مخلوف: مجلة "رحلة" تراهن على تسييس الثقافة وتثقيف السياسة

مخلوف: مجلة "رحلة" تراهن على تسييس الثقافة وتثقيف السياسة

"رحلة" مجلة لبنانية شهيرة تُقارب الظلال التي تخلّفها السياسة على أرض الواقع، وتتوغّل في تفاصيل الموضوعات التي تعيش على الهامش، وتعمد إلى تسييس الثقافة وتثقيف السياسة، حيث احتجبت لمدة ستة أعوام تقريبا؛ لكنها عاودت الصدور في حلة جديدة بعددها السادس بحر الأسبوع المنصرم.

وحول طبيعة الاهتمامات والمواضيع المتناولة وشرائح المجتمع التي تحاول محاكاتها، حاورت جريدة هسبريس الإلكترونية بول مخلوف، محرر مجلة "رحلة"، الذي علّق على رفض مجتمعات المنطقة لفكرة "العصيان" بتمثلها الفلسفي، قائلا: "أصبح العقل العربي سجين نفسه، يعتريه الخوف المزمن من الآخر".

وأضاف مخلوف أن "الفكر الديني لم يأت من العدم، بل هو نتاج ثقافة معينة بغض النظر عن الأسلوب الذي فَرض فيه هذا الفكر نفسه على المجتمع"، موضحا أن بلدان المنطقة تحتاج إلى "ثورة ثقافية تكون كبيرة أيضاً؛ فالسياسة هي من إفرازات الثقافة، وإذا كان ولا بد من ثورة ثقافية، فمن الضروري أن تكون محملّة بجوهرٍ تتبناه السياسة بخطابها اليومي".

إليكم تفاصيل الحوار كاملاً:

بعد انزواءٍ دام ستّ سنوات، عاوَدت مجلة "رِحلة" الصدور في حلّة جديدة بعددها السادس. تُعرّف المجلة نفسها في الشبكات الاجتماعية بكونها "اتّحاد المنشقين عن قوى الأمر الواقع". هل "رحلة" العائدة ما زالت تغوص في السريالية؟

فلنوّضح أوّلا ًتسمية "اتحاد المنشقين عن قوى الأمر الواقع"؛ نحن مجموعة رافضة للواقع بما هو عليه، وهذا لا يعني أننا غير واقعيين أو لا نتحلى بالواقعية، إنما رؤيتنا مضادة تماما للمسار الذي حددته السلطات (بكافة أشكالها) لتشكل على أساسه "واقعاً". لذلك، "رحلة" خارجة عن هذا المألوف برؤيتها، لغتها، وحتى عقليتها النقدية، هامشية وغير منتمية للوصم ("ستيجما") المُتّبع.

إننا نؤمن بالتجريب، وعليه كان شعارنا "تجريبية، سفلية، حرة" في البدء؛ أي في الأعداد الخمسة الأولى؛ بحيث كنّا متأثرين بالتجارب السريالية الغربية. ويعود هذا الاختيار إلى أسبابٍ عديدة؛ أبرزها القراءة الشعرية وموسيقى psychedelic rock، فما قدمناه آنذاك من محتوى في الأعداد كان مقالات تحمل في طياتها أفكارا ً بطريقة عفوية، بالإضافة إلى نصوص متخيلّة وقصائد.

اليوم تغيّر هذا التطلع، بتنا أكثر دقةً والتصاقاً بتقنية الكتابة كفن. كما أننا على يقين أن الشرط الموضوعي، أي الواقعية بما تفرضه من موضوعات وظروف وحالات، تتطلب معالجة مسهبة والمزيد من القصدية، والكثير من الابتكار المُثقل بالمعنى، ولو بأسلوبٍ عبثي. لذلك، الغوص في السريالية اليوم بات رهنا ًبأسلوب الكاتب. بالنسبة إلينا في "رحلة"، إن "السريالية" أداة تعبير، وليست هدفا حتميا ترتكز إدارة التحرير على تبيانه، خلقه، أو نشره.

"الخطيئة الأصلية لم تُفسِد الإنسان، بل حرّرته، وبها كانت بداية التاريخ.. كان على الإنسان أن يغادر جنّة عدن لكي يتعلم الاعتماد على نفسه ويصبح إنساناً كاملاً". أقتبس هذه الجملة من الحوار الذي أجرته المجلة مع الفيلسوف الأمريكي إريك فروم، للحديث عن فكرة "العصيان" التي أسست للتاريخ البشري. لماذا تحوّل مفهوم "العصيان" إلى جريمة في واقعنا الذي لا يقبل بالآخر المختلف فكريا ودينيا وروحيا واجتماعيا؟

صحيح، مجتمعاتنا العربية منغلقة وتهيمن عليها ثقافة دوغمائية، حيث يتحمل الجميع مسؤولية هذا الواقع. السلطات في العالم العربي تعمل على إعادة إنتاج ذاتها، من خلال تمجيد الموروث الثقافي وإضفاء القدسية على نفسها، وتتصرف كأنها الآمر الناهي من ناحية، والعقل العربي ينظر عموديا ًإلى المسائل وليس أفقيا.

لقد أصبح العقل العربي سجين نفسه، يعتريه الخوف المزمن من الآخر من ناحية أخرى. هذا العقل العربي الذي لم يقتل "الأب"، بل عزز مكانته من خلال التمثل بصفاته واعتباره المرجعية الأسمى من حيث القيم والثقافة والمعرفة، ووضعه بشكلٍ سرمدي مثله الأعلى.. إذا كان لا بد من عصيان، فيجب أن يبدأ رمزيا، وعندئذٍ كل فعل واقعي يغدو ممكنا.

يتناول العدد السادس من مجلة "رحلة" فكرة "الرفض" التي أسست لثورات غيّرت مجرى البشرية، من قبيل الثورة الإنجليزية والفرنسية.

كيف يُؤدي الرفض المكنون لدى شرائح المجتمع إلى تفجير نقم سياسية مكلّفة؟

كما قلت لك سابقاً، الرفض يجب أن يبدأ رمزياً. كاتب هذا المقال بهاء إيعالي استشهد بالثورات الكبيرة التي حدثت في أوروبا بعد أن سرَدَ في مقاله عن ثوراته الصغيرة الذي نجح بفعلها، كعصيانه الحذو لما يمليه المجتمع عليك من أحلام حتى. الرفض ضروري وهو ما يحرك النقمة السياسية، إلا أنه يجب أن "يتعقلن" بمرحلةٍ ما، أو أقله لا بد من أن يرافقه تطلع نظري مقيّن وإلا يقع بمكيدة المطلق، ليصبح "الرفض للرفض".

"تتعامل "رحلة" مع الظلال التي تخلفها السياسة على أرض الواقع.. تعيش موضوعاتنا على الهامش وتتوّغل بالتفاصيل"، هكذا تفصح المجلة عن كينونتها. من هنا يأتي سؤالي: كيف تلخص ما يحدث في لبنان إلى اليوم؟

نعيش أزمة كبيرة في لبنان، اليوم، إذ كما كتب ميلاد دويهي في مقالته هنالك أزمة بنيوية في لبنان. النظام اللبناني يجمع متناقضات كثيرة في داخله. هذه المتناقضات هي عبارة عن سياسات غير متوائمة، بل تجمعها مصالح مادية مشتركة. ففي أي دولة في العالم، لا بل في التاريخ، تجد فيها كلا من "المير" والإقطاعي والرأسمالي متمثلون برلمانيا.

كما كتب مصطفى السبلاني لا بدّ من عقد اجتماعي جديد في لبنان يحدد هوية المجتمع الذي نعيش فيه. على صعيدٍ آخر، نعتقد أن المصطلح الدقيق للكلمة أننا نعيش حربا ناعمة في لبنان. إن الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد اللبناني هي القطاع المصرفي. الجميع يتباهى بأننا دولة صاحبة اقتصاد حر، إلا أننا أصبحنا اليوم موّجهين من قبل مزاجية المصرف.. هل تصدق هذا؟، المصرف يتعامل مع اللبنانيين وكأنهم في دولة سوبر ديكتاتورية، حتى رواتبهم لا يمكنهم أن ينالوها كاملة. إذا أردت اختصاراً لما يجري، فيمكن القول إن الديمقراطية التي تبجحوا فيها طويلا تبين أنها مزيفة ومقنّعة.

العدد السادس من مجلة "رحلة" يشتبك مع التطورات اللبنانية الأخيرة، حيث جاء العدد بغلاف يحمل ماهية النقاش حول الانتفاضة الواقعة في لبنان، تحت عنوان "بدّنا نسترجع الوقت المنهوب". وسط زحام الأحداث المتسارعة التي تقودها الطبقات المتوسطة والفقيرة، هل نجحت الانتفاضة في تحقيق نقلة في حياة لبنان السياسية؟

قصدنا أن يأتي العنوان على شكل تصريح، وهذا التصريح استلهمناه من جدارية كتبها مجهول (نوّجه إليه تحية) على أحد جدران بيروت في الانتفاضة. فمن ناحية، إن العنوان هو تعبير عن غيابنا الذي دام 6 سنوات، ومن ناحية أخرى كان لا بد منّا أن نقول ما بجعبتنا وأن ننغمس مجدداً في البوح والتعبير، أي أن نعود إلى النشر.

لم تنتهِ الانتفاضة لتحقق نقلة نوعية في حياة لبنان السياسية. لا شك في أنها فعلت شيئاً، أضافت حدثا وصنعت تغييرا معيناً، وهو كسر الجمود وهز الثبات الذي ينعم فيه المسؤولين السياسيين؛ لكن هذا أساسا غير كافٍ.. الحديث عن الانتفاضة يطول، لكن من المبكر الحديث عن نتائجها.

جاء العدد الخامس للمجلة تحت عنوان "يسقط كوكب العجائز"، في دلالة رمزية على مختلف الأنظمة العربية التي شهدت "انتفاضات 2011". في نظرك، بماذا تفسّر الانتقال الديمقراطي العسير الذي تشهده هذه الأنظمة؟

لم يكن هنالك انتقال ديمقراطي للأنظمة العربية. الانتفاضات التي شهدتها البلدان العربية سرعان ما تحولت إلى حروب ومجازر واقتتال. لم نرَ مثلا ًبرنامجا ديمقراطيا بديلا مطروحا تبنته شريحة واسعة من المنتفضين في البلدان العربية، أو مشروعا يسعى إلى الحداثة. ما رأيناه كان عكس ذلك، شهدنا أن غالبية القوى المنظمة هي وحوش ترتدي أقنعة دينية تقاتل لأنها لا تعرف غير القتل. تكفر وتختزل كل ما يختلف عنها. استبطان الغرائز وتجييش الرفض والتفكير المستند على الوجدان لا يصنعون ديمقراطية، بل موجة شعبوية غير عقلانية غالبا ًما تنتهي بتراجيديا.

تشهد بلدان المنطقة انتفاضات تفضي إلى سيناريوهين؛ إما عودة النظام السابق إلى السلطة بلبوس جديد أو ظهور "دول فاشلة" نتيجة دخول قوى خارجية على خط الأزمة؛ ومن ثمة يوجد "ضرر" في كلا الحالتين وسط تطلعات الشعوب. ما الوصفة المقترحة لتحقيق حلم الديمقراطية المنشود؟

لسنا خبراء في الديمقراطية، ويحتاج هذا السؤال إلى جلسة مطوّلة ممكن أن نستخلص منها مجلداً. ما يجب فعله بنظرنا هو "فعل الممكن/ عمل المستطاع"، وهذا ما تقتضيه الواقعية. الديمقراطية تحتاج إلى سمات معينة ومزايا لتحقيقها، مثل الانفتاح وتقبل الآخر، العقل النقدي. كل ميزة أو سمّة من التي ذكرناها تحتاج إلى ورشة عمل كبيرة. لذلك، كما قلنا في "رحلة": "إننا نتعامل مع الظلال التي تخلفها السياسة..."؛ فالعمل في الظلال، اليوم، بنظرنا هو الأهم وبإمكانه أن يحدد الشكل النهائي.

بالحديث عن فشل مجمل الانتفاضات في المنطقة، يوجد عامل رئيسي ربما ساهم في هذا الواقع المتناقض الذي نعيشه، اليوم، يتجسد في هيمنة الأدلوجة الدينية القائمة على الفكر التبريري لدى الشعوب. ألا نحتاج إلى "الثورة الثقافية" بدل "الثورة السياسية"؟

لم يأت الفكر الديني من العدم، بل هو نتاج ثقافة معينة بغض النظر عن الأسلوب الذي فَرض فيه هذا الفكر نفسه على المجتمع. طبعاً، نحتاج إلى ثورة ثقافية تكون كبيرة أيضاً. السياسة هي من إفرازات الثقافة، إذا كان لا بد من ثورة ثقافية، فمن الضروري أن تكون محملّة بجوهرٍ تتبناه السياسة بخطابها اليومي.. يعني أن تكون ثورة بكل ما للكلمة من معنى وليس "شبه ثورة" أو "محاولة ثورة".

إذا أعدت قراءة مقال طالب شحادة في العدد السادس من "رحلة"، مثلاً، فتستنتج أن الثقافة والسياسة قدران متلاصقان جداً؛ فقد عالج المقال موضوعا سياسياً، بالأحرى حدثا ًكبيراً، أي انتفاضة 17 تشرين بأسلوب ثقافي عميق وعال.. هذا ما نفعله في "رحلة"، تسييس الثقافة وتثقيف السياسة.