حمودي: اللغة العربية وطن كبير .. وهذا رأيي في بلكبير والجابري

حمودي: اللغة العربية وطن كبير .. وهذا رأيي في بلكبير والجابري

يدعو الأنثروبولوجي عبد الله حمودي، في آخِر كُتُبِه "المسافة والتّحليل في صياغة أنثروبولوجيا عربية"، إلى صياغة "أنثروبولوجيا عربية" نافيا أن يكون في دعوته إقصاءٌ لأي لغة متداولة في المنطقة أو إقصاءٌ أي لغة مثل الفرنسية والإنجليزية؛ نظرا لأهميّتِهما الحيوية في البحث العلمي.

ويُعرّف حمودي "الأنثروبولوجيا العربية" بكونها "أنثروبولوجيا مكتوبة أو مدوّنة باللغة العربية المتداولة اليوم بين أغلبية الناس في المغرب والبلدان المغاربية والعربية الأخرى"، نافيا أن يكون لفظ العربية محيلا على قومية أو وطنية بمعنى شوفينيّ وضيّق؛ بل يرى أنّها "وطن شاسِعٌ يتمنّى أن تسكُنَ الأنثروبولوجيا أطرافَه وأن تنمو في أحضانه"، من أجل "توطين هذا الميدان المعرفي" بالمعنى الذي حدّدَه، ومحاولة "تجاوز الاقتباس البسيط الشائع في العلوم الاجتماعية العربية منذ عقود".

جريدة هسبريس الإلكترونية التقت عبد الله حمودي، أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة برنستون في الولايات المتّحدة الأمريكية الذي تقاعد منذ سنتين ولا يزال يؤطّر أطروحات الدكتوراه في الجامعة نفسها، وسألته عن معالم "الأنثروبولوجيا العربية" التي يودّ صياغتَها، وعن ما تحتاجه لتُوَطَّن في المجال المتحدّث بالعربية، واستقت رأيه في بعض الانتقادات التي وُجِّهَت إلى الأنثروبولوجيا في المغرب.

الأستاذ عبد الله حمودي، ما الأنثروبولوجيا العربية التي تتّجه نحو صياغتها في كتابك الجديد "المسافة والتّحليل"؟

في كتابي الجديد "المسافة والتّحليل"، أُدافِعُ عن تكوين أنثروبولوجيا عربية؛ لأنني أظنّ أنّنا في البدايات، بالمعنى الذي دقَّقته في المقدّمة. وهي أساسا أنثربولوجيا تكون مكتوبة باللّغة العربية، وأقول مجازا إنّ اللغة العربية وطن كبير يمكن أن يحتضن هذا العِلْمَ الجديد.

لماذا أقول اللغة العربية؟ لأن هذا يتفادى القوميّات الشوفينية، واللغة العربية في زمنِ ازدهارها الكبير، والذي لا يزال الكثير من ريحه اليوم، كان يكتُبُها العرب، والنّاس من فارِس، والأتراك، وأُناس من أقوامٍ أخرى انصهروا في النّقاش العِلمي الدّائر. وكانت اللغة العربية مُزدَهرة إلى حدود القرنَين الحادي عشر والثاني عشر، وأستسمحكَ لاستعمال التّقويم المسيحي، ولكنّه صارَ تقويمًا عصريًّا معمولًا به..

ويمكن أن نقارن اللغة العربية آنذاك بمكانة اللغة الإنجليزية اليوم، وكان من يشتغلون بالعلم في أوروبا أو الصين أو غيرِها، يرون ما كُتب بالعربية؛ لأن أقوامًا كثيرة كانت تساهم -بها-، وكانَ يكتُبُ بها المسلمُ واليهوديُّ والمسيحي، وأُناسٌ من ديانات أخرى، دون تخلِّيِهم عن دياناتهم للكتابة بها، فمثلا في قرطبة يوجَد كنيسُ موسى ابن ميمون، وقد كتبَ بالعربية وبالعبرية، وكان هذا بالنسبة له طبيعيا. وليس هو فقط، بل بناغرال أيضا في الشّعر والرياضيات، وكانوا كُثُرا، ومع مسيحيي الشّرق كذلك، والمسلمون طبعا.

وهذا هو معنى اللغة العربية التي يكتب فيها من يعتبرون أنفسَهُم عربا، وكذلك غيرُ العربِ إن راقَهُم هذا. طبعا ليس عند العربية اليوم ذلك الإشعاع الذي كان عندها، ولكنّها لا تزال لغة يتكلّم بها ما بين 250 و300 مليون من النّاس، وهذه رتبة عالية عالَميا، رغم ما يقال.

كيف يمكِنُ تكوين هؤلاء الأنثروبولوجيين الذين سيشتغلون بهذه "الأنثربولوجيا العربية"؟

هذا مشكلٌ عويص، لأن البرنامج الذي أقول به، وهذا المشروع أؤمن به ولكن أعرِفُ صعوباتِه، لأني بنفسي تكوَّنتُ هنا قليلا -في المغرب-، وبعد ذلك في فرنسا، ثم في أمريكا، والتّكوين دائم مع الاحتكاك بالجامعات واللّغات الأجنبية.

وهذا صعب لأنه توجد مواصفات أُعطيها لهذه الأنثروبولوجيا في الفصل الثاني من كتابي، في الموادّ التي يمكنها أن تدخل في التكوين، ويلزَم أن يتأهّل لها الأساتذة والشُّعَب بجدّية، وهذا لا يزال قليلا. إذن، على الناس أن تتهيّأ بتريُّث شيئا فشيئا لهذا، حتى يكون تكوين من طرف أُناسٍ يفكّرون باللغة العربية ولا يكتبون بها فقط؛ لأن للّغة العربية قوالِبَها المفاهيمية، وعندَها عالمُها الذي هوَ غيرُ عالَم الفرنسية، ومختلِفٌ عن عالَم الإنجليزية.

يلزَم أن يشعُر النّاس، حتى يتمكّنوا من هذه اللغة، بعوالِمِها، ليكونوا على قُدرَة للإبداع الفكري والعلمي فيها وبكلِماتِها وبمفرداتِها وببنيَتِها اللغوية. هذا طبعا مشروع لن يتحقّق بين اليوم وغدِه، ولكن يمكن أن تتمَّ البداية فيه في مجموعات صغيرة، ويمكِنُ أن يناقَش، ويمكن أن يدخل الجامعة، ويرى كيف يدخل للشُّعَب مع الأساتذة والعمداء، وهذا لم يتمَّ بعد؛ لأن الأنثروبولوجيا إلى حدِّ الآن كانت بضاعة مهرّبة، ولم يكن معتَرَفا بها.

أمر ثان هو أنني ألِحُّ أن تكون هذه الأنثروبولوجيا العربية المكتوبة باللغة العربية، تَتبادَلُ مع اللّغات الأخرى، ومع الأنثروبولوجيات الأخرى، لأن لكلّ لغة تقاليدها العِلميّة، ويجب أن نُرَسِّخَ التّقاليد العلمية بالعربية، ولكن في انفتاح على الآخرين، وتبادل مع اللّغات الأخرى، وفي مباراة في التّنظير مع اللغات في المجال العالمي، دون حديث فقط على الخصوصية التي عندنا، بل أريد أن يكون من تكوَّنَ قادرا على المنافسة مع من يكتُبُون بالإنجليزية، وبالفرنسية ولغاتٍ أخرى.

ولا أقول إن على الأنثروبولوجيين تعلُّم لغاتِ العالم بأكمله، ولكن عليهم، مثلا، تعلُّم الإنجليزية، وألا يعتبروا أنّهم يدافعون عن أنثروبولوجيا عربية لأن لهم خصوصية عربية وإسلامية، ولا أقول إنّه لا توجد خصوصية ولكن هذا لا ينفَع، فيجب أن يتبارَوا وينافِسوا من يكتبون عالميا.

ولكن، دائما يُطرَح موضوع التّكوين، فعندما يكوَّن أحدٌ بهذا البرنامَج الذي أقول به، وتريد أن تبعَثَهُ إلى فرنسا، أو إلى الصّين، أو إلى إنجلترا، أو أمريكا، أو إسبانيا، أو بلادٍ أخرى… للتّكميل من أجل أن يستفيد، ستكون برامجهم مختلِفَة عن البرامج التي أقترِحُها.

إذن، يلزَمُ لتكون هناك أنثروبولوجيا كما أتصوَّرُها... أن نجلس ونُناقشَ البرنامج بصفة ملموسة، ونرى ما المؤهِّلات التي يمكِنُ أن تضاف إليها، حتى إذا أردت الذّهاب إلى فرنسا أو أمريكا من أجل دراسة تكميلية أو لتحضير دكتوراه أو اختصاص، لن يقولوا لك إنّك لم تدرُس هذه المواد أو تلك، بل أن يقبلوك، رغم أنَّ في أمريكا بالخصوص انفتاحا كبيرا جدّا، بما في ذلك في شعبتي التي يدخُلُ فيها الكثير من النّاس الذين ليس عندهُم تكوين يشبِه التّكوين الأمريكي، ويأتون من الهند أو من الصين… ونقبَلهم، وأنا أُدرِّسُ هناك منذ ثلاثين سنة، ويندمجون في مجموعة دراسات الدكتوراه، ونحاول أن يكملوا تكوينَهم حتى يكونوا قادرين على المشاركة في المناقشَة، ويكونوا مثلهم مثل الطّلبة الأمريكيين..

الأستاذ حمودي في كتابكَ "المسافة والتّحليل في صياغة أنثروبولوجيا عربية" وجّهت بعض الانتقادات لتّلقي الأنثروبولوجيا في مجالنا التّداولي، وخصصت بالذّكر مجموعة من الوجوه البارزة للفكر في المغرب، ومن بينهم: الأستاذ عبد الله العروي، والأستاذ الراحل محمد عابد الجابري، وإلى حدود الآن لا تزال بعض الأصوات تنتقد الأنثروبولوجيا ولا تزال ترى فيها صدى للفكر الاستعماري، أو "أيديولوجيا مُغرِضَة" كما يقول الأستاذ عبد الصّمد بلكبير..

أوّلا، ليسَ لعبد الصّمد بلكبير مصداقية في هذا المجال، ويجب أن أرى ما الذي قدّمَه هو عِلميا وكان قويّا وصحيحا وذا جودَة، لا بحكمي بل بحكم أناسٍ آخرين أكفاء حتى يمكنه التّطاول على هذه المجالات ويبدأ في الحديث عنها، وأتابعُ بعضَ كتاباتِه لأنها لا تُهِمُّني كلّها، وليست لها مصداقيّة بالنّسبة لي.

إذا تكلّم العروي أو إذا تكلّم المرحوم الجابري، أو أُناسٌ لهم تكوينٌ صحيح -سليم-، وعندهم تفتُّحٌ وقابليّة للنّقاش، مرحبا. ولكن أن تقول لي إن أناسا من قبيل عبد الصّمد بلكبير، أو هذا الذي كتَبَ مدخلا إلى الأنثروبولوجيا وهو لم يَدْرُسِ الأنثروبولوجيا، وهو الأستاذ بوبريك الذي هو أستاذ جامعي هنا بالرباط وهو مؤرِّخ، ويمكن أن يكون قد نظَر في الموسوعات، وكتب "المدخل" الذي يكتُبُه الرّجل والمرأة اللّذان أحاطا بالميدان تقنيا، ولا يكتبُه من لم يُحِط بالميدان، ثم يُدَرِّسُه بعد ذلك للطّلبة، وهذا لا يعقل، ثم يدخل للجامعة كأستاذ للأنثروبولوجيا، وهذا لا يُعقَل. ففي هذا الكثير من الخلط.

أنا أحترم أن لكُلٍّ رأيَه، ولعبد الصّمد بلكبير الحقُّ في رأيه كما للآخرين، وأظُنّ الآن أنّي لا أهتَمُّ برأيه لأنه غير مبنيٍّ على إحاطة بالميادين.

وثانيا هناك مشكلة: "من التّاريخانية إلى الأنثروبولوجيا"، كُتُبي ومقالاتي كلُّها ترى الظّاهرة، وتحاول أن تُؤرِّخ لها، ولستُ ضدَّ التّاريخانية، بل انتقدت التّاريخانية... حتى في بعض كتابات العروي، لأنها أصبحت دوغمائية، وطبعا عندي احترامٌ تامٌّ لمجهودات الأستاذ العروي، وكلّ ما أقول إنّه في نظرته للأنثروبولوجيا، هو والأستاذ عابد الجابري، لم يحاولا أن يحيطا بالميدان قبل أن يكتبا حولَه.

ثالثا، قول إنّ في الأنثروبولوجيا صدى للاستعمار قولة قديمة، وكنت أتعرّض للانتقاد عندما كنت في الأبحاث الميدانية في البداية، في أواخر السّتينيات والسّبعينيات، وأخذت تجربتي وأظهرَت لي بأن هناك استعمالا على قاعِدَة وأسس إبستيمولوجية يعاد التّفكير بها في ذلك الرّصيد.

وهذه كانَت أقوال النّاس الذين لم يكونوا قادرين على الخروج إلى الميدان، ويبقَون جالسين في مكاتِبِهم، ويجب أن يحكموا دائما على المعارِف، وهذا في الأساس تطاوُل أو محاولة للظّهور، أو محاولة لتبوّؤ كرسي النّقد.

وكانت هناك انتقادات معروفة للأنثروبولوجيا، وأحترمها؛ ولكنّها -كانت- عن اختصاص، وعن أحقّية، ولا أقول إنّ انتقاد العروي للأنثروبولوجيا كلُّه خاطئ، بل أقول إنّه حكم عليها من زاوية بعض الكتابات التي لا تُمثِّلُ تيّارات قويّة في الأنثروبولوجيا، وأقول إنّ الأستاذ الجابري فيلسوف أحتَرِمُ كتاباته، وتعرَّفتُ عليه شخصيّا في برينستون، وأحبُّه كشخص. ولم يكلِّمني أحدٌ عندما توفّي محمد عابد الجابري، ولم يدعوني أحدٌ لأتكلَّمَ عنه، لأن الناس هنا يظنّون أنّك إذا انتقدتَ أحدا فإنَّكَ تريدُ أن تحطِّمَه. بينما أنا أنتقد باحترام النّاس الذين يحاولون المعرفة، وأنتقِدهم بصرامة وقَسوة في بعض الأحيان، عندما يتجاوزون حدودَهم، وهناك من يتطاوَلون.

هذا مفتوح للنّقاش والانتقاد، وأقبَل أن أناقش من ينتقدونني. ولكن الحديث عن الانتقال "من التاريخانية إلى الأنثروبولوجيا" كلام بسيط، وليس له معنى، لأن التاريخانية مذهبٌ في مفهوم التّاريخ، وفي مفهوم تفسير التّاريخ، وتفسير الواقع، والأنثروبولوجيا علم وفنّ مثل التاريخ، ويمكِن أن تدخُلَ فيها التّاريخانية أو لا تدخل، أو تدخُل فيها أنواعٌ من التّاريخانية كالتي أتبنّاها؛ ومن قال بالانتقال من "التاريخانية إلى الأنثروبولوجيا" غيرُ متمكّن.