العمري: "المسرح البيداغوجي" مادة تُصلح أعطاب التلاميذ المتعثرين

العمري: "المسرح البيداغوجي" مادة تُصلح أعطاب التلاميذ المتعثرين

يُعرّف أدب الطفل بأنه "ذلك المنتج الإبداعي الذي يتمظهر في أجناس أدبية وفنية وجمالية عديدة، ويضم الأنواع النثرية والشعرية والأنماط السردية والغنائية والدرامية؛ وهو ذلك التخصص الذي يتمحور حول الطفل، ويجعله محورا ومادة للدراسة والإبداع والتخييل والتشخيص والتصوير. وقد يكتبه الطفل للطفل أو يكتبه الكبار للطفل، وقد يكتبه الطفل للكبار".

هسبريس التقت بالكاتب عبد العالي العمري، وأجرت معه حوارا بخصوص واقع الكتابات والإصدارات الموجهة إلى الناشئة ودورها في تطوير المنظومة التربوية من خلال إدراج المسرح البيداغوجي كوسيلة لتحويل التلميذ المستهلك إلى متمدرس منتج ومنشغل ببناء الكفاية، وبالتالي يصبح المسرح آلية لتكوين الطفل.

لماذا اخترت هذا الصنف من الكتابة؟

في تعريفه للكتابة، قال محمود درويش: "الكتابة هي انتباه إلى جزء من أسرارنا".. وأعتقد أن اختيار القصة القصيرة أو الرواية الموجهتين إلى الطفل أملاه سياق الانتباه إلى بعض التفاصيل في طفولتي، من خلال الغوص في ثناياها على بعد عقود من الزمن. تجربة جعلتني أحتفظ بمكان هادئ بداخلي بذلك الطفل الذي كان يشاغب ويسائل ويحتار ويرتب ويبعثر ويتعجب ويحلم... وينمو عبر السفر في أغوار الكلمات التي كانت تؤثث فضاء صفحات "سندباد" و"المزمار"... سنوات السبعينيات. ذاك الطفل هو من يحرضني على اختيار هذا الصنف الأدبي.

أما المسرح المدرسي والذي أفضل تسميته بالمسرح البيداغوجي، فهو استجابة لضرورة بيداغوجية انسجاما مع مجال اشتغالنا كفاعل تربوي مطالب بتجديد صياغة السؤال التربوي الداعم لمشروع المدرسة وفق ما استجد في مجال الديداكتيك، البيداغوجيا، سيكولوجيا الطفل، علم الأعصاب Les neurosciences، الأنشطة الحس حركية، تدبير الذكاءات المتعددة والإيقاعات المختلفة.

ما هي القيمة المضافة للمسرح داخل المدرسة؟ وكيف يمكن إدراجه في البرنامج الدراسي؟

أضف إلى سؤالك إشكال مرونة الزمن المدرسي والقدرة على تدبيره بإضافة أنشطة أخرى، فأهمية هذه الأسئلة المشروعة تكمن في قدرتها على اختبار درجة استعدادنا للخروج من سجن ممارسات لم ولن تقدم أدنى عنصر إجابة إلى أسئلتنا التربوية على مر عقود من الزمن.

هذه فرصة لتوضيح نقطة أساسية: المسرح كمادة قائمة بذاتها، هو مسرح محترف يهدف إلى تقديم عرض ناجح في قاعة ممتلئة عن آخرها. وهذا رهين بجودة النص والديكور والاخراج والسينوغرافيا... ولكن كذلك وأساسا كفاءات وخبرة الممثلين ومدى امتلاكهم لخصائص التطابق مع الشخصيات المقترحة. الشيء الذي يفرض منح الأدوار وفق معيار صفات ومميزات الممثل. أما في إطار العملية التعليمية التعلمية، توزع الأدوار المسرحية وفق احتياجات المتعلم في أفق كسب مهارات وكفايات محددة، وبالتالي يصبح المسرح آلية تكوين للطفل.

يفترض في المدرسة أن تكون مرفقا ضامنا لتكافؤ الفرص، وبالتالي المسرح "البيداغوجي" لا يقيس نجاحه من خلال حرارة التصفيق في نهاية العرض؛ بل من قدرته، على المديين المتوسط والبعيد، على تمكين المتعلمين المتعثرين من إعادة صياغة علاقتهم بذواتهم وبالمدرسة خصوصا والفضاء العمومي والمعرفة عموما.

وبهذا، يمنحنا المسرح "البيداغوجي" هامشا للنجاح الممكن بصفته إمكانية سلسة لتفعيل البيداغوجيا الفارقية؛ وذلك بتنويع العرض البيداغوجي، بتنوع الأدوار، وفق احتياجات كل متعلم، وهو ما يمنح لجميع المتعلمين فرصة للنجاح.

وبخصوص إكراه الزمن المدرسي سيبقى قائما ما دمنا نعتمد مقاربة كمية. لا يمكن الاستمرار بحشو عقول المتعلمين لساعات طويلة دون انخراطهم الفعلي في بناء معارفهم، وهذا لن يتم دون منحهم متعة التحصيل في أجواء مرحة يسودها الاحترام المتبادل والتواصل الفعال الذي يمكنهم من ادراك أهمية المعرفة في الحيا.

ما تقييمك للأعمال الموجهة إلى الناشئة بالمغرب؟

مسألة الإصدارات والكتب الموجهة إلى الناشئة تحصيل حاصل لواقع الكتابة والقراءة.. إذا استثنينا الكتاب المدرسي، يمكن اعتبار الطفولة الحلقة الأضعف في جذب الاستثمار المادي والرمزي في المجال الثقافي عموما. وفي غياب إستراتيجية دقيقة للنهوض بأدب الطفل، لا يمكن الحديث إلا عن مبادرات فردية متفرقة في الزمان والمكان، غير قادرة على خلق تراكم كاف تقاس على أساسه درجة بلوغ الأهداف. وعلى قلة الاصدارات الموجهة إلى الطفل، تبقى نسب الاقتناء ضعيفة، ونسب القراءة أضعف؛ وهو ما يعني أن الكتاب يبقى مجرد ديكور في رفوف المنازل.

هنا يبرز من جديد دور المؤسسة التعليمية. لكي لا تقتصر المدرسة على إنتاج المهن التقنية، يفترض أن تعيد النظر في طرق تدريس اللغة؛ وذلك بترجيح كفة الوظيفية على كفة القواعد واستثناءاتها، إضافة إلى الانتظام في إقامة ورشات القراءة والكتابة خاصة بالناشئة، داخل أو خارج الفضاء المدرسي.

وعلى الرغم من تفاؤلنا وتثميننا لمجموعة من المبادرات داخل بعض المؤسسات التعليمية والتي تحققت بمجهود شخصي لبعض الفعاليات، وكذا مجهود وزارة الثقافة من خلال بعض مديرياتها الجهوية في تنظيم معارض لكتاب الطفل ولقاءات مباشرة مع الكتاب، يبقى المردود العام في الإصدارات الموجهة إلى الطفل لا يرقى إلى مستوى التطلعات المشروعة، بحكم أن الرهان على الناشئة هو رهان على أخصب مشتل؛ وهو رهان حجز مكان تحت شمس الغد أو الاستمرار في الحرج الحضاري، وهو أقسى وأتعس أنواع الحرج.

كيف يمكن لأدب الطفل أن يساهم في تطوير كفايات المتمدرس والمتعلم؟

من خلال المجموعة التربوية "ديداسكالي" (Didascalie)، وأمام الإشكال البيداغوجي القائم، نقدم المسرح كعنصر إجابة يمكن تحديد معالمه في الآتي:

أولا "منح المتعلم نشاطا ممتعا وجذابا يجعله ينخرط في عملية بناء معارفه وترسيخ مداركه وذلك من خلال منحه فرصة الانتقال من وضع الإرادة La volonté إلى وضع امتلاك الحافز La motivation للنجاح وكذا امتلاك روح المبادرة La proactivité

ثانيا، الانخراط في بناء التعلمات ينقل المتعلم من وظيفة التلميذ المستهلك ورقيا للمعرفة إلى وظيفة الطفل المنشغل ببناء الكفاية، أي القدرة على استعمال المعرفة، وبالتالي تأسيس الوعي بماهية المعرفة وعدم حصرها داخل أسوار المدرسة.

ثالثا، منح المتعلم آلية سلسة لتفعيل مشروع القسم الذي يبنى بطموح النجاح الجماعي، وبالتالي تجسيد أحد الأدوار الإستراتيجية المنوطة بالمؤسسة التعليمية، ألا وهو خلق الشروط الصحية لبلورة ثقافة الانتماء إلى الجماعة، وهو مبدأ قائم على القبول المبدئي للاختلاف وحسن تدبيره عبر احترام القواعد المنظمة للعلاقات.

ما رسالتك من خلال إصدارات تعنى بأدب الطفل؟

لي قناعة راسخة بأن القلم هو أنبل وأرقى أداة لأنسنة الوجود البشري. وبالنظر إلى واقع القراءة في بلادنا، لا أود الاكتفاء بوصف الوضع وإقامة المقارنات الصادمة، وإن كان هذا عنصرا من عناصر التحليل. لذا، رسالتي هي العمل على توفير شروط القراءة من خلال، أولا، توفير المكتوب المنسجم مع المشروع التربوي القائم على القيم الكونية وقيم المواطنة المستلزمة لثقافة الحوار والاختلاف. وفي سياق توفير هذا المكتوب، يجب التشجيع على الكتابة من خلال تيسير قنوات إنتاج الكتاب.

إن الوصول إلى المجتمع القارئ والمنتج للمعرفة رهين بوجود مدرسة قادرة على جس نبض تحديات المستقبل. رسالتي إلى كل الفاعلين في المجال المدرسي هي، منهجيا، القبول بمساءلة تجربة المدرسة المغربية دون تقديس حقبة معينة: ما يمكن استنتاجه في هذا الباب هو أن كل جيل يمجد مدرسته على حساب التجارب التي تلته تأسيسا على اختلالات السلوك العام ومستوى المواطنة في المرحلة الراهنة، كأننا نتحدث عن مدرستين وليست واحدة افتقدت لوتيرة التطور المفترضة، وكأن تجربة مدرسة الستينيات والسبعينيات لا دخل لها في واقع الحال المجتمعي لمغرب القرن الحادي والعشرين.

في هذا السياق، رسالتي إلى كل الفاعلين والمهووسين بالسؤال التربوي دعوة إلى الانخراط في قراءة نقدية لتجربة المدرسة المغربية في صيغتها الحديثة، قراءة لا تختصر على المستوى الديداكتيكي؛ بل تتجاوزه إلى مدى قدرة المدرسة على احتضان واستيعاب سؤال المواطنة.