الوكيلي: العقل السلفي يستثمر الأوبئة لتصفية الحساب مع الأنظمة

الوكيلي: العقل السلفي يستثمر الأوبئة لتصفية الحساب مع الأنظمة

قال يونس الوكيلي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس المتخصص في سوسيولوجيا الإسلام، إن "الفكر الديني يعتبر المرض أو الوباء المعدي المنتشر عقابا أو ابتلاء للذين لا يؤمنون أو ابتلاء للذين يؤمنون لكنهم مُقصرون في إيمانهم، أي إنهم مذنبون؛ فالمرض يصبح وسيلة لتصحيح سلوك المؤمنين"، مبرزا أن "المرض يصبح رسالة وعلامة إلهية للتنبيه وتصحيح الخلل".

وأضاف الوكيلي، في حوار أجرته معه جريدة هسبريس الإلكترونية، أن "التأويل قائم دائما إزاء النصوص الدينية، فقراءة الشيوخ السلفيين تتسم بكونها مقاربة لا تاريخية للنصوص، لأنها قراءة اتباعية وظاهرية، خاصة قراءة مجموعة من الآثار المرتبطة بالمرض والأوبئة"، مشيرا إلى أن "كل الأنظمة الدينية تدمج مسألة العذاب بوصفه عقابا في تصورها لانتظام الأشياء في العالم".

وأوضح الأستاذ الباحث في الأنثروبولوجيا أن تفشي فيروس "كورونا" يعتبر "فرصة لتوجيه رسائل إلى أنظمة سياسية في المنطقة أضحت تعيد علاقتها بإيديولوجيتها الدينية الوهابية، فالوباء فرصة لتصفية الحساب مع التحولات السياسية الراهنة التي ليست في صالح المشروع السلفي"، لافتا إلى أن "الخطاب السلفي منفلت من رقابة الخطاب الديني الرسمي ومؤسساته، ومازالت رؤيته إلى المجتمع دينية محضة، لا تسمح بدخول أي عنصر من عناصر الحداثة في طريقة التفكير في المجتمع وتحولاته".

إليكم نص الحوار كاملا:

في رأيك لماذا يربط السلفيون، أو الفكر الديني عموما، بين المرض والأوبئة والعقاب الإلهي؟

أولا، تختلف طبيعة المرض حسب اختلاف رؤى العالَم بشكل عام؛ فالطب الحديث مثلا يتصور المرض جزءا من الطبيعة؛ بمعنى أنه "حدوث خلل في توازن الجسم"، وسببه إما يرتبط بعوامل داخل الجسد، كالأمراض الوراثية مثلا، أو خارجه وتؤثر فيه، مثل العوامل البيئية، إلا أننا في الحالتين نظل في العالَم الفيزيقي. لكن إذا انتقلنا إلى الفكر الديني، صحيح أن المرض خلل في توازن الجسم، لكن السبب يختلف، فلا نتحدث عن عوامل وراثية أو بيئية، وإنما عن قوى فوق طبيعية، يمكن أن تكون خيّرة، الله مثلا، أو شريرة، الجن مثلا.

الاختلاف، إذن، في نظام الأسباب، أي "ما يكون أولاً" بتعبير ابن سينا، ورؤية العالم الدينية إلى المرض على هذا النحو موجودة في كل الأديان. ما يختلف من مجتمع إلى آخر هو حجم انتشار هذه الرؤية الدينية أو الاعتقادات، في مجتمعات تكون سائدة ومهيمنة، وفي أخرى تكون هامشية واستثنائية.

ثانيا، من هذا المنطلق، الفكر الديني يعتبر المرض أو الوباء المعدي المنتشر عقابا أو ابتلاء، عقابًا للذين لا يؤمنون أو ابتلاء للذين يؤمنون لكنهم مُقصرون في إيمانهم؛ أي إنهم مذنبون؛ فالمرض يصبح وسيلة لتصحيح سلوك المؤمنين. كيف يكون هذا التصحيح؟ يكون حسب التعبير الديني في الإسلام بـ"التوبة"، أي التخلي عن كل الآثام والذنوب والمعاصي التي يقترفها المؤمنون. المرض هنا يصبح رسالة وعلامة إلهية للتنبيه وتصحيح الخلل، وبه يرتهن ما يسمى "رفع البلاء"؛ وهو فعل إلهي حسب تصور المؤمنين، وهذا لا يدفع إلا بالتوبة والدعاء والرجوع إلى الله.

كيف تنظر إلى اعتبار بعض الشيوخ السلفيين وباء "كورونا المستجد" عقابا من الله؟

بداية، يصدر هؤلاء الشيوخ عن رؤية دينية؛ ولأن التأويل قائم دائما إزاء النصوص الدينية، فقراءة الشيوخ السلفيين تتسم بكونها مقاربة لا تاريخية للنصوص، لأنها قراءة اتباعية وظاهرية، خاصة قراءة مجموعة من الآثار المرتبطة بالمرض والأوبئة، مثل: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"، أو المعادلة السلفية كالآتي: "ما نزل بلاء إلا بذنب وما رُفع إلا بتوبة".

المرض رسالة إلهية، والفيروس، "كورونا" أو غيره، "جند من جنود الله" يعاقب به غير المؤمنين لأنهم ظالمون، ولأن دعوات المظلومين تلاحقهم (أقلية الإيغور في الصين)، ويبتلي بها المؤمنين لأنهم آثمون لا يؤدون الشعائر، والخدمات الصحية غير جيدة في المستشفيات، والخدمات الإدارية غير جيدة، والدين يحارب...إلخ، كما يقول بعض الدعاة السلفيين.

بهذه الخلفية، فالمرض أو الوباء أو العذاب بشكل عام عقاب إلهي نتيجة انتهاك للمُحرم (Breach of Taboo) كما لاحظ الكثير من الأنثروبولوجيين حول مجتمعات عديدة. لذلك يمكن أن نؤكد أن كل الأنظمة الدينية تدمج مسألة العذاب بوصفه عقابا في تصورها لانتظام الأشياء في العالم.

بماذا تُفسّر أن السلفيين وحدهم من أصدروا خطابات وآراء حول الموضوع؟

من جهة أولى، لا يمكن فصل الخطاب السلفي حول فيروس "كورونا" عن المشروع الإيديولوجي العام، فالوباء، كما أشرنا، هو لحظة يستثمرها العقل السلفي لإعادة تذكير المجتمع بجدارة المشروع السلفي داخل المجتمع، فالمعادلة هي: ارجعوا إلى الله، يُرفع عنكم الوباء.. ابتعادكم عن الدين هو الذي يعرضكم لهذه "المصائب".

من جهة ثانية هو فرصة لتوجيه رسائل إلى أنظمة سياسية في المنطقة أضحت تعيد علاقتها بإيديولوجيتها الدينية الوهابية، وهذا واضح في تشكيك بعض الشيوخ السلفيين في الإجراءات الاحترازية التي قامت بها المملكة العربية السعودية، من توقيف العمرة وحلقات تحفيظ القرآن داخل الحرم المكي، وإشارتهم في الوقت نفسه إلى الإبقاء على الحفلات الفنية.. فالوباء فرصة لتصفية الحساب مع التحولات السياسية الراهنة التي ليست في صالح المشروع السلفي.

من جهة ثالثة، يلاحظ أن جزءا كبيرا من الخطاب السلفي مازال خارج رقابة الخطاب الديني الرسمي ومؤسساته، فإذا كانت الأصوات الإسلامية التقليدية أو الإسلامية السياسية لا تستطيع إعلان موقف مخافة العقوبات التي يمكن أن تصدرها وزارة الأوقاف في الأول، أو مخافة الوصم بترويج خطابات استغلالية للدين بالنسبة للثاني، فإن جزءا من الخطاب السلفي منفلت من هذه الرقابة وعصيّ على الترويض، ومازالت رؤيته إلى المجتمع دينية محضة لا تسمح بدخول أي عنصر من عناصر الحداثة في طريقة التفكير في المجتمع وتحولاته.