بوشيبة:‬ "برغماتية" الصين عالية .. والمجتمع مدخل التنمية بالمغرب

بوشيبة:‬ "برغماتية" الصين عالية .. والمجتمع مدخل التنمية بالمغرب

قال الدكتور ناصر بوشيبة، الباحث في معهد السياسة والإدارة العمومية بجامعة "صن يات سين" في جمهورية الصين الشعبية، إن "المدخل الأساسي لبناء نموذج تنموي جديد يجب أن يكون عبر إعادة نمذجة دور الدولة في قطاعات الصحة والتعليم والنقل، نظرا لأنها تستنزف مداخيل جل المغاربة وتَحُول بينهم وبين العيش الكريم، ناهيك عن تسبّبها في ارتفاع وتيرة هجرة الأدمغة بالمغرب".

وأضاف بوشيبة، في حوار أجرته معه جريدة هسبريس الإلكترونية، أن "النموذج التنموي المغربي القائم يحتاج إلى إعادة دور الدولة في المشاريع الاجتماعية، الشيء الذي سيُمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات جريئة وحاسمة من شأنها إيجاد حلول ناجعة"، مؤكدا أن "هناك دولا غربية ليبرالية تقليدية، على غرار كندا، بدأت تفكر في تأميم قطاع التعليم لإصلاح الآثار الجانبية لليبرالية الجديدة".

إليكم تفاصيل الحوار كاملا:

المغرب بصدد بلورة نموذج تنموي جديد يسعى إلى إحداث قطائع مع مختلف السياسات التي وسمت العقدين الماضيين. من وجهة نظرك، ما هو المدخل الأساسي لبناء نموذج التنمية المأمول؟

قبل المُضيّ في صياغة أي نموذج تنموي، وَجب تحديد دور مختلف الفاعلين، وكذلك طبيعة العلاقة بينهم. وبما أن مهمة بلورة هذا النموذج على أرض الواقع ستُناط إلى الدولة بمختلف مؤسساتها، علينا البدء في تحديد الدور الجديد الذي ستلعبه في المجال الاقتصادي والاجتماعي.

وللإشارة، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، اختار المغرب طواعية أو مرغمًا نهج إصلاحات ليبرالية عميقة بدأت بإصلاحات هيكلية للإدارة العمومية تبعتها موجة خوصصة التسعينات، بحيث لا يمكن نُكران ما حققته الخوصصة من إعادة للتوازنات الماكرو-اقتصادية وخلق لفرص المقاولة الحرة، ناهيك عن الانفتاح الكبير على الاقتصاد العالمي، الذي أصبح بفضله المغرب رائدا في صناعات كانت لوقتٍ قريب حكرًا على الدول المتقدمة.

لكن مع حلول الألفية الثالثة، بدأت الأعراض الجانبية لهذه الإصلاحات تظهر جليّا نتيجة انسحاب الحكومة من الشق الاجتماعي لفائدة القطاع الخاص والمجتمع المدني، بما في ذلك قطاعات شديدة الحساسية مثل التعليم والصحة والنقل؛ ما نتج عنه تدهور وضعيتها.

وبما أن تدهور حال هذه القطاعات وارتفاع كلفتها هما السببان الرئيسيان لتزايد منسوب الاحتقان الاجتماعي الذي يعرفه بلدنا، أظن أن المدخل الأساسي لبناء نموذج تنموي جديد يجب أن يكون عبر إعادة نمذجة دور الدولة في هذه القطاعات، نظرا لأنها تستنزف مداخيل جل المغاربة وتحُول بينهم وبين العيش الكريم، فضلا عن كونها أهم أسباب هجرة الأدمغة من بلدنا.

يتفرّد النموذج الصيني بمزايا اجتماعية ترتبت عن احتفاظ الدولة بتأثيرها على الاقتصاد والمشاريع الاجتماعية، ما اتضح جليا من خلال الدور المحوري الذي قامت به الحكومة في تدبير أزمة فيروس "كورونا". كيف يمكن للجنة التي أسندت إليها مهمة صياغة نموذج تنموي جديد أن تستفيد من النموذج الصيني؟

لقد أشار الخطاب الملكي إلى أن النموذج التنموي الجديد يجب أن يكون مغربيًا في صيغته ومبتكرًا في آلياته لكي يقدم حلولا فعالة للمشاكل الاجتماعية التي يتخبط بها المغاربة، حيث تعتبر هذه المواصفات –فعلاً- من مميزات النموذج التنموي الصيني.

فيما يخص الهوية الصينية مثلاً، لا يتم الاعتماد بتاتًا على مكاتب الدراسات الأجنبية، بل يتم اللجوء إلى فرق الأبحاث في الجامعات للقيام بالدراسات التي تحتاجها الدولة، وكذلك لتتبع الأهداف المُسطرة وتقديم تقارير عن مدى تأثيرها، ناهيك عن تقديم رؤى مستقبلية للمخططات المقبلة.

ولا يقتصر هذا التتبع على الجانب التقني أو الاقتصادي، بل يتعداه إلى الآثار الاجتماعية لمختلف السياسات والبرامج، حيث شاركت شخصيًا في صياغة بعض هذه الدراسات في ما يخص مشاريع محاربة الفقر والسياسات الاجتماعية لفائدة المسنين من ذوي الاحتياجات الخاصة، وكذا برامج دعم المقاولات الشبابية والقوانين الخاصة بالأجانب في الصين.

أما من حيث الابتكار فإن النموذج الصيني يتميز ببرغماتية عالية، لكونه يقوم باعتماد كل من التخطيط الاقتصادي واقتصاد السوق حسب طبيعة القطاع وأهميته الإستراتيجية، إذ تتجسد هذه السياسة في الكلمة الشهيرة للزعيم الصيني الراحل دنغ سياوبينغ حينما قال: "لا يهم أن يكون القط أبيض أو أسود، المهم أن يمسك بالفئران".

لذلك، يتم اعتماد اقتصاد السوق في جميع القطاعات الاقتصادية الموجهة إلى التصدير أو الاستهلاك، من قبيل صناعة السيارات والنسيج والمنتوجات الكهربائية وغيرها؛ في حين تبقى القطاعات الإستراتيجية في قبضة المؤسسات العمومية مثل الحديد والصلب والطاقة، وطبعا المنتوجات العسكرية.

أما فيما يخص الشق الاجتماعي؛ فعلى الرغم من فتح المجال جزئيا أمام الخواص لولوج بعض القطاعات الاجتماعية، فإن الحكومة تبقى الفاعل الأساسي في توفير هذه الخدمات بجودة عالية، ما يجعلها تكون في متناول الجميع، لاسيما قطاعي التعليم والصحة.

كما يمتاز النموذج التنموي الصيني بمحاربة الفقر أينما وجد بدون هوادة، إذ يطلقون على العملية "استئصال الفقر بدقة"، حيث يقوم الموظفون الحكوميون، من الحي إلى المدينة إلى المقاطعة، بتقديم تقارير دورية عن وضعية الهشاشة والفقر عند الساكنة، مع إحصاءٍ دقيق لأسباب العوز كالنقص في القدرات أو ضعف الموارد.

بعدها، يتم إطلاق برامج تكون غالبًا بشراكة مع كبار رجال الأعمال، الذين عادة ما يتجاوبون مع نداء الحكومة لمحاربة الفقر؛ لأنهم يَعتبرون أن نجاحهم في الأعمال نتيجة للدعم الحكومي في البداية؛ ومن ثمة عليهم الانخراط في المشاريع الاجتماعية الحكومية لتخفيف الضغط على ميزانية الدولة، في حين ينالون طبعاً تحفيزات؛ من قبيل الحصول على الأراضي الصناعية بأسعار تفضيلية، وكذلك تحفيزات ضريبية، علما أن محاربة الفقر تعد من اختصاصات رئيس الدولة، بينما دور الحكومة يتجلى في التنسيق فقط.

تتعدد التجارب التنموية الرائدة التي أفضت إلى تحقيق هذه البلدان لنقلة اقتصادية واجتماعية في وقت وجيز. أي نموذج تنموي يحتاجه المغرب، بالنظر إلى طبيعة الأعطاب الكائنة في النظام السياسي والاقتصادي للمملكة خلال الفترة الماضية؟

من وجهة نظري، يحتاج النموذج التنموي المغربي الراهن إلى إعادة إنشاء أو نمذجة دور الدولة في المشاريع الاجتماعية، الشيء الذي سيُمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات جريئة وحاسمة من شأنها إيجاد حلول ناجعة؛ فمثلا هناك دول غربية ليبرالية تقليدية، على غرار كندا، بدأت تفكر في تأميم قطاع التعليم لإصلاح الآثار الجانبية لليبرالية الجديدة.

ومثلما نعرف أن القطاع الخاص أصبح يهيمن على قطاعي التعليم والصحة ببلدنا، فإنه لن يكون من السهل الرجوع إلى الوراء؛ لكن بالإمكان، إذا توفرت الإرادة والأرضية التشريعية الملائمة، أن تقوم الحكومات المقبلة بالشروع في تأميم جزئي للقطاعات الحيوية كالتعليم والصحة والنقل. ولا يعتبر ذلك رجوعا عن مكتسبات الخوصصة في تحديث التدبير والرفع من الفاعلية، بقدر ما هو تصحيح لمسار هذه الخوصصة التي فرضت على المغرب آنذاك أن يضحي بالقطاعات الحيوية من أجل التوازنات الماكرو اقتصادية؛ ومن ثمة إرضاء المؤسسات النقدية الدولية والبلدان المانحة.

وإذا كانت دول غربية رأسمالية بامتياز، كالولايات المتحدة وبريطانيا، تتراجع عن ثوابت الليبرالية وتتخذ قرارات حمائية جريئة، فيجب علينا أن نعي بأن الحركة الليبرالية الجديدة توشك على الانقراض، ولا يجب أن نكون آخر المودعين لها، بل يجب التأقلم مع الوضع العالمي الجديد، حمايةً لاقتصادنا الوطني وحفاظًا على السلم الاجتماعي.

تشهد العلاقات المغربية-الصينية تطورا ملحوظاً في الفترة الحالية، حيث يسعى الطرفان معاً إلى تدشين أفق جديد يرتكز على قاعدة رابح-رابح، لكن الروابط السياسية والشراكات الاقتصادية مع المملكة لم تترسخ بعد. هل الظروف مواتية الآن لتوطئة وتعميق هذه الروابط مستقبلا؟

حددت معالم العلاقات السياسية بين المغرب والصين ليلة الـ27 من دجنبر عام 1963 حين استقبل الملك الحسن الثاني الوزير الأول الصيني تشو أنلاي بالإقامة الملكية بدار السلام؛ فكانت هذه هي الزيارة الأولى لمسؤول صيني رفيع المستوى للمغرب، حيث كان تشو أنلاي يلقب بصديق العرب؛ وهو جد مقرب من جمال عبد الناصر الذي كان مناوئا للملكيات في العالم العربي، بل يتهمها بالرجعية.

بعد تناول العشاء، وأثناء شرب الشاي، سأل العاهل المغربي الوزير الصيني سؤالا مفاجئا: سقطت العديد من الملكيات في العالم العربي.. لقد أصبح الوضع صعبا للغاية بين الدول العربية.. ما رأيكم فيما يحصل!، فَهم تشو أنلاي المغزى، ذلك أنها دعوة ذكية لشرح موقف الصين من الحركات الثورية في العالم العربي؛ فأجاب تشو أنلاي بسرعة بأن ملك الكمبودج نورودوم سيهانوك صديق حميم لبكين، مقترحاً تشكيل لجنة دائمة للملكيات العربية، على أن يتولى ملك المغرب رئاستها.

هنا ضحك الجميع، فاتضح منذ ذلك الوقت أن العلاقات المغربية-الصينية ستكون مبنية على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدين، لتأتي بعدها زيارات الملك محمد السادس أعوام 1991 و2002 و2016، حيث أسست لتقارب كبير في الكثير من القضايا السياسية، خاصة قضية الصحراء المغربية، بحيث اتفق الجانبان على اعتماد الحل السلمي عبر الأمم المتحدة لمشاكل الحدود التي خلفها الاستعمار والتأكيد على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي، ما يجعل العلاقات السياسية في أحسن مستوياتها.

وفي الشق التجاري، تجاوزت واردات المغرب أربعة ملايير دولار عام 2018؛ فعلى الرغم من العجز التجاري الكبير، إلا أن النسبة الأعلى من الواردات عبارة عن مواد أولية ومعدات تساعد المغرب في تسريع وتيرة التصنيع. وتعد السوق الصينية الضخمة فرصة كبيرة للمنتوجات المغربية، لكن، للأسف، ليس هناك مجهودات من أجل التوسع في هذه السوق على عكس دول أفريقية أخرى؛ خاصة مصر وجنوب إفريقيا اللتان نجحتا في غزو السوق الصينية من حيث المنتجات الفلاحية وبعض أنواع النسيج.

أما بالنسبة للاستثمارات الصينية في المغرب، أرى أن المشكل ثقافي بامتياز؛ فالمسؤولون عن الاستثمار في المغرب يملكون خبرة كبيرة مع المستثمرين الغربيين وكيفية المفاوضة معهم، إلا أنهم يجهلون تطلعات المستثمر الصيني، وكذلك كيفية تحفيزه على اختيار المغرب، علما أن المملكة المغربية تعد الوجهة المثلى للاستثمارات الصينية في إفريقيا باعتراف كبريات مراكز الأبحاث الإستراتيجية في الصين.