي كان منطقة رائدة خلال فترة النهضة؛ ومن ثمة، كان طبيعياً أن يتم التركيز عليه أكثر من المنطقة المغاربية، لكن الوضع تغير الآن.

فقد برز كتاب كُثر من المنطقة المغاربية قاموا بترجمة النصوص الإيطالية، لكن يجب الإشارة إلى أن الجامعة لا تتابع اللحظة الراهنة، بل تضع مسافة بين الإلمام البحثي وموضوع الدراسة حتى تتراكم المعطيات، ما يتطلب من 10 إلى 20 سنة، بغية دراسة الظاهرة أو المنطقة بالاعتماد على المصادر المختلفة.

الترجمة مجال بحثي واسع يحتاج إلى الدربة والمران؛ لذلك تسمى بأنها فن تطبيقي، حيث ينقل المترجم إلى القراء روح وأسلوب كاتب النص، ما يجعلني أتساءل: هل الترجمة علم خالص أم فن خالص أم مزيج بينهما؟

طبعا مزيج بينهما، فلست من أنصار من يرى في الترجمة عملا فنيا بحثاً (فن إبداعي)، ذلك أن علماء الترجمة وضعوا قواعد تكون متشابكة، بحيث قد تتطلب ترجمة الجملة الواحدة تداخل قواعد عديدة، بينها التوسيع وإعادة الصياغة والتطويع، علما أنه لا بد من تطبيق جميع قواعد الترجمة على النص الأدبي.

ولا أتفق، كذلك مع القائلين إن الترجمة هي إعادة الكتابة، حيث توجد حالات في الأدب العالمي لكتاب ألّفوا بأكثر من لغة، ولهم الحق في إعادة كتابة أعمالهم، بينما يتقيّد المترجم بالنص الأصلي؛ إذ يحقّ له إعادة صياغة بعض الأمور، لكن لا يصح أن يعيد كتابة شيء مكتوب.

بالحديث عن الترجمة، فمحصول الترجمة يتّسم بالضعف في المنطقة، وإن وجدت فإنها تنصب في اتجاهات معينة، أي تغفل العديد من الاختصاصات العلمية؛ إذ سبق للكاتب طه حسين، من خلال كتابه المعنون بـ"مستقبل الثقافة في مصر"، أن نبه إلى الظاهرة، وأقتبس منه ما يلي: "في حياتنا العقلية تقصير معيب يصيبنا منه كثير من الخزي، كما يصيبنا كثير من الجهل...، ومظهر هذا التقصير المخزي إهمالنا الشنيع للترجمة والنقل عن اللغات الأوروبية الحية" (ص292). ما تقييمك لواقع الترجمة؟

أرى أن كلام طه حسين صالح لزمانه، فالترجمة تقدمت في البلدان العربية، حيث تُترجم الروايات من جميع اللغات، ما يدل على تصاعد حركة تعريب النصوص الأدبية بفعل انتشار التعليم منذ 40 سنة، لكن محور النقاش ينصب بالأساس في عدم ترجمة الكتب العلمية بنفس كثافة ما يترجم في المجال الأدبي.

وإذا عدنا للتاريخ الإسلامي، فقد كانت الترجمة منطلقا للازدهار العلمي الذي شمل الأدب أيضا، خاصة أن ازدهار الحضارة الإسلامية ارتبط بالتطور العلمي (الطبي، الصيدلي، الكيميائي...)، لكن، حاليا، مازالت ترجمات العلوم الطبيعية ضئيلة مقارنة بالنصوص الأدبية.

سؤال أخير، كيف تجد علاقتك بالقارئ في المنطقة المغاربية وأنت الذي تعيش بعيدا في إيطاليا؟

توجد دوما في أي منطقة ما يسمى بالنواة الصلبة للقراء، ولعل الأمر نفسه ينطبق على المنطقة المغاربية، لكنها تمتاز بامتلاك لغتين، الفرنسية إلى جانب العربية، وهو أمر جيد بالمناسبة، لأن الفرنسية نافذة كبيرة للاطلاع على النصوص العالمية التي لم تُترجم إلى العربية بعد، ما يجعل القارئ يتذوق الأدب بلغتين.