قرامي: التنظيمات المتطرفة تستغل الاحتقان .. والثورة الثقافية رهان‎

قرامي: التنظيمات المتطرفة تستغل الاحتقان .. والثورة الثقافية رهان‎

قالت آمال قرامي، أكاديمية تونسية متخصصة في قضايا الفكر الإسلامي، إن "الأساطير المؤسسة والبنى الميثية والنصوص الدينية (قصة الخلق التوراتية...)، ساهمت في إضفاء شرعيّة على العنف الممارس ضدّ النساء، وتقديم التبريرات الملائمة التي تحفظ للرجل امتيازاته، وتحافظ على مكانته في سلّم التراتبية الاجتماعية، من ذلك فكرة التأديب".

وأضافت قرامي، في حوار أجرته معها جريدة هسبريس الإلكترونية، أن "الرهان هو على إصلاح جذريّ للتربية (التنشئة الاجتماعية في الطفولة المبكرة) ومناهج التعليم، وإعادة تأطير المشرفين على هذه القطاعات الحساسة، بما يتلاءم مع قيم المساواة والعدالة والحرية والمواطنة وثقافة الحوار وممارسة النقد، إضافة إلى ثورة ثقافية وفكرية لم تتحقّق، وإعلام يقوم بوظيفته التوعوية والإخبارية بكلّ مسؤولية".

وأوضحت مؤلِّفة كتاب "الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية.. دراسة جندرية"، أن "ورشات إعادة تفكيك النصوص الدينية، ومقاربتها من زوايا مختلفة، ووفق مناهج جديدة، قد فُتحت منذ سنوات؛ ولكنّها غير مرئية بالقدر الكافي، ولا تتمتع بالسند المادي، ولا يراهن عليها أصحاب القرار؛ سواء في المؤسسات الإعلامية أو الثقافية أو التعليمية لارتباط المصالح السياسية بالنخب الدينية أو خشيتها منها".

وإليكم الحوار كاملا:

بعد اندلاع "أزمة كورونا"، اجتاح "وباء العنف" ضد النساء أغلب بلدان المنطقة، بفعل إجراءات العزلة الصحية المنزلية التي فرضت على الجميع ملازمة البيوت. ظاهرة العنف ضد المرأة في العالم الإسلامي ليست وليدة "زمن كورونا"، بل هي ممتدة عبر التاريخ. إذن، كيف أسهمت العوامل المجتمعية المختلفة في تكريس ظاهرة العنف ضد النساء؟

ظاهرة العنف ضدّ النساء ضاربة في عمق التاريخ، وهي عابرة للثقافات والديانات والقوميات والعصور، فلا يكاد يخلو مجتمع من معنّفين وضحايا/ناجيات؛ لكن تجليّات العنف وأشكاله ودرجات تفشيه تختلف حسب السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

ومن هنا، وجب الانتباه إلى تعدّد المفهوم؛ فما يعدّ اليوم علامة على ممارسة العنف لم يكن ينظر له كذلك في حقبة تاريخية أخرى، ونذكر مثلا الاغتصاب الزوجي. فوفق عدد من الفقهاء، يُبيح عقد الزواج للرجال ''التلذّذ بآدمية''، ويُشَبَّه لديهم بعقد الشراء؛ ومن ثمّة يمتلك الزوج جسد امرأته، ومن حقّه عليها "أن تمكنّه" من نفسها، ومتى رفضت عُدّت ناشزا، وتنال عقوبة في الدنيا والآخرة.

أمّا اليوم، فإنّ وعي النساء بحقوقهن، وأوّلها حقّ الاختيار؛ اختيار الجنسانية: أشكالها وأزمنتها وأمكنتها، وامتلاك الجسد وبناء العلاقات على مبدأ الرضا لا الإكراه، ودفاعهنّ عن كينونتهنّ يجعلهن يندّدن بالاغتصاب الزوجيّ، ويطالبن بتشريعات تحميهن من أزواج نشأوا على إخضاع الزوجة متى شاؤوا، و"إتيان الحرث" متى قرّروا دون مراعاة للجانب النفسي والصحي.

وقد أسهمت الأساطير المؤسسة والبنى الميثية والنصوص الدينية (قصة الخلق التوراتية...)، في إضفاء شرعيّة على العنف الممارس ضدّ النساء، وتقديم التبريرات الملائمة التي تحفظ للرجل امتيازاته، وتحافظ على مكانته في سلّم التراتبية الاجتماعية، من ذلك فكرة التأديب. فإذا كانت المرأة قد "خلقت من ضلع أعوج"، فإنّ من حق الأب / الأخ/ابن العمّ/الزوج تأديبها، وإذا كانت التمثلات الاجتماعية تقرن المرأة بالشرّ والشيطان، والكيد والفتنة...، فلابدّ أن نراقب النساء، وأن نصوغ "سياسات الأجساد" بكلّ حزم، وأن نعاقب كلّ من تجرأت على التحرّر من الضوابط والحدود والمعايير.

إنّ النظر إلى المرأة على أساس أنّها في منزلة دونية، وفي حالة قصور دائم، ناقصة العقل والدين، لا تحسن التصرّف ولا تتمتع بالرشد والأهلية لإدارة شؤون حياتها، يفضي إلى تبرير عمليات التقويم دينيّا؛ وذلك بالاستناد إلى بعض الآيات، والتفاسير التي صيغت في أزمنة لها مواضعاتها وخصوصياتها، واجتماعيّا بالدفاع عن العرض والشرف والعفة والنسب والطهر والنظام الاجتماعي، حيث يؤدي كلّ ذلك إلى تثبيت الهيمنة الذكورية في المستوى الاجتماعي والتشريعي والسياسي والاقتصادي والثقافي.

تصاعدت، خلال السنوات الأخيرة، مسألة حضور النساء في التنظيمات الإرهابية والجماعات الدينية المتطرفة، حيث ترجع دراسات عديدة أسباب التحاقهن بالتيارات المتشددة إلى الرغبة في الإنجاب أو الزواج أو الهروب من المحيط العائلي. في نظرك، ما الذي يدفع النساء إلى الانخراط في الأنشطة الإرهابية التي غلب عليها تاريخياً الطابع الذكوري؟

ما زالت دراسة أسباب انضمام فئة من الفتيات والنساء إلى التنظيمات المتطرفة، التي تُعادي المساواة والعدالة والكرامة وحقوق النساء وتمارس الإقصاء باسم تأويلات دينية محدّدة، مستمرة وتستهوي عددا من الدارسين والدارسات، لاسيما بعد سقوط تنظيم "داعش"، والاستماع إلى شهادات النساء، أو مداخلاتهن في الإعلام.

وقد سبق لنا تناول هذه الأسباب في مقالنا "الجهاد النسائي" أو الإرهاب بتاء التأنيث سنة 2015، وكتابنا ''النساء والإرهاب.. دراسة جندرية (بمساهمة الصحافية منية العرفاوي) سنة 2017. وقد بيّنا أثر التنشئة الاجتماعية التي تُعوّد الفتاة على الخضوع، في دخلنة قيم الطاعة والاستسلام، وتقبّل دونية منزلتها، والإقرار بتفوّق الرجل عليها، إضافة إلى البنية العلائقية القائمة على هيمنة الرجال على النساء وتحكّمهم في مصيرهن. فكم من امرأة اضطرّت إلى السفر إلى بلدان النزاع بسبب الزوج أو الأب أو الأخ، وكم من امرأة اضطرّت إلى السفر إلى "دولة الخلافة" بسبب تهديد زوجها بحرمانها من أبنائها إن رفضت طاعته.

ولا يمكن التغاضي عن الأسباب الاقتصادية التي تجعل بعضهن يملن إلى تفعيل المقولات التي تأسّس عليها النظام الجندري القديم كالقوامة؛ فالرجل قوّام ماديا واجتماعيا وجنسانيا على المرأة، يؤمن لها كلّ حاجياتها، ولا ينتظر منها أن تتحمّل معه ما يترتب عن المناويل الاقتصادية المتوحشة من إكراهات. وهذا ما يفسّر إقبال فئة من الفتيات الغربيات على الانخراط في جماعات متشدّدة بحثا عن زوج يؤمن لهنّ كلّ شيء، فيصبح هو الأنموذج والبطل والرجل الكامل.

ولعل للأمر صلة بوجود حالة من التعبfatigue من أعباء 'النسوية'، وما فرضته قيم المساواة والحرية من مسؤوليات. وعموما لا يمكن أن نحدّد أسبابا مشتركة أوprofile لهؤلاء النساء، بل ثمّة مسار processus حياة ينبغي دراسته بعمق ووفق مقاربات متعددة الاختصاصات، وقناعتنا أنّ وراء كلّ امرأة حكاية ينبغي الوقوف عند تفاصيلها لاستخلاص الدروس.

التعصّب الديني ظاهرة موغلة في القدم، لكن يلاحظ أن هذا النمط السلوكي الملازم للحضارة الإسلامية تزايد بشكل مطرد بعد "انتفاضات 2011"، التي خلّفت فوضى عارمة في المنطقة، هيّأت المناخ لنشوء الجماعات المتشددة، بينها تنظيم "داعش" الذي استقطب آلاف النساء والرجال. ما الذي يجعل المتعاطفين والمنتسبين إلى الجماعات الإرهابية يحلمون بتحقيق "يوتوبيا" دولة الخلافة؟

عندما يعجز الفاعلون السياسيون عن إقناع الناس ببرامج تنموية تحقّق العدالة الاجتماعية والمصلحة العامة، ويُؤْثرون مصالحهم الخاصة على أداء مسؤولياتهم، تبرز فئات أخرى تبشّر بطرح بديل خلاصيّ قادر على سدّ الفراغ، وتلبية الاحتياجات النفسيّة لاستناده إلى الدين (الشرعية، القداسة...)، وقس على ذلك بقية الفاعلين في مجالات متعدّدة كالتعليم الذي ما عاد، في الغالب، ينهض بوظيفته على أحسن وجه.

ذلك جعل العقول غير محصّنة، تتقبّل كلّ خطاب يوفّر لها الطمأنينة أو يعدها بتلبية ما تصبو إليه: المال والزعامة والنساء والسلطة والقدرة على تغيير الواقع بواقع يُتوهّم أنّه أفضل. ولا يمكن أن نتجاهل المضامين الثقافية الجادة التي ما عادت تجد لها مكانا في مشهد تهيمن عليه الرداءة، والتفاهة والشعبوية والخواء المعرفي.

بالحديث عن ظاهرة التشدد الديني، تربط بعض الدراسات والأبحاث نشوئها بالأنظمة السياسية القائمة في المنطقة، بسبب المناهج البيداغوجية المرتبطة بمقررات التربية الإسلامية، التي تحثّ على العنف وكره غير المسلم، وما يتعلق، أيضا، بالانغلاق الذي يسم بعض النصوص الدينية. كيف يمكن ملاءمة تلك النصوص مع السياق الحاضر للناشئة؟

المسألة لا تُحلّل، في تقديري، بالنظر إلى السياق المحلّي فحسب، فثمّة مؤثرات إقليمية وتدخلات عالمية، ومشروع إمبريالي هيمني يروم تحقيق مصالحه على حساب الشعوب، وهو لا يتوانى عن تمويل الجماعات المتشدّدة أو صناعتها في سبيل نيل ما يطمح إليه. فما يجري في السنوات الأخيرة من دمار وتخريب وإبادة للشعوب وتهجير قسري وتجويع (اليمن، سوريا، ليبيا) لا يرجع إلى الفرد أو المؤسسات، بقدر ما هو انعكاس لسياسات فرضتها العولمة وأوضاع متوترة، يصعب حلّها عن طريق التفاوض، فصار العنف سيّد الميدان.

ونذهب إلى أنّ الرهان هو على إصلاح جذريّ للتربية (التنشئة الاجتماعية في الطفولة المبكرة) ومناهج التعليم، وإعادة تأطير المشرفين على هذه القطاعات الحساسة، بما يتلاءم مع قيم المساواة والعدالة والحرية والمواطنة وثقافة الحوار وممارسة النقد، إضافة إلى ثورة ثقافية وفكرية لم تتحقّق، وإعلام يقوم بوظيفته التوعوية والإخبارية بكلّ مسؤولية، ولا ينخرط في خدمة مصالح نخب تملك السلطة السياسية أو المالية، فتسمح لنفسها بالتلاعب بالرأي العامّ ووعي الناشئة.

ويمكن القول إنّ ورشات إعادة تفكيك النصوص الدينية، ومقاربتها من زوايا مختلفة، ووفق مناهج جديدة، قد فُتحت منذ سنوات؛ ولكنّها غير مرئية بالقدر الكافي، ولا تتمتع بالسند المادي، ولا يراهن عليها أصحاب القرار؛ سواء في المؤسسات الإعلامية أو الثقافية أو التعليمية لارتباط المصالح السياسية بالنخب الدينية أو خشيتها منها. وباعتبار أنّ الجهل قد تمأسس، فعدد الذين يطلعون على هذه الأعمال في انحسار.

تثار في المنطقة، بين الفينة والأخرى، نقاشات وطنية بشأن الحريات الفردية، لكنها تُواجه برفض شديد من قبل الفقهاء ونشطاء الحركات الإسلامية، بل يتم ربطها بـ"الانحلال الأخلاقي" في كثير من الأحايين؛ وهو ما أسهم في "التغوّل الديني" ببلدان منطقة الـMENA. بماذا يُمكن تفسير ردود الفعل العنيفة تجاه أي نقاش يخصّ دولة المواطنة؟

هذه النخب ما زالت تدافع عن معاقلها الأخيرة، فتلوذ بترسانة من التأويلات التي أنجزها القدامى، وتجترّ الحجج التي صاغها هؤلاء. ولا غرابة في أن ترفع حجج 'الانحلال' و'التغريب' و'الفساد' و'تفكك الأسرة' بوجه خصومها، وكأنّ الإنسان إذا تطلع إلى الحرّية فَقَد أخلاقه ودينه ووطنيته، وصار منبتّا... وهي مخاوف تعبّر عن عجز عن تمثل العالم بطريقة مغايرة ومختلفة عن السائد، وعجز عن ابتكار عدّة منهجية تسمح بتقديم إجابات تقنع المسلم/ة اليوم. وأذهب إلى أنّ الخوف صار هيكليا، فهذه النخب تخاف من التغيير، والحركات النسوية والعلمنة، والحركات الاجتماعية، والشباب المطالب بحقوق جديدة، وحرية الضمير، وحرية التفكير...، ولأنّها تكتفي بالدفاع عن مواقعها ومصالحها وامتيازاتها، فإنّها تتظاهر بالدفاع عن الدين، والحال أنّها تتمسك ببنية اجتماعية بطريركية، توفّر لها شرعية، وتطمئنها على موقعها وهيبتها.