باقة: الدولة تضعف دور النقابات .. ووزير أقرّ بتزوير الانتخابات

باقة: الدولة تضعف دور النقابات .. ووزير أقرّ بتزوير الانتخابات

تتعرض النقابات العمالية في المغرب لسيْل من الانتقادات جرّاء تراجُع قوة ضغطها على الحكومة لنيْل مكاسبَ لفائدة الطبقة العمالية، وبالموازاة برزتْ تنسيقيات عديدة في الآونة الأخيرة أصبحت ملاذا لفئات من الموظفين والأجراء وحتى الطلبة، فرضتْ نفسها بقوة، وساهمت في انحسار إشعاع النقابات وإضعافها.

فما سبب تراجع قوة النقابات العمالية في المغرب؟ وهل يساهم ضعف الديمقراطية داخلها في تراجع شعبيتهاّ؟ ولماذا لا يُقبل الأجراء والموظفون في المغرب على الانخراط في العمل النقابي؟

في هذا الحوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية، يجيب عثمان باقة، عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وكاتبها الجهوي بجهة الرباط-سلا-القنيطرة، عن هذه الأسئلة وأسئلة أخرى.

هناك انطباع شائع بتراجع قوة الحركة النقابية المغربية. ما سبب هذا الضعف؟

مسألة ضعف الحركة النقابية في المغرب وتراجع زخم حضورها حقٌّ أريد به باطل؛ حق لأنه واقع، وهذا التراجع لا ينطبق على الحركة النقابية المغربية وحدها، بل الحركة النقابية على الصعيد العالمي، التي انحسرت قوتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، والمنظومة الاشتراكية.

ثمّة عامل آخر أدّى إلى ضعف الحركة النقابية، وهو تغول الإمبريالية، ومن نتائج هذا التغول حدوث هجوم على حقوق الشغيلة في العالم ككل، وخاصة المغرب؛ لأن الحاكمين يُحسنون استغلال الظروف الدولية.

ضعف الحركة النقابية تتحمّل مسؤوليته الدولة والباطرونا والنقابات، علما أن الحركة النقابية مهمة جدا للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في أي بلد كان.

أين تتجلى مسؤولية الدولة في إضعاف الحركة النقابية؟

مسؤولية الدولة تتجلى في كونها تعطي صورة سيئة عن النقابات العمالية، ذلك أنها لا توفي بالتزاماتها معها. أعطيك مثالا، إلى حد الآن، الدولة لم تلتزم بتنفيذ اتفاق سادس وعشرين أبريل 2011 كاملا.

هذا يجعل حتى المنخرطين في العمل النقابي، منذ عشر أو خمسة عشر عاما، يتساءلون عن جدوى العمل النقابي، ما دام أن الدولة لا توفي بالتزاماتها تجاه النقابات. وعندما تعطي الدولة صورة سيئة كهذه فإن أرباب العمل أيضا يتمادون لا يلتزمون بتفعيل مضامين اتفاقات الحوار الاجتماعي.

ألا تتحمل النقابات نصيبا من المسؤولية في ضعفها؟

للأسف، بعض النقابات تراجعت عن دورها في التأطير والترافع والدفاع عن قضايا الشغيلة؛ لأن جزءا من الحركة النقابية فاقد للاستقلالية في قراراته. هناك نقابات فُرض عليها أن تقول نعم للدستور، وفرض عليها أن توقع على اتفاق الحوار الاجتماعي مع الحكومة خلال السنة الفارطة.

أضف إلى ذلك أن الدولة تتدخل في مؤتمرات النقابات، وهذا يُضعف دور الوسائط الاجتماعية، وهذا سيجعلها (الدولة) في مواجهة مباشرة مع الشارع.

مَن يتحمّل مسؤولية هذا الوضع، هل الدولة أم النقابات؟

الكل يتحمّل المسؤولية، الدولة والنقابات معا. في المشهد السياسي، مثلا، هناك أحزاب كثيرة؛ لكن ليس هناك تعدد حقيقي.. الشيء ذاته ينطبق على النقابات، التي لا تستطيع أن تعبر عن موقفها بوضوح في القضايا الاجتماعية الحساسة، حيث تعبّر عن مواقف معينة في السر، لكنها في العلن لا تستطيع التعبير عنها.

نحن في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل استطعنا أن نحافظ على نسبة مستقرة في الانخراط، على الرغم من التزوير الذي طال نتائج الانتخابات المهنية السابقة، والذي من نتائجه أن وزارة الشغل والإدماج المهني إلى حد الآن لا تتوفر على النتائج النهائية للانتخابات.

على الرغم من ذلك نحن رقم صعب في المعادلة، ولولا التزوير لكنّا النقابة العمالية الأولى من حيث التمثيلية.

هل طعنتم في نتائج الانتخابات؟ وماذا تمخَّض عن عملية الطعن؟

نعم، واستطعنا أن نربح بعض الحالات.

تحدثتم عن تزوير الانتخابات، كيف تم ذلك؟

في القطاع الخاص، كان أعوان السلطة يطوفون على أصحاب المقاهي والمحلبات وغيرهم من أصحاب المهن. هناك حرفيون تم تسجيلهم على أنهم مناديب أجراء وهم لا عِلْم لهم بذلك.

لقد اعترف لنا وزير تشغيل سابق، لن أذكر اسمه، في جلسة معه بأنه كان هناك فعلا تزوير للانتخابات المهنية. هذا التزوير كان ضحيّتَه عدد من النقابات؛ لكن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل هي أكبر ضحية.

هذا يحيلنا على مسألة استقلالية النقابات. هل النقابات العمالية، فعلا، مستقلة في قرارها؟

هناك مؤشرات موضوعية للحكم على مَدى استقلالية النقابات من عدمها، تتجلى هذه المؤشرات في طريقة التعاطي مع بعض القرارات الكبرى.. مثلا، حين جاءت لحظة الدستور المغربي، كان موقفنا، آنذاك، هو مقاطعة الدستور بالإجماع، وكنا المركزية النقابية الوحيدة التي قاطعت الدستور.

هذا لا يعني أننا نقاطع كل شيء. نحن لسنا عدميين؛ الدستور تضمَّن أشياء إيجابية لا ننكرها، لكن في المقابل لم يستجب لجملة من مطالبنا.

مثلا، طالبنا بدسترة الحوار الاجتماعي، وهذا لم يتمّ، وقد كان على المشرّع أن يفرض دسترة الحوار الاجتماعي، حتى لا يأتي رئيس حكومةٍ ويتملص منه.

نعود إلى مسألة الاستقلالية. ألا ترى أن خلود زعماء النقابات في مناصبهم يُضعف استقلاليتها؟

نحن في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ليس لدينا زعماء خالدون، الكاتب العام الحالي بالكاد أتمّ سنته الأولى في منصبه.

ولكن نوبير الأموي، الكاتب العام السابق، قضّى مدة طويلة في منصبه؟

نوبير الأموي رجل دولة، ومن العيار الثقيل جدا. هو رجل لديه مشروع مجتمعي، ولديه احترام في الداخل والخارج، وتربى في كنف الحركة الوطنية إلى جانب المهدي بنبركة وعمر بنجلون وعبد الرحيم بوعبيد وعلال الفاسي.

ولكن الديمقراطية تقتضي التغيير وعدم الخلود في المنصب؟

الدولة كانت تريد إزاحة نوبير الأموي، ووجهت إليه اتهامات في سنة 1992، بدعوى أنه سبّ الحكومة؛ لكن الحقيقة أن هذه الاتهامات وجهت إليه لأنه طالب، في تصريح، بملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم، وهو ما لم يكن أي زعيم سياسي أو نقابي يجرؤ على قولها، آنذاك.

السبب الثاني هو محطة إضراب 14 دجنبر سنة 1990، والتي كانت منعطفا حاسما، حيث كان لا بد من إجراء تعديل دستوري، وقد انبثق مطلب هذا التعديل الذي تمّ في سنة 1996، من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.

الدولة لمْ تنْسَ كل هذا للأموي، وكلما سعت إلى إزاحته كلما تشبّث به المناضلون؛ ففي سنة 1997 قد استقالته، لكنها قوبلت بالرفض من القواعد. إذن، إذا كانت الديمقراطية هي إرادة المؤتمرين، فهم الذين تمسكوا به.

قلتم، قبل قليل، إن النقابات فُرض عليها التوقيع على محضر الحوار الاجتماعي. هل معنى هذا أن التوقيع لم يُبْن على قناعة؟

النقابات بنفسها قالت إن محضر اتفاق 25 أبريل 2019 لم يتم التنصيص فيه على مجموعة من مطالب المركزيات النقابية؛ كالانضمام إلى الاتفاقية الدولية للحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي، وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في اتفاق 26 أبريل 2011... فلماذا، إذن، وقعتْ على الاتفاق طالما أنه لم يستجب لكل مطالبها؟ هذا يعني أنّ الاتفاق فُرض على المركزيات النقابية التي وقعت عليه.

على ذكر الاتفاقية الدولية للحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي.. برأيكم، ما سبب عدم انضمام المغرب إليها إلى حد الآن؟

الدولة المغربية لديها فهْم خاص لهذه الاتفاقية، علما أنه يمكن لأي دولة الانضمام إلى أي اتفاقية وتضعَ عليها تحفظات.

الدولة تقدم دفوعات من قبيل أن الاتفاقية ستتيح الانخراط في العمل النقابي للقضاة وحاملي السلاح، وغيرها من التبريرات غير المسنودة.

الانضمام إلى اتفاقية 87 رهين بالتجاذبات الجارية في كل دول العالم؛ فتارة يتقوى التيار المناصر للحقوق، كما حصل في سنة 2011، وتارة يغلب التيار النكوصي الانتكاسي الذي يقف ضد الحقوق.

في سنة 2011، اعتقدنا أن هناك إشارات للانضمام إلى الاتفاقية الدولية للحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي، بعد الحراك الذي شهده المغرب، وكانت هذه الإشارات في اتفاق 26 أبريل 2011، وقتها كانت هناك ضغوطات من المجتمع فرضت على الدولة إعطاء هذه الإشارات.

بعد ذلك، شهد العالم تراجعات في مجال حقوق الإنسان.. وعندما يكون التراجع في العالم، فإن التوجه النكوصي الذي يناهض حقوق الإنسان يتقوى، على الصعيد الداخلي، وتكون له الكلمة الأخيرة، وهذا التوجه هو الذي فرض عدم انضمام المغرب إلى اتفاقية 87.

ما رأيكم في مشروع قانون الإضراب؟

موقفنا من مشروع قانون الإضراب هو أنه مشروع نكوصي وغير حقوقي، لأنه أعدّ بعقلية تعادي الحقوق.. وإذا كانت لدى الدولة المغربية نية للانضمام إلى الاتفاقية الدولية للحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي، فإن مشروع قانون الإضراب هو ضدّ هذه الاتفاقية.

مثلا هذا المشروع يَعتبر الإضراب السياسي مرفوضا، بينما منظمة العمل الدولية تَعتبر الإضراب السياسي شكلا من الأشكال الاحتجاجية المشروعة. وهذا يضع المغرب أمام خياريْن؛ إما أن ينخرط في المنظومة الدولية كلها، أو يتركها كلها، لأن الحقوق لا تجزّأ.

كما أنه لا يَسمح للعمال بخوض إضراب بعد تأسيس المقاولة إلا بعد مرور سنة، ولكن ماذا لو لم ينفّذ المشغّل التزاماته تجاه العمال بعد مرور شهرين أو ثلاثة أشهر من بداية عملهم، أليس من حقهم أن يضربوا عن العمل؟ مشروع قانون الإضراب يتضمن أشياء غير معقولة وغير منطقية، ونفس الشيء بالنسبة لمشروع قانون النقابات.

تُوجَّه انتقادات إلى النقابات لعدم قدرتها على الضغط على الحكومة لتنفيذ مقتضيات قانون الشغل. ما ردكم على هذه الانتقادات؟

لقد خُضنا أشكالا نضالية. قمنا بمسيرات ووقفات احتجاجية، لكنّ الحكومة لا تنصت إلينا. الحكومة لا تجلس مع النقابات إلى طاولة المفاوضات إلا عندما يكون هناك ظرف إقليمي صعب، لأن الدولة تخاف من التأثيرات الخارجية.. وعندما تهدأ الأوضاع تصمّ آذانها من جديد، بل إنها تحاكم الفاعلين النقابيين من أجل تضييق الخناق عليهم، كما هو الحال بالنسبة إلى زميلنا عبد الحق حيسان.

ولكن كيف حدث هذا التحول، بعدما كانت الدولة هي التي تخاف من النقابات في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي؟

الدولة لا تخاف من النقابات ولا من الأحزاب السياسية. ما يتحكم في موازين القوى بين الطرفين هو السياق الإقليمي والدولي. حين لا تكون الدولة ديمقراطية لا تؤمن بالتماسك الوطني، الذي هو الصخرة التي تتكسر عليها المؤامرات الخارجية.

وبالعكس حين تكون الدولة ديمقراطية، وشعبُها متماسك قيادة وحكومة وقواعد، فهذا يمنحها القوة والحصانة، وهذا ما ينبغي على الدولة المغربية أن تدركه، وتتصالح مع المجتمع. وقد عبّرنا عن هذا الطموح في لقائنا مع اللجنة الاستشارية المكلفة بوضع تصور النموذج التنموي الجديد، حيث قلنا إنّ أهمّ عنصر ينقصنا في المغرب هو الثقة.