الخيُّون: الأزمات تصادم الدين والعلم .. والإمامة "قضية ماضوية‎"

الخيُّون: الأزمات تصادم الدين والعلم .. والإمامة "قضية ماضوية‎"

قال رشيد الخيُّون، باحث عراقي متخصّص في الفلسفة الإسلامية، إن "التطرف والتشدد، ولنقل اختصاراً التعصب، يوجد في مناحي الحياة الاجتماعية كافة، في الدِّين والمذهب والعقيدة السياسية والقبيلة والقومية والحزب والأسرة وغيرها؛ لكن الأخطر منها هو التشدد المبني على عقيدة دينية ومذهبية"، مبرزا أن "صاحب المذهب أو الدين يعتقد نفسه هو دين ومذهب الله، ولا يرى في الآخرين غير الزندقة والكُفر.. وهنا يصبح القتل مبرراً باسم الله، يُذبح الإنسان ذبحاً مقدساً، لأجل الله".

وأضاف الخيون، في حوار أجرته معه جريدة هسبريس الإلكترونية، أنه "لدينا الآن إسلامات وليس إسلاماً واحداً، والسبب الأساسي هو قضية الإمامة أو الخلافة، تلك التي قال عنها إخوان الصفا، في رسائلهم، ثم تبعهم على ذلك الشهرستاني في "الملل والنحل"، بأنها أكثر القضايا التي رفع فيها السيف وسفكت فيها الدماء، وبُذرت فيها الثروات".

وأوضح صاحب مؤلَّف "العقاب والغلو في الفقه والتراث الإسلامي" أنه "لدينا عنصران يقفان ضد أي خطاب عقلاني مدني، وهما الدين بصورته الموجودة والقبيلة بأعرافها؛ بل حصل تشابك بينهما وتساند، لأن المصلحة بين رجل الدين ورجل القبيلة متلازمة، وعلى الخصوص بمجتمعاتنا حتى صار لدينا ما يسمونه "فقه العشائر"، واعتبروا الأعراف قوانين".

وإليكم الحوار كاملا:

الجدل بين الدين والعقل يتجدد كل حين؛ لكنه يشتد مع الكوارث الطبيعية، وهو ما بَرَزَ خلال الأزمة الوبائية، ذلك أن السجال الثنائي ظهر باكراً في الشرق الإسلامي بين الفلاسفة وفقهاء الدين، حيث يمكن استجلاء هذا السجال في تاريخ التهافتين: "تهافت الفلاسفة" للغزالي و"تهافت التهافت" لابن رشد، وعاوَد الظهور بعد إغلاق المساجد والأضرحة والمقابر وغيرها في المنطقة العربية. ما الذي يُصادم الوسطين العلمي والديني خلال لحظة الأزمات؟

لا يوجد لقاء بين الديني والعلمي، لأن الدين مسلمات إيمانية روحية، لو عُرضت على العقل العلمي لَما أقرّ بها.. وهذا أمر طبيعي ليس فيه ما يشي بالإلحاد أو الزندقة، بمعنى لم يكن مخترعاً مِن إنسان، إنما ظاهرة طبيعية؛ ذلك أن العلم يؤكد نظرياته عبر التجربة والبحث، بينما الدين يثبت اعتقاداته عبر الإيمان المطلق.

وفي سبيل ردم هذه الهوة، التي لا يمكن أن تُردم في أي وقت كان، حاول عدد من رجال الدين أو العاملين في المجال العلمي من المتدينين إيجاد مشترك، طبعاً لحساب الدين، وهو ما عُرف بالإعجاز العلمي للقرآن.. وما يريدون قوله هو أن كل ما يبتكره العلم، في مجال الطب أو الفلك أو الفيزياء وغيرها من المجالات، قد سبق الدين له، وبهذا يصبح العلم قدري لا تجريبي؛ لكنهم في ذلك جعلوا النص الديني يلاحظ النظرية العلمية، كي يصل إليها ويؤكدها بأثر رجعي، بمعنى أنهم من دون أن يشعروا بالخطر على الدين جعلوا من القرآن نظريات فيزيائية وكيميائية، في ظنهم ذلك أفضل طريقة للدفاع عن الإيمان.

يظهر التصادم بائناً في الأزمات أو الكوارث، فالناس في هذا الوقت تبحث عن منقذ، أو تفسير سريع لما يحدث حولهم، وبهذا ينشط رجال الدين، من المتغابين للناس، بأن الحال عندهم وليس عند العلماء أو الأطباء، وقد يُؤخذون بالمخاوف من ضعف الشعور الديني لدى الناس، وتذهب أهمية الأدعية والأضرحة، والسبب هو أنهم لم يقدموا الدين كهداية، بل قدموه مفتاحا لكل مجالات الحياة، والحقيقة أن المجال الديني لا يعمل على إنتاج لقاح أو علاج لكورونا، أو أي وباء آخر، فهذا اختصاص العلم، الذي لا يخضع، في أي شكل مِن الأشكال، للتصورات الدينية.

هنا، أذكر مقولة لإخوان الصفا، وهم جماعة عقل ظهرت في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، عبر رسائلها الخمسين المعروفة، المقولة هي: أن الله لا يتدخل في الطبيعة، فهو خلقها وترك فيها قوانينها، بمعنى أن الأوبئة والكوارث الطبيعية من اختصاص العلم وأفعال للطبيعة، لا دخل للدين بها. أعتقد هذا هو جوهر التصادم الذي سألت عنه.

بالحديث عن المستجد الوبائي الراهن، يرى البعض أنه يسائل منظومة العولمة الدولية التي تُعولم الأزمات، حيث شكّلت "كورونا" اختبارا كبيرا للنظام الدولي المعولم، بالنظر إلى أنها كشفت عن هشاشة الطور الحالي للعولمة؛ ما جعل كثيرين يتساءلون عن الملامح المستقبلية لها. في نظرك، أية عولمة ما بعد جائحة "كورونا"؟

لا أدري ما تقصدون بهشاشة الطور الحالي للعولمة، وهي مرحلة تاريخية فرضها تطور الحياة في الاقتصاد والتكنولوجيا؛ فحركة الاقتصاد تجاوزت الحدود الجغرافية، وصارت الشركات عالمية لا مستقر لها، فرضت العولمة فرضاً، فهي ليست قراراً من الأمم المتحدة مثلاً، أو اتفاقاً بين الدول، بدأت ملامحها مع بداية القرن العشرين، وأصبح كل شيء خاضعاً لها في الوقت الحالي، الثقافة والمودة والإعلام؛ لكن ذلك لا أظنه سيكتسح الدولة الوطنية، فتبقى الوطنية متداخلة مع العولمة.

أما عن الوباء وعلاقته بهشاشة العولمة، فهذا تحصيل حاصل، إذ كانت الأوبئة في ما مضى محصورة في رقعة جغرافية، بسبب تخلف وسائل النقل والاتصال، فصار اليوم الغداء بدبي والعشاء ببكين، ولو كانت الحركة الجوية، التي يومياً جعلت مئات الملايين يعيشون في الجو داخل الطائرات، موجودة في زمن الطواعين، لكان طاعون "عمواس" الذي حدث عام 18 هجرية بالشام، وقتل عددا من الصحابة، ووصل الصين وأستراليا وأمريكا.

ثقافة الكراهية والتطرف أصبحت مشاعة في المجتمعات الإسلامية، بل إنها تدفع عديداً من الفئات إلى الارتماء في أحضان التيارات الدينية المتشددة، حتى أصبحت تسيء إلى الدين الإسلامي عينه. هل كان خلط الدين بالسياسة، خلال فترات تاريخية معينة، عاملا محوريا في بروز ثقافة الكراهية والتطرف؟

يوجد التطرف والتشدد، ولنقل اختصاراً التعصب، في مناحي الحياة الاجتماعية كافة، في الدِّين والمذهب والعقيدة السياسية والقبيلة والقومية والحزب والأسرة وغيرها؛ لكن الأخطر منها هو التشدد المبني على عقيدة دينية ومذهبية، أي ما بين الأديان وما بين المذاهب والعقائد.. والسبب هو أن صاحب المذهب أو الدين يعتقد نفسه هو دين ومذهب الله، ولا يرى في الآخرين غير الزندقة والكُفر. وهنا، يصبح القتل مبرراً باسم الله، يُذبح الإنسان ذبحاً مقدساً، لأجل الله.

بطبيعة الحال، كل الجماعات المتطرفة، الإسلامية، هي اشتقاق من التنظيمات الدينية السياسية، ولا يمكن أن يكون حزب من أحزاب الإسلام السياسي غير متعصب، مع الإشارة إلى أن التعصب بين الجماعات الدينية السياسية درجات، بمعنى لا يمكن الإقرار والاطمئنان لتقسيم الإسلام السياسي إلى متطرف ومعتدل؛ فالتطرف والاعتدال ما هما في هذا المجال سوى اختلاف الدرجة ليس إلا.

ليس الخطأ في الانتماء إلى عنصر من هذه العناصر، لكن الكارثة هي أن تتعصب على الخطأ والصواب، فتتحول إلى قاتل، غيرك لا يستحق الوجود، بل ولا الحياة، فتصور أنك تعتقد أن عقيدتك إلهية، وأن حزبك هو حزب الله، وأهلك هم أهل الله وقومك قوم الله، فإلى أي درجة ستكون عنيفاً ضد مَن يخالف الله؟!.

لهذا، ظهر قوم من قريش، ومن أهل مكة، قبل الإسلام اعتبروا أنفسهم "أهل الله"، وعرفوا بالحمس، فلا يكون الحجيج إلا بثيابهم وعلى طريقتهم وبطعامهم، والسبب لأنهم اعتقدوا أن الله دافع عن الكعبة، وهي مركز مكة، وهُزم أبرهة وجيشه، دفاعاً عن بيته الكعبة، لذا خصوا أنفسهم عن غيرهم بلقب "أهل الله"، وفق ما ذكره المؤرخ الأزرقي والفاكهي في "أخبار مكة" و"تاريخ مكة".

لم تستوعب الثقافة الإسلامية في عمقها أن إسلام الإمبراطورية لا يمكن أن يكون إسلام الدولة الحديثة، بحيث مازالت هذه الثقافة تحنّ إلى السياق الإمبراطوري في التاريخ الإسلامي؛ ذلك أن بعض فقهاء اليوم يتشبثون بمجموعة من الاجتهادات التي وسَمت عالم الإمبراطوريات لا عالم الدول. هل الخوف على منظومة القيم الإسلامية هو الذي يجعل بعض الفعاليات الفقهية تتشبث بتلك الاجتهادات العتيقة؟

إن الفكرة الدينية فكرة شاملة، إذا دخلت في السياسة تتحول الأنظمة التي تقرها سياسياً إلى أنظمة شمولية، أي لا اعتبار للحدود الجغرافية الوطنية، وهذا العصر الإسلامي انتهى بالحرب العالمية الأولى، مع سقوط الدولة العثمانية، وظهور الدولة الوطنية، مثلما حصل مبكرا بأوروبا، والحدث لا علاقة له بصناعة استعمارية مثلما يُقال، إنما هو عصر تاريخي، فالإمبراطوريات مرتبطة بفكرة دينية، أو عقيدة سياسية، تجمع في ظلها الناس على أساس العقيدة، مثل الإمبراطورية الرومانية والإسلامية في عهودها كافة.

كما أن فكرة الدولة القومية عابرة الحدود لا وجود لها، لذا فشلت دعوة الشريف حسين وحربه من أجلها 1916، عندما أراد جمع كل البلدان الناطقة بالعربية تحت علم واحد، بينما الأمريكان، وهم إنكليز أولاً، طردوا التاج البريطاني بثورة (1765)، لأن السكان هناك أصبحوا أمريكان، ضمن حدود جغرافية معينة، لا علاقة لهم ببريطانيا، وكذلك الحال ببلدان أُخرى.

إن الإسلام السياسي، بشقيه السُّنّي والشَّيعي، إسلام خلافة أو ولاية لا وطن؛ فإثر سقوط الدولة العثمانية ظهر الإخوان المسلمون ينادون بالخلافة الإسلامية، تمتد حيث يوجد الإسلام، غير أن الشيعي منه اتخذ الولاية، وهي ولاية الفقيه، يمتد النظام فيه حيث يمتد الإسلام الشيعي، وهذا هو سرّ ولاء الأحزاب الدينية الشيعية لإيران، بل إن إيران تبرر تصدير الثورة بمنطق الولاية العامة السياسية، مثلما كانت حدود الصفويين التي ليست إيرانية، وحدود العثمانيين أيضا ليست تركية، إنها حدود الدين والمذهب. نقول انتهى هذا العصر ليس بفعل فاعل، إنما التطور السياسي والاجتماعي فرض انتهاءه.

وجّهت، في إحدى حواراتك السابقة، انتقادات كبيرة إلى ما أسميته بـ"دين الفقهاء"، بسبب التعقيدات التي يضفونها على الإسلام، الذي وصفته بأنه "دين بسيط"؛ لكن نشهد، اليوم، العديد من الصراعات بشأن قضايا دينية محل خلاف دائم. كيف ساهم الفقهاء في جعل الإسلام منظومة تقييد متشددة؟

نجد فارقاً بين قراءة القرآن من جهة، وقراءة الحديث وكتب الفقه من جهة أخرى، فعلى سبيل المثال لا نجد حكماً بالقتل في القرآن، ما عدا القصاص (النفس بالنفس)، لكن مع ذلك هناك تكملة؛ وهو العفو، ففي حالة أن يعفو صاحب الدم ويقبل بالدية فهذا خير عند الله، والآية صريحة في ذلك: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".

بمعنى هناك حلّ آخر غير القتل، وهو العفو مقابل دفع الدية، وهذا ما تمارسه بعض الدول الإسلامية، كما هو الحال في المملكة العربية السعودية، وهو بعد حُكم القضاء على القاتل بالقتل، حيث يبقى التنفيذ ينتظر عفو أولياء القتيل، حتى آخر لحظة من تنفيذ عقوبة القتل، حتى أحياناً يبقى ولي الدم منتظراً لحظة القتل الأخير فيعلن العفو، وكأنه قد شفى غليله أن أوصل القاتل إلى لحظة الشعور بالموت.

لكن لو تصفحنا الأحكام الفقهية نجد حكم القتل على المرتد، يقصد الردة عن الإسلام الفكرية أو العقائدية وليست الحربية، وذلك أمر طبيعي، من يحمل السلاح يُقاتل، كذلك حكم القتل على من يسيء إلى ذات مقدسة، والقتل عقوبة للساحر، والقتل عقوبة على ممارسة "الزنا" للمُحصنين؛ أي بالرجم، وهذه كلها مثار تعصب أورده الفقهاء واتفقوا عليه، وأتوا بأحاديث تسنده.

كذلك إيجاد ما يسمى بعلم أو فقه الناسخ والمنسوخ الذي حذف من القرآن النصوص التي تدعو إلى الإسلام والمودة والتكافل والحُسنى مع غير المسلمين، وعدم التشدد حتى في الفروض؛ حتى أن آية واحدة، وقد سموها بآية السيف، نسخت ما مجمله مائة وعشرين وأربع آيات، فمن يطلع على هذه الآية سيشعر بما فعله الفقهاء من تعصب وتشدد. إلى جانب ذلك، جعلوا التفسير مكان النص، مثلاً النص بخصوص صوم رمضان، فيه حرية ومعبر عن جوهر الصوم، وهو ليس الانقطاع عن الطعام والشراب بدون غرض، وهو وجد رسمياً كصوم دولة لا أفراد أيام الخليفة عمر بن الخطاب، بمعنى يُعاقب من لا يصوم، ومن يأكل علانية.

وتقول الآية: "وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ"؛ لكنهم فسروا يطيقونه بأنه يعني أدنى درجات عدم التحمل، وهذا لا يحتاج له تفسير، فقد وضحته الآية: "فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ"، فإذا لم يكن هذا النص يعني حرية أن تصوم أو لا تصوم، لكن عليك تنفيذ جوهر الصوم "فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ"، وإلا لماذا لم يكن حكم الذي يطيقوه ولا يرغب بالصوم، أن يكون مؤجلا لأيام أُخر كحالة المريض أو المسافر. ربَّما، وهذا وارد جداً، أن يظهر علينا من يقول اتركوا هذا الكلام للفقهاء أصحاب الاختصاص، ونحن نقول، هذا يخص حياتنا وديننا، ومن حقَّنا أن نجتهد ونعلم ما يدور حولنا.

في كتابك المعنون بـ"رسالة في العَلمانية والخلافة"، تورد ما يلي: "إن الصراع الحاد حول الإمامة، بخلاف ماضوي عقيم، سبب آخر لا يبرر الدعوة إلى الدولة الدينية، وما تشعب عن ذلك الخلاف من مذاهب متحاربة تنشطر باستمرار، فالإسلام بسببها أمسى ليس واحدا، إنما متعدد في الأصول أو العقيدة، فإذا تحدث الشيعة عن الإمامة على اعتبار أنها أصل، أي واحدة من قوام العقيدة، ردّ عليهم السنة بأنها ليست كذلك". ما أهمية الدولة اللادينية في تجاوز محنة الاختلاف حول الخلافة؟

نعم، لدينا الآن إسلامات وليس إسلاماً واحداً، والسبب الأساسي هو قضية الإمامة أو الخلافة، تلك التي قال عنها إخوان الصفا، في رسائلهم، ثم تبعهم على ذلك الشهرستاني في "الملل والنحل"، بأنها أكثر القضايا التي رفع فيها السيف وسفكت فيها الدماء، وبُذرت فيها الثروات، مع أنه لا وجود لها في كتاب القرآن، وإذا كانوا يلوون أعناق كلمات الآيات بتأويلهم أو تفسيرهم، ويعتبرون "لا حكم إلا لله" يخص السياسة، فهذا مردود عليهم، لأنها تعني قُدرة الله لا السياسة.

نجد الدولة الدينية عند الإسلام السياسي السُّنّي هي الحاكمية الإلهية، وعند الإسلام الشيعي هي الحاكمية الإلهية أيضاً؛ لكنها عبر الإمام المهدي المنتظر، ويخلفه مؤقتاً الولي الفقيه، حيث ترى الحاكمية عند المودودي وعند الخميني، ففي كتابيهما "الحكومة الإسلامية"، العنوان واحد لكلا الكتابين. من هنا، نعتبر قضية الإمامة قضية ماضوية، تلحق عصر الإمبراطوريات، مثلما تقدمه الإجابة عن سؤال سابق من أسئلتك، وأن محاولة تطبيقها على عصرنا هذا فيه انفصال عن الواقع.

نعم، الشيعة يعتبرون الإمامة من الأصول؛ وهي عندهم خمسة: الربوبية والنبوة والمعاد والعدل والإمامة، بينما عند السّنة الأصول هي الثلاثة الأولى، لكن عند الإسلام السياسي السني تعتبر الخلافة أصلا من الأصول، بحيث من لا يؤمن بحاكمية الله السياسية يعد كافراً، بينما عند فقهاء الشيعة المعتدلين من لا يقر بالإمامة يعتبر مسلماً، لكن ليس شيعياً ولائياً. أما الإسلام السياسي الشيعي، فيعد الولاية السياسية، أي ولاية الفقيه، حداً بين الكفر والإيمان، فمن يتعرض لها بإيران اليوم يُحاكم.

من هنا، تأتي أهمية الدولة اللادينية، وهي تنفيذ للحديث الذي يعترف به الفقهاء أنفسهم "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، وهل هناك أمر دنيوي أخطر من قضية الدولة؟ مع علمنا أن الداعين إلى الدولة الدينية يمارسون التعسف على الناس، ولم يطبقونها، والسبب هو لا وجود لاقتصاد ديني ولا حكومة دينية.

في ظل الحديث عن التشكلات التاريخية التي تؤلف اللاوعي الجمعي، كتب كثير من الأكاديميين عن مدى توفر المواطنة، حسب مفهومها الحديث، بالفضاء الاجتماعي والسياسي في المنطقة، بفعل تصورات الموروث الثقافي اللاشعوري السائد. كيف يمكن إنشاء خطاب مدني عقلاني في منطقتنا، يكفل ممارسات حقوق الإنسان المؤدية إلى التسامح وقبول الاختلاف؟

ليس هناك وصفة جاهزة عامة لنشوء وعي اجتماعي؛ فلكلّ مجتمع خصوصيته الثقافية والروحية، والدين عادة ليس واحداً، فما يريده ويتأثر به مسلمو الصين غير ما يتأثر به ويتحرك وفقه مسلمو باكستان مثلاً، تتشابك مجموعة من التأثيرات في المجتمع، كالتأثير القبلي أو القومي، وما فيهما من عادات وتقاليد، وكل مجتمع تحدد تلك العوامل طريقه إلى العقلانية. لكن في كل الأحوال يحتاج تشكيل أو إنشاء وعي مدني عقلاني إلى نقد الوعي السائد، وهذه مهمة المثقف المختص بطبيعة الحال، فأنت مثلاً لا تستطيع أن تفصل مواجهة خطاب جماعات التطرف الديني من دون تقديم نقد للقاعدة الدينية التي يرتكز عليها هذا الخطاب، كذلك لا يمكن تأسيس خطاب عقلاني من دون نقد مبررات خطاب التطرف.

كي لا نعمل على اختراع المُخترع أو اكتشاف المكتشف، لنقرأ التجربة الأوروبية في مواجهة التعصب الديني والمذهبي، وكان تعصباً من القسوة بمكان أن وصل إلى الذبح الجماعي؛ لكن كيف تم الخروج من تلك الأزمة، التي استمرت لقرون؟. لقد تمت بالمثقف والحاكم اللذين أعادا الدين والمذهب إلى مكانه الصحيح، وبعده عن السياسة، وذلك حين ظهر مثقف، من داخل الأزمة يكتب "رسالة التسامح" بعد أن هدم أركان التعصب، وظهر ملك قال: أنا ملك على الناس وليس على الضمائر، والدين يخص الضمائر، لا يخص حياة الناس السياسية وإدارة شؤونهم، فهناك شؤون الآخرة وشؤون الدنيا، ووجود خطاب عقلاني مدني يخص الدنيا.

لا أظن أن هناك موروثا لا شعوريا.. كيف تمارس هذا الموروث بلا شعور به، ما أظنه أن هذا الموروث بصورته الكارثية، موروث النزاع المذهبي والديني، إثارته مقصودة ومدروسة، لجني ثمار سياسية، والناس تقودها أحزاب تثير فيها تلك العاطفة مِن أجل ضمان تجنيدها في صفوفها، وإلا ما فائدة الناس من إثارة نزاع مرَّ عليه 1400 عام؟ وما فائدة الناس من النقاش في قضية قد مضت وسدل الدهر عليها ستائره؟.

طبعاً، لا شيء غير فائدة الرؤساء. لدينا عنصران يقفان ضد أي خطاب عقلاني مدني، وهما: الدين بصورته الموجودة، والقبيلة بأعرافها؛ بل حصل تشابك بينهما وتساند، لأن المصلحة بين رجل الدين ورجل القبيلة متلازمة، وعلى الخصوص بمجتمعاتنا حتى صار لدينا ما يسمونه "فقه العشائر"، واعتبروا الأعراف قوانين.

إن إمكانية نقض هذه المنظومة هي الكفيل بإنشاء خطاب عقلاني مدني، فبوجد المنظومة الدينية والقبائلية تعصف بحياة الناس، وخصوصاً في المعاملات الخاصة بالنساء، ولا فرصة لخطاب عقلاني يحترم الجميع.