منصور العور: الجامعة الذكية تتطلّع إلى إعادة هندسة التعليم العالي

منصور العور: الجامعة الذكية تتطلّع إلى إعادة هندسة التعليم العالي

يرأس الدكتور منصور العور جامعة حمدان بن محمد الذكية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي من بين المؤسسات الجامعية النادرة في العالم العربي التي تعتمد التعليم الذكي وتطمح لاستهداف أكبر عدد من الدارسين عبر العالم بطموح لا محدود.

وقد انطلقت جامعة حمدان بن محمد الذكية من دبي، حيث أسست سنة 2002، وأخذت على عاتقها نشر ثقافة الجودة والبحث العلمي من خلال التعليم الذكي، ويبرز ذلك جلياً في تخصصاتها الأكاديمية في إدارة الأعمال والجودة، والتعليم، والرعاية الصحية والبيئة.

في هذا الحوار، يقدم لنا الدكتور منصور العور نبذة عن هذه المؤسسة الجامعية التي تخرج عن المألوف في الجامعات التقليدية في مختلف دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتحجز لها مكاناً ضمن قائمة الجامعات الدولية التي تعتمد أنماطاً جديدة ومبتكرة للتعليم.

ضيفنا حاصل على دكتوراه في الرياضيات التطبيقية من جامعة ويلز بالمملكة المتحدة، وماجستير العلوم في الرياضيات التطبيقية من جامعة ميشغان بالولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس العلوم في الرياضيات من جامعة الإمارات، كما يشغل أيضاً منصب رئيس مجلس أمناء معهد اليونسكو لتقنيات المعلومات في التعليم.

صدر لمنصور العور كتب ومؤلفات عدة؛ من بينها "الطريق إلى رؤيتي"، "الجودة ومستقبل التعليم العالي"، "الإدارة الرشيدة بين النزاهة والشفافية"، وكتاب حول "السعادة المؤسسية: غاية أم وسيلة؟"، إضافة إلى سلسلة "تيسير المعرفة".

وفيما يلي نص الحوار.

هل لكم أن تحدثونا عن جامعة حمدان بن محمد الذكية في الإمارات؟

هي أول جامعة تستخدم الوسائط الإلكترونية في عملية التعلم، وهي رؤية لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

هذه الرؤية كانت الدافع وراء إطلاق هذا النمط من التعليم الذي كان أمراً جديداً في المنطقة إلى درجة أنه لم تكن لدى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الإمارات أية معايير خاصة للترخيص لهذه الجامعة على اعتبار أنها تعتمد أسلوبا غير تقليدي.

كانت الجامعة باكورة رؤية محمد بن راشد للإتيان بتعليم جديد، هذا الرجل سطر كلمات هذه الرؤية في كتاب "هذه رؤيتي" الصادر سنة 2006، حيث قال إن الاستمرار في تلقين الطلاب المعارف التقليدية بالطريقة التقليدية وفي بيئة التعليم التقليدية هو نوع جديد من الأمية لا يصلح لأي أمة تريد أن تدخل التنافسية العالمية.

هذا من حيث التاريخ، أما من حيث رؤية الجامعة، فهي تريد إعادة هندسة التعليم العالي ليس على مستوى المنطقة العربية بل على مستوى العالم.

اليوم لدى الجامعة عمر 17 سنة، وهذا في عُرف الجامعات يعد في مرحلة الطفولة، لكن لو كانت هذه الجامعة تقليدية، لكنها ذكية والعمر الافتراضي اليوم لا يقاس بالسنة بل بالسنة الشبكية التي تقاس بـ15 يوماً نتيجة التسارع التكنولوجي.

لدينا رؤية أن تغير هذه الجامعة نمط التعليم العالي بالاعتماد على أربعة محاور، فمن حيث القدرة الاستيعابية، خالفنا العرف السائدة، بحيث أصبحت ميزتنا التنافسية الأولى الاهتمام بالجودة، لأن الجودة الشاملة هي العمود الفقري لأي اقتصاد معرفي يراد له أن يزدهر. وهذا الأمر مهم لأن الجودة تمس جميع مناحي المجتمع، فهي العنوان في التعليم والصحة والخدمات والبنوك والطاقة.

الميزة الثانية تتمثل في كوننا أصبحنا اليوم بيت خبرة في عملية التعليم الإلكتروني، والتحدي في التعليم الذكي ليس في أتمتة المواد بل في أساليب التعليم، وهنا يأتي الابتكار والتجديد.

المحور الثاني في رؤيتنا كان هو التأثير، فما نراه اليوم هو أن جامعاتنا في العالم العربي لا تساهم في بناء الاقتصاد الوطني، بل على النقيض تخرج أفواجاً وأفواجاً من البطالة، والبطالة في أي اقتصاد عالمي هي دائماً رقم سلبي.

هل يمكن الحصول على حصيلة رقمية في جامعة ذكية؟

من أجل التأثير في المجتمع ابتكرنا طريقة سميناها أربعة أنماط من المتعلمين في الجامعة، وسؤالكم حول الحصيلة يركز على نمط واحد.

هذه الطريقة مثل الهرم، حيث قاعدة الهرم هي الأكبر وتضم دارسين غير منتظمين، والطبقة الثانية هم دارسون ملتزمون، والمستوى الثالث دارسون منتظمون، وأعلى وفي القمة نجد المدراء التنفيذيين.

اخترنا هذه الأنماط لأن التعليم الذكي يهيئ لعملية التعلم مدى الحياة، ولذلك لا نسمي الطالب طالباً بل دارساً، فهذه صفة تصلح لرئيس الجامعة ولطالب الجامعة ولأي كان، ولذلك فإن جامعة حمدان توفر مواد تعليمية من عمر سبع سنوات إلى عمر 99 سنة. وكلما صعدنا في الهرم تقل الأعداد، لأن التأثير يقل في المجتمع.

سؤالكم حول الحصيلة يهم الدارس المنتظم وهو السؤال التقليدي الذي يهم جميع الجامعات، وهم أصحاب البكالوريا والماستر والدكتوراه، وعدد الطلاب الحاليين لدينا يصل إلى 1100، ولدينا 13 برنامج ماستر، وخمسة برامج بكالوريوس، وثلاثة برامج دكتوراه.

هذه الأنماط من التعليم كنا نحن المبادرين إليها، وعُمداء الكليات في جامعتنا ليسوا مثل العمداء في الجامعات الأخرى، فهم مسؤولون عن الأنماط الأربعة من الدارسين، لأن أثر الجامعة لا يجب أن يكتفي على داخل أسوارها بل لا بد من التأثير على المجتمع.

إذا أردنا التنافسية يجب أن نسأل عن نسبة التعلم، بمعنى استفادة الطالب والمدرس والمجتمع المحيط، انظروا إلى البلدان المتقدمة في هذا المجال، كلها أصبحت فيها الجامعة مساهمة في بناء الاقتصاد الوطني وتثقيف المجتمع والتأثير على عقول الشباب.

المحور الثالث الذي نعتمد عليه هو الريادة، وهي تأتي عبر البحث العلمي، وهذا نعمل عليه من خلال تنظيم مؤتمر عربي سنوياً يكون فرصة للقاء الطلبة مع العلماء، وحضورهم جزء من التعلم، وهذا ما يسمى بالتعلم التشاركي.

أما المحور الرابع فكان غريباً على مسامع الناس في البداية، وهو القيمة السوقية، بحيث كان هذا الأمر مربوطاً فقط بالمنتوجات والبضائع، لكن نحن بدأنا نطرح فكرة القيمة السوقية للمعرفة التي ننتج.

تبنينا هذه المحاور وأصبحت مرجعية لأي شخص ينضم إلى هذه المؤسسة التي تريد أن تمشي على هدى قائدها صاحب السمو محمد بن راشد بالتركيز على التعليم غير التقليدي وإعطاء القيمة للدارس أكثر، ولذلك نحن الجامعة الوحيدة التي تحدد صفات الخريجين، حيث يمثل فيها التحصيل والتفوق والتميز العلمي فقط 20 في المائة من عملية المخرج، أما المخرجات الأخرى فهي تتعلق بالقدرة على التحليل والابتكار والتواصل والفضول المعرفي والوطنية وهوية الانتماء.

أطلقتم مؤخراً مبادرة لإعادة صياغة معايير التعليم، ما سياقها؟

هناك نظام لتصنيف الجامعات حول العالم، لكن للأسف الشديد نجد أن المؤسسات التي تقوم بهذا التصنيف ترعى الجانب التقليدي في التعليم العالي، مع العلم أن الجامعات الذكية لها أنماطها الإدارية والتعليمية والفكرية المختلفة.

فمثلاً يتم احتساب أعضاء هيئة التدريس والحرم الجامعي، وهي أمور تجاوزها التعليم الذكي، لذلك رأينا أنه لا يستقيم التصنيف بين الجامعات الذكية والتقليدية لأن التصور مختلف.

من أجل هذا الأمر، سعيت منذ أربع سنوات إلى التسويق لفكرة إحداث نظام تصنيف مُنصف للجامعات الذكية والمفتوحة في العالم عبر التكاثف من أجل التنافس، ولما خاطبنا مؤسسات التعليم العالي في فبراير الماضي استجاب عدد غير قليل، مثل "الكومنولث أوف لورنينغ" واتحاد الجامعات العربية والشبكة العربية لضمان الجودة في التعليم العالي ومؤسسة آسيا للتعليم الذكي والمؤسسة الأوروبية للتعليم عن بعد.

ويحق لنا أن نفتخر بأن المبادرة انطلقت من دبي وانضم إليها عدد من الجامعات من مختلف دول العالم، ونأمل في شهر فبراير أن نعطي التقرير الأول لهذه المؤسسات على أساس إصدار أول تصنيف للجامعات الذكية في فبراير 2021.

ما هي أهم مشاكل التعليم في العالم العربي؟

قيادتنا السياسية في الوطن العربي لديها طموح كبير، وفي تحليلي لواقع التعليم العالي أرى أنه لا يواكب هذا الطموح، وبأنماطنا التقليدية اليوم في التعليم العالي لا نواكب معطيات الشباب العربي الذي أصبح يتعامل مع التكنولوجيا بشكل أكبر.

تصور معي حفيدي الذي يبلغ من العمر أربع سنوات يشتغل على "الآيباد" والأنترنيت سيدخل مدرسة ويأتي معلم يمسك القلم والسبورة بدون أن يواكب سرعة فكر هذا الطفل، حينذاك كيف ستكون نظرة الطفل إلى هذا المعلم؟

لذلك أؤكد أنه في التعلم الذكي يطرح التحدي أساساً أمام القائمين على التعليم العالي وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات، وليس أمام الأطفال والطلاب، لأن التغيير يبدأ بهم أولاً. وإذا لم نبدأ بالتغيير، سنتخلف عن السباق العالمي.

نعتقد أن العبء أصبح علينا اليوم كمسؤولي جامعات لكي نلحق برؤية القيادات السياسية في الوطن العربي، لأنهم كلهم يريدون الوصول إلى تعليم متميز وتنافسي وأن يكون شبابنا العربي هو الذي يقود المسيرة.

في جامعة حمدان بن محمد الذكية نركز على تخريج رواد أعمال، وليس طلاب وظائف، وأصبحنا أمام التحدي الحقيقي التنافسي المتمثل في كم رائد أعمال تم تخريجه.

في هذا الصدد، أطلقنا ماجستير إدارة التغيير والإبداع، وحرصنا في الدفعات الماضية على أن نستقطب طلبة لا ينتمون لأسر غنية ولا موظفي حكومة، فكانت نتيجة سعينا 73 شخصاً، وقبل تخرجهم بعام كان كل واحد منهم قد حصل على رخصة تجارية، وبعد سنتين من تخرجهم طلقوا الوظيفة الحكومية، واليوم أصغر واحد فيهم يعمل على إدارة رأسمال بحوالي 20 مليون درهم إماراتي، وأعلاهم يصل إلى 380 مليون درهم إماراتي، ولذلك قرر مجلس الأمناء العمل على تخريج رواد أعمال فقط.

وكنتيجة للعمل الذي قمنا به في هذا الصدد، أصبحت تنظم لأول مرة في الإمارات معارض للوظائف يأتي إليها طلابنا الذين أصبحوا رواد أعمال لاستقطاب الطلبة كموظفين لديهم.

لذلك أؤكد أن اللحاق برؤى وطموحات قياداتنا يستوجب تسريع الخطى، لأننا في عالمنا العربي أمام تحدي نكون أو لا نكون، فصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد قال إذا أراد العرب أن نستأنف الحضارة يجب أن نجري خطوات سريعة.

ما يحتاج إليه تعليمنا اليوم هو إعادة النظر في الخطط الاستراتيجية للجامعات بروح الابتكار والإبداع في أساليب التعلم وعدم التأكيد والشغف بالماضي، لأن التكنولوجيا غيرت الأركان الأربعة التي كان يقوم عليها التعليم التقليدي وهي: الطالب والمعلم والمنهاج والبيئة التعليمية، بحيث أصبح الطالب هو القائد، والمعلم أصبح يقوم بمهمة المُيسر، مثل المدرب، أما المحتوى فهو موجود على الأنترنيت، وبالتالي فدور المعلم فيه هو الإثراء المعرفي وليس إلقاء العروض، أما البيئة التعليمية فقد تحولت إلى فضاء رقمي رحب وواسع.

إذن يمكن اعتبار التعليم الذكي مدخلاً أساسياً لإصلاح التعليم؟

نعم، مدخل أساسي لعملية الهندسة للتعليم العالي، وفي ظل الاقتصاد العالمي الحالي سيُمكن هذا الأمر الحكومات من اقتصاد المصاريف الخاصة بإنشاء البنايات وإدارة الطلبة من أجل التركيز على المهمة الأساسية وهي إدارة التعلم.

التعليم الذكي يلغي المكان ويستطيع الوصول إلى مناطق نائية، واليوم لدينا أربعون في المائة من الأمية في الوطن العربي، وإذا أردنا أن نعلم هذه الفئة من بين 500 مليون عربي نحتاج إلى أربعة قرون، لكن التعليم الذكي يسهل الأمر كثيراً، وهدفنا في جامعة حمدان أن نوصل التعليم المجاني إلى كل مواطن عربي عبر الهواتف الذكية، وما نقصده بهذا التعليم هو تكوينه كيف يبدأ عملاً أو يحصل عليه ويُكون أسرة ويعيش حياة كريمة، أليس هذا هدفاً نبيلاً؟

كلمة أخيرة

كل مؤسسة تريد أن تغير من طريقة عملها تحتاج إلى أن تنشئ مرجعية لها وقيما مؤسسية تكون بمثابة البوصلة لها. ونحن في جامعة حمدان بن محمد الذكية اخترنا خمس قيم: التركيز على الدارسين، قيادة ريادة التغيير، ريادة الأعمال عبر تجسير الفجوة بين القطاع الخاص والجامعات، الشغف بالنتائج، وتحفيز الابتكار.

وما يجب التأكيد عليه هو أن التعليم الذكي ليس سياحة صيف، بل هو أصعب من التعليم التقليدي لأن الطالب يصبح هو المسؤول عن تعلمه وليس مُدرسه، هذه ثقافة جديدة تحتاج إلى تعاضد وتآزر، وجامعة حمدان بما حظيت به من دعم من طرف الشيخ محمد بن راشد ابتداءً وانتهاء بالرئيس الأعلى للجامعة الشيخ حمدان بن محمد ولي عهد دبي، يعطينا هذا الحماس والتقدم إلى الأمام.

نحن سعداء بتواجدنا في المملكة المغربية من خلال المشاركة في مؤتمر الشبكة العربية لضمان الجودة في التعليم العالي، وأنا سعيد جداً بهذه الزيارة وشعرت بأني في بلدي الثاني تماماً منذ مقابلتي لضابط الجوازات في المطار.