كاتم العلوي: أرڭان شجرة عتيقة تمنع زحف رمال الصحراء على أڭادير

كاتم العلوي: أرڭان شجرة عتيقة تمنع زحف رمال الصحراء على أڭادير

داخل مكتبها بكُلية الطب والصيدلة في العاصمة الرباط، تعكف البروفيسور كاتم العلوي على تنسيق عمل مؤسسة تحمل اسم الملك محمد السادس تُعنى بالبحث العلمي حول شجرة أرڭان للوصول إلى تثمين وحماية هذا الكنز الذي ينفرد به المغرب على مستوى العالم.

وتؤكد كاتم، وهي المديرة العامة لمؤسسة محمد السادس للبحث وحفظ شجرة الأرڭان، أن هذه الشجرة الفريدة تحتاج إلى قانون يحميها ويوفر بدائل لحوالي ثلاثة ملايين مغربي ومغربية يعتبر أرڭان مصدر عيشهم الوحيد، وذلك لضمان عدم استمرار اندثار 600 هكتاراً سنوياً من هذه الثروة.

في هذا الحوار مع هسبريس، تحدثنا كاتم، المديرة العامة لمؤسسة محمد السادس للبحث وحفظ شجرة الأرڭان الأستاذة بكلية الطب والصيدلة التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، عن فكرة تأسيس وتاريخ المؤسسة وأهدافها إضافة إلى البرامج التي نجحت في تنفيذها على أرض الواقع والمشاريع المستقبلية.

ضيفتنا في هذا الحوار رأت النور بمدينة الدار البيضاء، وهي حاصلة على الإجازة في الكيمياء الحيوية وعلم الأدوية وشهادة المتريز في علم الأدوية في فرنسا، بعد ذلك التحقت بكلية الصيدلة في بوردو لنيل دبلوم الدراسات المُعمقة في علم الأعصاب والصيدلة.

واستمرت كاتم في إعداد الدكتوراه في العلوم الصيدلانية في فرنسا إلى أن عادت إلى بلدها المغرب للعمل أستاذة باحثة في كلية الطب والصيدلة التابعة لجامعة محمد الخامس في الرباط، لتحصل فيما بعد على دكتوراه الدولة في علم الأدوية.

وتجر المديرة العامة لمؤسسة محمد السادس للبحث وحفظ شجرة الأركان وراءها مسيرة مهنية تقترب من ثلاثة عقود، وتطمح إلى تحقيق حلمها باستعادة كثافة شجرة الأركان في المغرب كما كان عليه الوضع في السابق.

كيف رأت المؤسسة النور وما هي مهامها؟

هي جمعية مؤسسة وفق ظهير 1958 بمبادرة في البداية من عدد من الأساتذة الباحثين الراغبين في إيجاد ممثل ومحاور حول البحث العلمي بخصوص شجرة الأرڭان، وقد أدركنا أهمية هذا الأمر خلال مشاركاتنا في عدد من المؤتمرات واقتنعنا بضرورة توحيد الجهود في هذا الصدد.

كنا محظوظين لأننا تعرفنا على السيد أندري أزولاي، مستشار صاحب الجلالة محمد السادس. وهو كما تعرفون ينحدر من الصويرة ويكن حباً كبيراً لمنطقته التي تعد من المناطق الأكثر كثافة وحماية لشجرة الأرڭان.

طلبنا منه أن يكون رئيساً للجمعية وقَبِل بذلك، وكان لنا الشرف أن تحولت الجمعية بسرعة إلى مؤسسة محمد السادس للبحث وحماية شجرة الأرڭان بعدما شرفنا الملك بإطلاق اسمه عليها في تاسع ماي من سنة 2004.

بعد التأسيس، أدركنا سريعاً أنه إلى جانب البحث العلمي الذي هو ميداننا كان يجب الاهتمام أيضاً بمجال الحفاظ والحماية، ولذلك قمنا بمهمة التواصل مع كل الجهات المعنية بمجال الأرڭان، منها المياه والغابات ومحاربة التصحر، ووزارة الفلاحة، والتعاونيات المهتمة بالأرڭان التي وصلت اليوم إلى 300 تعاونية.

وقد حددنا الأهداف في تنسيق البحث العلمي حول شجرة الأرڭان وتطوير وحماية التوازنات الطبيعية والحماية القانونية لاستغلال غاباتها، والعمل على تحسين مستوى عيش الساكنة المحيطة بهذه الفضاءات، وضمان جودة منتجات الأرڭان.

ماذا كانت أولوية المؤسسة في بداياتها؟

في البداية، حددنا أولويات، على رأسها معادلة (الأرڭان = المغرب)، خصوصاً أنه في تلك السنوات كُنا على وشك توقيع اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأميركية، ولذلك توجهنا إلى المكتب المغربي للملكية الصناعية (OMPIC) لمعرفة ما يجب القيام به لتحقيق المعادلة، وأخبرونا بشكل واضح أنه من المستحيل تحقيق ذلك، لأن الأرڭان نوع نباتي حي لا يمكن تملكه، فهو ينتمي إلى الإنسانية.

في المقابل، أخبرنا مسؤولو المكتب بأن المغرب بإمكانه حماية كل المنتجات المتأتية من شجرة الأرڭان، واقترحوا علينا آلية متوفرة لديهم لم يسبق استعمالها تحمل اسم الإشارة الجغرافية المحمية (L'indication géographique protégée-IGP) وهي تعطى لكل منتج إذا استطاع مُنتجوه إثبات أنه جيد لأن أصله من منطقة ما.

في سنة 2004، كانت آنذاك تلك الآلية بدون وضع قانوني، لذلك اشتغل المكتب بسرعة لإعداد القانون الخاص بسجل الإشارة الجغرافية المحمية جرت المصادقة عليه في دجنبر من سنة 2005، إضافة إلى ذلك كانت هناك حاجة إلى قانون آخر خاص بالعلامة المميزة للأصل والجودة، وقد رأى النور سنة 2008.

بعدما باتت القوانين جاهزة، أصبحت الإشارة الجغرافية المحمية (IGP) متاحة، وقد شرع في تسويق أولى زيت أرڭان حاصلة على هذه العلامة سنة 2011، وتعني هذه العلامة أن هذه الزيت مُنتَجة وفق دفتر تحملات موافق عليه من طرف وزارة الفلاحة، وهو ما يمنح ضمانةً للمشتري، من حيث أصلها وجودتها وريعها الذي يصل جزء منه إلى الموزع والمرأة المشتغلة في التعاونية.

مع الأسف، لم نعمل على تحسيس المستهلك بخصوص أهمية هذه العلامة لتشجيع الإقبال على الجودة بخصوص منتجات أرڭان، لأن تحقق ذلك يعني زوال المنتجات الأخرى التي لا تحترم الشروط، ونتمنى مستقبلاً الحصول على دعم للتواصل أكثر بخصوص هذه العلامة.

الأولوية الثانية هي الـ600 هكتار التي نفقدها سنوياً من غابات الأرڭان بسبب قطع هذه الشجرة، فهي اليوم تغطي حوالي 870 ألف هكتاراً، وهي الثانية من حيث المساحة بعد غابات البلوط الأخضر، وتصل كثافتها ما بين 10 و50 شجرة في الهكتار.

صحيح أن السكان الذين يقطنون في مناطق مليئة بشجرة الأرڭان يعطى لهم الحق الكامل في التمتع بالغابة؛ إذ لا يمكن منعهم من اقتلاع الأشجار وجمع الخشب لأنهم مضطرون لذلك في معيشهم اليومي، لذلك يجب أن نبحث عن بديل لهم، ألا وهو الطاقات المتجددة، لتخفيف الضغط على خشب الأرڭان.

ولتحقيق ما سلف، اطلعنا على تجارب دولية، من بينها مدينة Mont-Louis الفرنسية حيث يوجد الفرن الشمسي الوحيد في العالم، وهو أداة رائعة تُمكن من اقتصاد حوالي 100 هكتار من الغابات سنوياً، ولذلك فكرنا في مشروع فرن شمسي في آسفي التي تُعاني من التلوث بسبب نشاط الخزف الذي يستوجب حرق أي شيء وبكميات كبيرة.

ولأن هذا المشروع يستدعي ميزانية كبيرة تصل إلى 5 ملايين درهم، لم ننجح في إنهائه، لكن عملنا في السياق نفسه مع شركة لإنتاج آلات طبخ تعمل بالطاقة الشمسية من ألواح الألمنيوم والزجاج تلتقط الأشعة الشمسية وتركز الحرارة، وقد نجح ذلك بشكل كبير جداً؛ إذ يتطلب الأمر 4 ساعات من التعرض للشمس لكي يتم طهي وجبة طعام، وهو ما يُمكن من اقتصاد من 5 إلى 10 كيلوغرامات من الخشب في اليوم لكل آلة واحدة.

ارتأينا وضع هذه المطابخ التي تعمل بالطاقة الشمسية في مؤسستين تعليميتين في سيدي بوزكري وتاكوشت في إقليم الصويرة لتحسيس الأجيال الصاعدة بأهمية استعمال هذه الطاقات المتجددة، واعتماد التدريج بالنسبة للأمهات ليقبلن العمل بآلات الطبخ الجديدة.

ما هو تاريخ شجرة الأرڭان في المغرب؟

تاريخ شجرة أرڭان يعود إلى العصور الوسطى وعمرها يناهز 65 مليون سنة، وهناك عدد من الافتراضات لكن الفرضية الأرجح تقول إنه في زمن سابق كانت القارة الإفريقية مغطاة بالجليد، وحين ذاب جرى الانزلاق نحو الجنوب الغربي للمملكة، وبقيت المنطقة الممتدة من الصويرة إلى سوس ماسة، ومنطقة صغيرة في بني يزناسن نواحي بركان، حيث يوجد شجر الأرڭان على مساحة تمتد على 300 هكتار.

اكتشاف أرڭان في بركان لم يكن قديماً، لكن ما بين سوس والصويرة كان منذ زمن بعيد، بحيث نجد بعض الكتابات لدى أكاديمية المملكة المغربية حول عهد المولى إسماعيل ورد فيها أن سفراء المغرب كانوا يسافرون إلى دول أخرى ويحملون معهم قناني زيت أرڭان.

وعلى مر السنين، تعتبر النساء في مناطق أرڭان حاملات رئيسيات لمعارف فريدة من نوعها مرتبطة باستغلال الأرڭان، من عملية قطف الفاكهة وتجفيفها إلى إزالة اللب والتكسير والفرز والطحن ثم الخلط، وما يرافق ذلك من أغان وأهازيج.

هذه التقنيات والمعارف قديمة جداً، فكسر فاكهة أرڭان لا يمكن لأي آلة في العالم أن تنجح فيه مع الحفاظ على نواته، وذلك يتطلب استعمال حجرتين منحوتتين بزاويتين بشكل محدد. وقد عملنا على توثيق هذه المعارف في ملف متكامل وضعناه لدى منظمة اليونسكو سنة 2013، وبعد ذلك بسنة أدرجت المنظمة عنصر "الأرڭان، ممارسات، ومعارف مرتبطة بشجرة الأرڭان" ضمن اللائحة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية.

بعدما نجحنا في المحطة الأولى، نسعى مستقبلاً لحماية نساء الأرڭان باعتبارهن كنوزاً حية للإنسانية، لأنهن يعملن على حماية المعارف القديمة والمواقع التي يوجد فيها شجر الأرڭان، وقد جرى منح صفة الكنوز الحية للإنسانية في العالم لفائدة قبيلة وحيدة في العالم هم هنود الأمازون الذين كانوا مهددين بالانقراض.

ولتحقيق حماية نساء الأرڭان، نحتاج إلى مقتضيات قانونية. وفي هذا الصدد، أعدت وزارة الثقافة مشروع قانون متعلق بمنظومة الكنوز الإنسانية الحية، لكن لم يدخل بعد المسطرة التشريعية لاعتماده ليكون المغرب مؤهلاً لتلقي حماية اليونسكو في هذا الصدد.

كم تبلغ حالياً مساحة الأرڭان في المغرب؟

تبلغ المساحة حالياً أكثر من 800 ألف هكتار، وفق إحصائيات المياه والغابات، منها 740 ألف هكتاراً في سوس ماسة، والباقي في الصويرة ثم بركان. يجب أن نعلم أن تهديد غابات أرڭان له تأثير إيكولوجي كبير نظراً للدور الذي تلعبه هذه الشجرة في محاربة التصحر، فلولاها لكان التصحر قد زحف على أكادير.

كما يمتد تأثير ضياع غابات أرڭان إلى الجانب السوسيو اقتصادي، لأن إنتاج زيت أرڭان يوفر 7 ملايين يوم عمل عائلي في السنة، ويرتبط به حوالي 3 ملايين مغربي بشكل مباشر وغير مباشر.

وتعتبر الزيت أبرز منتج لشجرة أرڭان، إضافة إلى المنتجات الخاصة للتجميل وصيانة البشرة، ويعود تثمينها لأول مرة إلى سنة 1985 من خلال أول طلب براءة وضعه المختبر الفرنسي "Pierre Fabre" للاستعمال في مجال التجميل، وقد عرف هذا الأخير رواجاً كبيراً بعد ذلك.

وإلى جانب الاستعمال التجميلي، هناك جانب آخر لمنتجات أرڭان خاص بالتغذية، وداخل كلية الطب والصيدلية بالرباط نعمل أيضاً على كيفية استغلال عجينة زيت أرڭان التي تُسمى "تازكموت" لإنتاج دواء مضاد للالتهابات، لكن ذلك يتطلب وقتاً طويلاً لأن المغرب لا يتوفر على نصوص قانونية حول إنتاج الأدوية من الأعشاب.

في ظل ضياع هكتارات من غابات أرڭان سنوياً، هل المغرب في حاجة إلى قانون خاص؟

نعم، المغرب في حاجة إلى قانون ينظم غابات أرڭان، وذلك يجب أن يكون بعد إجراء مشاورات واسعة وبدون إقصاء لأي معني بالأمر، وخصوصاً ذوي الحقوق الذين يسكنون بالقرب من هذه الغابات، إضافة إلى كل القطاعات التي لها علاقة بالموضوع. لن يكون لهذه القوانين أي معنى إذا لم يتم إشراك الجميع لضمان تطبيقها على أرض الواقع، ناهيك عن توفير بدائل للسكان لكي لا يضطروا إلى استغلال حطب أرڭان للتدفئة والحياة اليومية، إضافة إلى دعمهم للتوجه نحو أنشطة أخرى مدرة للدخل.

هذا بالإضافة إلى إعادة التشجير. وفي هذا الصدد، تعمل المندوبية السامية للمياه والغابات بتقنية تعتمد وضع الشجرة في المشتل لمدة سنتين قبل نقلها إلى التربة ثم العمل على سقيها وحمايتها. والتقنية التي نستعملها نحن في التشجير تنجح بنسبة 70 في المائة، أما تقنية المندوبية فتصل إلى 80 في المائة، وقد حصلت هذه التقنية على جائزة الحسن الثاني للبيئة سنة 2000، أي إن العمل جار بها منذ عشرين عاماً.

هل هناك محاولات لغرس أرڭان خارج المغرب؟

كانت هناك تجارب عدة، من بينها تجربة في المعهد الوطني للبحوث الزراعية في فرنسا، لكنها لم تنجح بشكل كبير؛ بحيث لم تصل الشجرة إلى مرحلة الإثمار. في إسرائيل هناك حديث عن أن التجارب نجحت، لكن دون أن نتوفر على معلومات مكتوبة حول الموضوع، ويعتقد أنها نجحت في تشجير 2000 شجرة، لكن ليس هناك كتابات علمية حول هذا الأمر.

هل تستفيد النساء عبر التعاونيات من القيمة المضافة العالية لأرڭان؟

في المؤسسة لدينا تساؤلات عدة حول حقيقة ما تقوم به التعاونيات الأرڭانية، لدينا 300 تعاونية، بمعدل 50 منخرطة في كل تعاونية، بما مجموعه 7400 منخرطة، لست متأكدة إن كانت هذه التعاونيات تعمل طبقاً للنظام المثالي للتعاون، لهذا يجب أن تفهم النساء أنهن لسن أجيرات في مقاولة بل شريكات في تعاونية، وهذا يستوجب أن تكون الأرباح موزعة حسب مشاركة كل واحدة بعد بيع المنتوج.

النساء لا يستفدن من عائدات أرڭان كما نطمح إلى ذلك، بل القلة منهن فقط، ونحن بعيدون كل البعد عن تعميم هذه الفائدة، ولذلك طلبنا لقاءً مع مكتب تنمية التعاون لمعرفة الوضع أكثر والعمل على تجاوز المعيقات والاختلالات إن سجلت.

ما هو طموحكم الذي لم يتحقق بعد؟

نحلم بأن تكون لدينا غابات أرڭان كما كانت في سنوات 1900 حيث الكثافة تصل إلى 100 شجرة في الهكتار، لأننا اليوم في حدود 30 شجرة في الهكتار الواحد، نرغب في استعادة هذه الصحة الجيدة لغابات أرڭان لضمان صحة جيدة للسكان الذين يعيشون بالقرب منها وتمثل مصدرهم الوحيد للعيش، آنذاك سنكون قد قمنا بدورنا تجاه الأجيال الصاعدة من خلال تحسين وضعية بيئتنا.