بوعياش تنتقد النفاق الاجتماعي: "الحريات الفردية أولوية للمغاربة"

بوعياش تنتقد النفاق الاجتماعي: "الحريات الفردية أولوية للمغاربة"

قالت أمينة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إن 'المذكرة التي أصدرتها المؤسسة الدستورية تم اختزالها في فصول "الحريات الفردية"، رغم أن هناك العديد من المقتضيات الأخرى المهمة"، مشيرة إلى أن "ذلك يعني أن هذا الموضوع أولوية بالنسبة للمغاربة، وسيكون حاسما في مستقبل التحالفات السياسية".

وأضافت بوعياش، في حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن "المجلس يدافع عن حرية الطبقات المسحوقة، لأن الميسورين يمارسون حميمياتهم داخل المنازل، ولا يلقى القبض عليهم نهائيا"، مسجلة أن "هدفها هو المساواة أمام القانون، وتجاوز محن العديد من الفئات التي عانت التشهير بسبب ممارستها للحرية".

إليكم نص الحوار:

بداية، أثارت المذكرة التي وجهها المجلس للبرلمان، نقاشا كبيرا في صفوف العديد من التنظيمات، هل كنتم تتوقعون أن تثير فصول المذكرة كل هذا اللغط؟

أولا المذكرة هي تكميلية للرأي الاستشاري الذي قدمه المجلس سنة 2016، ومنذ ذلك الحين عرفت الساحة مستجدات في العديد من القضايا، خصوصا فيما يتعلق بالتعذيب والحريات الفردية وتدبير الاحتجاجات، كما لا تخفى عن الجميع التحولات التي تلمس حقوق الانسان على المستوى الدولي.

هذه المستجدات هي التي فرضت التقدم بتصويات في إطار المذكرة الموجهة للبرلمان، فالنقاش الدائر حاليا بخصوص الحريات يفرض أن تكون هي أصل القانون الجنائي المرتقب، لكن مع الاحتفاظ بقواعد المحظور والمسموح ضمن تدبيرها، وبطبيعة الحال تنتهي الحرية الشخصية عندما تمس حرية الآخر.

العنصر الثالث في هذه المعادلة التي اعتمدتها المذكرة، هو فلسفة العقاب والجزاء، هل هي ناجعة ولها نتائج إيجابية، فالكثيرون يقومون بنفس الفعل، لكن لا يعاقبون، خصوصا فيما يتعلق بقضايا الحريات الفردية.

الكثيرون طرحوا مسألة المرجيعة التي اعتمدها المجلس، اتهمتم بتغييب قناعات المغاربة؟

المرجعية هي توصيات الأمم المتحدة، والحوار الوطني من أجل العدالة، استثمرنا كل هذا الزخم المعرفي وأسسنا عليه. وبالنسبة لنا فالمجلس قام فقط بتفعيل توصيات تستجيب لمستجدات الساحة، على مستوى قضايا الحريات الفردية والاجهاض والاختفاء القسري وغيرها.

منطقنا واضح في هذا الموضوع، نريد قانون جنائي يسن الحريات وليس العقاب، فمنذ 1962 أول قانون جنائي، ونحن في منظومة للعقاب أكثر من حماية الحريات.

هل ترون أن المذكرة سترفع الحرج الذي يصاب به المغرب على المستوى الدولي عند مناقشة قضايا الحريات الفردية؟

السياق الدولي هو جزء من مرجعيتنا، أخدنا بعين الاعتبار كل التوصيات الصادرة عن مختلف المؤسسات الحقوقية الدولية، وخصوصا التي وافقت عليها الحكومة، ومضينا في اتجاه تفعيل هذه التوصيات، وكذا انفتحنا على مختلف الدراسات الصادرة عن المؤسسات الوطنية. نحن لم نختلق أمورا، بل تفاعلنا مع مستجدات، وقدمنا توصيات من خلال قراءتنا للواقع المعاش بشكل يومي

بعض ردود الأفعال كانت قوية بخصوص مضامين المذكرة خصوصا من طرف حزب العدالة والتنمية، في شقها المرتبط بالحياة الشخصية، هل ترون الانتقادات الصادرة بخصوصها منطقية؟

هذه أحزاب سياسية لهم مرجعية محددة، ونحن لا نعمل وفق مرجعية تنظيم سياسي معين، بل نشتغل وفق برنامج الدفاع عن حقوق الانسان، مع احترام منطق الدستور والالتزامات الدولية للبلد.

للأسف تم حصر واختزال المذكرة في موضوع الإجهاض، بينما الموضوع أكبر من ذلك، بل والمذكرة واضحة في هذا الباب، اعتمدنا على ما جاءت به النقاشات العامة، ثم المستجدات الكبيرة. وكذا على قول الملك واعتباره الموضوع طبيا بامتياز، وقد حددته كذلك المنظمة العالمية للصحة، ضمن الخانة الطبية الصحية والاجتماعية.

المطلع على مضامين المذكرة سيكتشف أن المجلس حدد مراحل عملية الوقف الارادي للحمل، وقد أوضحنا أن العملية ليست سخيفة أو ترفا بل هي قرار يستوجب التفكير، إلى جانب هذا، فهذا الموضوع يحيلنا على العلاقات الرضائية، وفترة الخطوبة، حيث يمكن أن يكون هناك حمل خلال هذه المرحلة.

تدقيقا، وزير حقوق الانسان مصطفى الرميد قال في لقاء برلماني، إن المذكرة تخالف ما أورده الملك في قضية الإجهاض، هل يشهر الإسلاميون ورقة القصر ضد المجلس الوطني لحقوق الإنسان؟

ليس من عادتي أن أقوم بالتعليق على تصريحات المسؤولين، أدافع عن رأيي الخاص، والمشرع له ما يكفي من السلطة بأن يعتمده أو يتجاوزه، لكن هذه أمور تجري دائما في مسار التفاعل بين الحقوقي والتشريعي، فالفاعل السياسي له إشكالات أخرى يدبرها بمعية مرجيعته ومحيطه.

السؤال الحقيقي الآن بخصوص ملف الإجهاض، هو ألم يعرف المغرب حالات إجهاض كثيرة، ألا نعرض ما يقارب 800 امرأة يوميا للخطر، هل ليس من الحكمة أن نقول ما هو الحل لإنقاذ النسوة من السرية. كل شخص عليه أن يتحمل مسؤوليته إزاء هذا الموضوع.

أيام قليلة فقط قبل هذا اللقاء، أخبرت بأن هناك 24 طفل يوميا ترمى في شوارع البيضاء، هل ليسوا أبناء المغرب كي لا نحميهم. كفى من النفاق الاجتماعي، نحن في هذه المذكرة دقنا ناقوس الخطر بخصوص هذا النفاق بالذات، وطالبنا بإيقافه لأنه يخلق مآسي اجتماعية خطيرة.

العديد من القراءات تتجه نحو اعتبار المجلس لا يواجه الإسلاميين فقط، بل الفئات الشعبية كذلك، هل ترون أن هذا الأمر عقبة كذلك أمام تفعيل مذكرة المجلس؟

هذا الموضوع بالضبط يلامس الفئات ذات الدخل المحدود، شاب وشابة يلقى عليهم القبض في الشارع العام، ويتم الحكم عليهم بالسجن قانونا، بينما الفئات الأخرى لها مجالات أخرى لممارسة حميميتها. لدينا 8 في المائة من نزلاء السجن هم معتقلون بخصوص قضايا الحريات الفردية، ودون المس بالآداب العامة.

بالعكس، الديماغوجية تقول إن القانون ينتصر لفئات ضد فئات. ونحن نقول: من حق الجميع أن يمارس حقوقه وحريته الشخصية، وكفى من تضرر الفقراء، بينما الفئات الأخرى لها مجالات أخرى من أجل ممارسة حميمياتها.

يجب ألا نرهب المجتمع من هذه العلاقات العادية جدا في مسار الحياة، فلا وجود لعائلة مغربية لا تلتقي ابنتها أو ابنها مع الفتيات أو الأولاد، في السينما أو الحفلات أو غيرها، وعلى جميع الأمهات أن يضمن أنه إذا كانت الابنة تسير في الطريق رفقة زميل جامعة ألا يقبض عليهما.

في هذا الموضوع، لا يمكن المس بالآداب العامة، لأن الحقوق خاضعة للتقيد، كل شيء مقيد بالقانون، كما لا يفوتني التذكير بأننا طالبنا بطرح مراكز للتنشئة بالنسبة للجميع، فقد وصلنا في المغرب لتغيير كبير في الممارسات المجتمعية، وتطبيق قانون 1962، لم يعد ممكنا، وإلا فإننا نكرس الانتقاء والتمييز، "كاين لي كيتشد واخر ميتشدش، وأنا وباغية تا حد ميتشد". الكل متساوي أمام القانون.

كثيرة هي الانتقادات التي أوردها الحقوقيون للمذكرة، واعتبروا أن المغرب يسير بسرعتين، أولى تساند الحريات من خلال المذكرة، وأخرى تكرس الانغلاق عبر مقررات دراسية وخطب دينية؟

سرعة المجلس أكيد، لن تكون هي سرعة الفاعل السياسي، بحكم اختلاف المرجعيتين، كما أن تكتيكات الاشتغال ليست نفسها. لدينا مستجدات ووجب الإجابة عنها، بعض الفاعلين السياسيين لهم عناصر سياسية وايديولجية تخص من يصوت عليهم أو من يدعم حملاتهم الانتخابية، وبالتالي ليس من مصلحتهم الدخول في هذا النقاش.

لكن في المقابل، هل الحالات التي تابعناها مؤخرا، وتعني بالدرجة الأولى قضايا الحريات الفردية، مرتبطة بأنس لهم منظور إيديولوجي معين، الجواب هو لا، حتى من له توجهات متشددة ضبط في حالات. ما معنى هذا: الموضوع لا يمكن مناقشته إيديولوجيا، لأن الشخصي يتجاوز الإيديولوجي في هذا الباب.

لم يكن الانتماء السياسي والإيديولوجي يحد من الحريات الفردية، وإلا فالأمر يأخذ منحى الفضيحة، لأنه خرج من منطلق المواطنة، وهنا تأسفنا للتشهير الذي طال العديد من الفاعلين السياسيين خلال الفترة الماضية، وبالتالي لا بد من إنهاء هذا المشكل، وإعطاء المغاربة حرياتهم في الشارع.

مبادرات كثيرة واكبت المذكرة، لعل أنشطها "خارجة عن القانون"، هل تراهنون على تحركات الفاعلين المدنيين من أجل توسيع هامش الحريات الفردية بالمغرب؟

منذ 20 سنة، ونحن نكرس ضرورة التفاعل بين المدني والسياسي في المغرب، مدى تفاعل الطرفين بشكل إيجابي ليس مضمونا دائما، لكن هو جزء مهم في تحسين الوضع الراهن. في النهاية المشرع له الحق الكامل في أن يقول نعم أو لا، لكن بالنسبة لنا فقد قدمنا أجوبة لتساؤلات المجتمع المغربي.

لكن هذا الاهتمام بفصول مرتبطة بالحريات الفردية، هل تعني أن 11 من أصل 25 بند، غير مهمة، وهي التي ستمكننا من بناء دولة القانون، نتمنى أن يأخذ بالجدية التي نعهدها، التوصيات 11 ذات الصلة بالاعتقال وغيرها، وهذه الأهم بالنسبة لي.

ورقة المحافظة دائما ما تجيب عن مختلف المبادرات الحقوقية، هل ترين الشعب المغربي محافظا؟

المغاربة شعب محافظ على مستوى المظاهر لكن ليس على مستوى الممارسات. بل هو محب للحياة واللحظات الجميلة في الحياة، هذا هو المجتمع المغربي. أنا ألتقي العديد من الناس والجميع يريد وضعا جيدا، وحياة فيها الرفاهية والحرية.

ثانيا، الاهتمام بـ3 تعديلات تعني أن الموضوع أساسي بالنسبة للمغاربة، فهم واعون بأن 11 مقتضى جديد عادي، لكن المتعلقة بالحريات تحظى بالنقاش الحالي، لأنها أساسية، وليس العكس حيث يصورها البعض كأنها هجوم على المجلس.

سؤال أخير، هل تراهنون على البرلمان من أجل توسيع هامش الحريات، رغم أن الحزب الأغلبي، ينتمي لصف "المحافظين"؟

أتمنى من حتى الأحزاب المحافظة أن تعطي للمذكرة الوقت الكافي للقراءة، نريد قفزة حقيقية لا تعارض فيها. منذ 1962 إلى اليوم، لابد من قفزة تجسد مسار 20 سنة الأخيرة، وإلا فوقاش غانقو بالقفزة، هل سنضيع الفرصة مرة أخرى، لا يمكن تقييد الحريات الشخصية د الناس والفضاء العام يستع. وبالنسبة لي هذا الموضوع هو الذي سيفرق وسيجمع الفاعلين السياسيين مستقبلا.