حمودي: "القانون الإطار" إيجابي .. وأرفض "فَرْنَسَة" المجال العام

حمودي: "القانون الإطار" إيجابي .. وأرفض "فَرْنَسَة" المجال العام

رافقَ القانون الإطار المتعلّق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي نقاشٌ مجتمعي واسع، واتهامات أطراف من مواقع مختلفة في النّقاش اللغوي بالأدْلَجة أو الديماغوجية. وتنوّعت الآراء حول موقع اللغتين الرسميتين، العربية والأمازيغية، في منظومة التربية والتكوين، وموقع اللغات الأجنبية، خاصة الفرنسية التي تُعدّ، تقريبا، لغة المؤسّسات في المملكة، بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية بفعل واقع البحث العلمي في العالَم.

ويستمرّ النّقاش المجتمعي حول لغات التّدريس بالمغرب حتى بعد دخول هذا القانون حيِّز التّنفيذ، مع صدوره في الجريدة الرسمية، بين دعاة النّقاش المعرفي الهادئ الذي يراعي مصلحة المتعلِّمين وواقع المغرب، وبين ردود فعل تنبز قدرة، أو أحقّيّة، لغات في حدّ ذاتها في تدريس المضامين التعليمية، خاصّة العلمية منها.

وفي هذا السياق، التقت جريدة هسبريس الإلكترونية بعبد الله حمودي، أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة برنستون في الولايات المتّحدة الأمريكية الذي تقاعد قبل سنتين ولا يزال يؤطّر أطروحات الدكتوراه في الجامعة نفسها، واستقَت رأيه، في الجزء الثاني من هذا الحوار، حول مجانية التّعليم، والقانون الإطار، وشروط نجاحه في إعادة ألَقِ المدرسة العموميّة المغربية.

هل يقتصر ما سمَّيتَه بالأدلجة على بعض أفراد الجبهة أم ترى أنّ عمل الجبهة التي تتأسّست لمناهضة الفرنَسَة** مؤدلَج ولن يساهِمَ في حلّ حقيقي من أجل حِفظِ مكانة اللغة العربية؟

هذا سؤال مهمّ ويلزم أن أتكلّم فيه بتفصيل، قليلا. عندي تحفُّظٌ على عناوين كـ"فَرْنَسَة التّعليم"، وأفضِّلُ -تعبير-: اعتماد اللغة الفرنسية واللغات الأجنبية في تعليم المواد العلمية، ومفهوم التّناوب. -استعمال مفهوم- "الفرنَسة" يُصبغ عليها طابعا إثنيا، وديناميةَ برنامجِ مقصود للفرنَسة، وهذا موضع نقاش ولا أجزم.

ولكن، من يتكلّمون بمثل هذا الكلام ويكتبون أن الفرنَسَة واقع، هذا حُكمٌ على النّوايا، ويمكن أن نقول إن هذا البرنامج يمكن أن يُفضي إلى هيمنَة اللغة الفرنسية في المجالين العِلمي والثّقافي، وهذه فرضية يمكن أن تُدافِعَ عليها، ومستعدّ لنقاشها، وهي فرضية واردة.

لكن، لا أقبل تمرير الأطروحات باختيار عناوين وكلمات مثل "الفرْنَسَة". شيء آخر هو أنّ اللغة الفرنسية متداولة من طرف شرائح، أو تتناوبُ هذه الشرائح في خلط الفرنسية والعربية، وشخصيّا أحبِّذُ ألا يكون هناك خلْطٌ في الكلام… ولكن عندنا واقع تاريخي، فيه مجموعة يمكن ألا تكون كبيرة كثيرا، تَخلِطُ بينَهُما، ولا يمكن أن أقبل أن يصفها النّاس بـ"العَرْنَسَة"، ويمكن أن يأتي آخرون ويقولوا -لمن يصفون فريقا بالفرنسة- أنتم تساندون "البَعْرَبَة"، ونبدأ في سباب على هذا المنوال، وهذا غيرُ لائق.

ويقولون: انشطار في الشّخصيّة، ما هي مؤشِّرات هذا الانشطار؟ وهل هو سيكُولوجي حتى نتحدّث عن "انشطار"؟ أشتغِلُ بالعربية، ولا أتكلَّم في منزلي إلا بالدّارجة والعربية، ولا أشعر بأيِّ انشطار، وعندما أتحدَّثُ مع أُناس يعرِفون الفرنسية، أو يعرفون الفرنسية والدّارجة… ليس عندي مؤشِّرٌ على -وجود- انشطار.. فهل شققتَ عن بطنه لتعرفَ أَ هوَ مُنشَطِر؟ هذا وصفٌ ليس فيه احترامٌ للنّاس وشخصيّاتِهم.

يمكن أن أقول إنّ الكلام في المقاهي، وأماكن ركنِ السّيّارات، والمجال العمومي بالفرنسية، يُقصي غالبية المغاربة التي لا تتحدّث الفرنسية، الذين يتحدّثون بالدّارجة فقط، أو بالدّارجة واللغة العربية، أو بالأمازيغية في ألوانها المختلِفَة، وأنا ضدَّ هذا الإقصاء.

هناك جانبُ احتكار الأسواق، لأن في الفرنسيّة موضة، أو رأسمال، وهذا يمكن أن نشخّصَه، وأتّفِقُ أنّ في هذا مشكلا؛ ولكن الكلام عن انشطار الشّخصية… أنا كبِرت في بيئة ناحية قلعة السراغنة، في مناطق التقاء الجبال والسّهول، وفيها أوساط فيها لغتَان هما: الأمازيغية والدّارجة، ولم أشعر يوما بوجود انشطار، فيلِدون ويتزوَّجون ويحرثون مثل النّاس ويرسلون أبناءهم إلى المدرسة، ودرست معهم في إعدادية "سيدي رحّال"، وكانوا يقولون عن أنفسهم أنّهم عرب، لكنهم يغيِّرون -في حديثهم- بين العربية والأمازيغية، بدون أيِّ مشكل.

طبعا، يمكنك أن تقول لي إن العربية والأمازيغية قريبان من بعضهما، رغم ما قيل عن تيفيناغ… مع أنّ الفرنسية لغة الأجنبي المستَعمِر، هذا لا يمنع من أنّ النّاس، يأتيهم شيء من الخارج، مثل الدّرّاجة أو السّيّارة، ولكنَّهُم يتمكّنون منها ويعرفون كيفية استعمالها، حتى يصير استعمالا خاصّا بهِم، ولم يبقوا مثل الآلات، أو يسكنُ داخلَهم فرنسيّ، أو منشطرون.. هذا كلامٌ مبالغ فيه.

المفروض مثلا، وهنا -أستحضِر- ما حكاه لي سيِّدٌ بعد دخوله مقهى مع جماعة أصدقاء مشارقة، فلم يرُقهُم أنّ لائحة المأكولات مكتوبة بالفرنسية فقط، ومعهم حقّ، يجب أن تكون مكتوبة بالعربية، أو مكتوبة بالعربية والفرنسية.

إذن، يجب أن ينصّبَّ النّقاش، بالنسبة لك، أكثر نحو الأمور الوظيفية، لا نحو العناوين والعرائض التي قد تختفي وراءها..

(يقاطع) أمور واقعية، وأقول إنّني لست مع فرْنَسَة المجال العمومي، في النّقاش، والمقاولَات، وأقول إنّ كلّ هذا يلزم أن يكون بالعربية والأمازيغية، وفي بعض الحالات ربّما بالفرنسية، أو باللّغتَين.

أستاذ حمودي، عودة إلى موضوع "الجبهة" التي تسمّى إعلاميا "جبهة مكافحَة الفرنَسَة"**، هل سيكون لدفاعها على اللغة العربية مساهمةٌ حقيقيّة في الحفاظ على مكانتها في التّعليم، أم أنّها ستُضاف إلى مجموعة من المبادرَات الأخرى التّي تبدأ بتوقيعات وبياناتِ استنكارية وبضعة محاضرات، ثمّ تُوارى الثّرى؟

الجواب صعب على هذا... أنا مع الديمقراطية، ورغم اختلافي مع من وقّعوا وأخذوا هذه المبادرة، اختلافات مبدئية وعلمية، أقول إنّه إذا تمّ دفاعٌ ديمقراطيٌ وتدافع، فسينَمّي النّقاش العمومي، وهذا جيّد. ولكن، شريطة أن نتعلّم شروطَ المناقشَة، حتى تستمِعَ لي وأستمع لَك.

الآن ليس المنهجُ منهجَ الاستماع لبعضنا البعض، بل منهَج أقصِني وأُقصيك، بمنطق مزايدات وإقصاء وازدراء... ولستُ مرتاحا لهذا تماما… والتّدافع جيِّد، وهو أمرٌ صِحّي، وآمَل أن تأخذ المناقشَة مسارا تبادليّا، حتى تُثمِرَ شيئا. ولكن، نحن منذ أواخر الستّينات، "أنا ضدّ التّعريب"، و"أنت مع التّعريب"، وليس لهذا معنى.

عندما كنتُ طالبا في الجامعة، وكانت منظّمة طلبة المغرب كلّها يسارا آنذاك، وكان المرحوم بنهيمة الذي كان طبيبا ودرَس بالفرنسيّة، قال إنّ التّعريب بهذا الشّكل لن يكون صالِحا..

ودافعَ عن التّدريس بالفرنسية في أواسط الستّينات..

نعم، وكانت عندَه شجاعة أن قدِمَ وخطبَ في تجمُّعِ طلّابيّ كبير، وتهجّمَ عليه النّاس. ولكن بدل أن تكون هناكَ مناقشة، أقصوا أفكاره، ولم توضَع على الطّاوِلَة لتناقَش، وتُستَثمَر، ليَخرُجَ منها شيء إيجابي.

كيف تلقّيتَ موقف اليسار المغربي من موضوعِ لُغاتِ التّدريس، علما أنّ بعض المنظّمات اليسارية، وبعض الأحزاب مثل النّهج الديمقراطي عبّرت عن رفضِها له، وفدرالية اليسار، وبعض الفاعلين اليساريين هنا وهناك الذين عبّروا عن رفضهم..

تعرف أنّ أفكاري قريبة من اليسار، لكن عندي تحَفُّظ على تلك المواقِف، وتحفّظي هو الآتي: هناك مسألة أساسية، هي لغات التّدريس، والطّريقة التي يجب للجيل أن يتربّى بها في العلوم، والآداب الرّفيعة، والفكر التّحليلي الواقِعي.. والمشكل القائم اليوم يحتاجُ حلولا اليوم، ويلزم أن يدخلَ هذا في إطار التّفكير العام، في المنظومة التربوية وإصلاحِها، ومشكل التّعليم الخاصّ والمجّانية، وكلّ هذه جوانب حيوية، ولا أظنّ أنّنا سننجح إذا أجّلنا المشكلة اللغوية الملحّة اليوم، حتى يتمّ الإصلاح الشّامل للمنظومة التّربوية.

أظن أن هذا مشكل مطروح، وفيه، مع تحفّظاتي الكبيرة... حول تأهيل الأساتذة، والتّنظيم المادّي لمؤسّسات التّعليم، ولكن مع هذا القانون أظنّ أن الحكومة تخطو خطوة إيجابية، أسانِدها شريطة أن يُفتَحَ النّقاش حول كيفية التّطبيق على الواقع، وبرنامج التّطبيق، وزمَنيّة التّطبيق، ليكون محكّما؛ لأنّني ألِحُّ أنّ موقِفي هو: استراتيجيا يجب أن تتبوّأ العربيّة مكانَها السيادي الكامل، وتصبح مع الأمازيغية، هي اللغة الأساس في البحث والتّدريس، في الأفق الذي نكون فيه قد اجتهَدنا من أجل تكوُّن ذلك الرّصيد.

وأقول: إذا كان هذا القانون مأخوذا مأخذ الجِدّ، لا بدّ من أن نبدأ اليومَ في إنشاء المخابِر، التي يدخُلُها النّاس الذين يحقِّقُون العربية، والذين يكونون نساء ورجال علم يبدؤون من الآن، في تهييئ مستقبَل هذه اللغة.

مع مباركتك القانون الإطار، خصوصا في الشّقّ المتعلّق بلغات التّدريس، قد يقول البعض إنّ أقلَمة اللغة العربية مع المعجم العلمي العالَمي في العلوم الدّقيقة، والمعارف الأخرى، غير ممكنَة دون بحث فعليّ باللغة العربية خصوصا في الجامعة، فلا يمكن أن نتحدّث عن تدريسِ هذه المعارِف بلغة منذ الإعدادي والثّانوي وصولا إلى الجامعة والبحث بها، ثم نتحدّث عن تأهيل اللغة العربية في المغرب؟

سؤال جدّ وجيه، وأعيد قول إنّ العلوم التي تتكلّم عنها، يجب -معها- أن يكون التّعريب ما يزال مشتغلا دائما، مع إتاحة الوسائل، والتّمويلات، وإذا كان تناوبٌ في المضامين كلّما وصلَت مادّة جيّدة بالعربية، يجب أن تبلَّغَ للطّلبة.

ثانيا، يجب أن تُخلَق مخابِرُ ووحدَاتٌ بحثية، يُختار لها أحسن الطّلبة المتضلِّعين بالعربية والفكر العِلمي، وأن يكون شُغلُهُم الشّاغل هو البحث الجدّي باللغة العربية في تلك الموادّ. ولكن، مرحلة يجب أن تأتي، ليست هي التّدريس اليوم، ليتكوَّن الطّلبَة. وهذا هو المجال الذي أنا فيه مرحليّا مع تدريس العلوم باللغة الفرنسية، دائما مع استراتيجية الوصول إلى سيادة اللغة العربية واللغة الأمازيغية في البلاد.

لم يُثِر القانون الإطار جدلا فقط فيما يتعلّق بلغات تدريس العلوم، بل أثار جدَلا واسعا حول "المسُّ بمجّانية المدرسة العمومية"، كيف تلقّيت هذا النّقاش؟ وكيف تتفاعَلُ معَه؟

أنا مع مجانية التّعليم، والمنشود في هذا المجال هو ولوج جميع الطّبقات الاجتماعية للتّعليم، وحقهم في تعليم جيّد. هذا ممّا أسمّيه: حقوق الإنسان. وأنا مع المجّانية، في إطار مدرسة عمومية تُعطاها الأسبقية، ولا تبقى "مسيّبة"، أي مرميّة بشكل سائب، وتحتاج التّمويل والعناية وتكوين الأساتذة والتّفتيش الصّحيح ومحاربة الفساد داخلها، لأن فيها فسادا وليس الفسادُ في المقاولات فقط.

أنا مع مجانية التّعليم، والإصلاح الصّارم للمنظومة التربوية، والضّرب على أيدِ المفسِدين في ذلك القطاع كيفما كان نوعُهُم. ويمكن أن تقول الوزارة أو الدّولة إنّ تمويل ميزانية التّعليم يفوق كلّ ميزانيات، ومع ذلك مردوديّتها ضعيفة. ويوجد فكر أُحّبِّذُه: إذا كان النّاس يشاركون ماديا، بالمال، يمكن أن يحافظوا على تلكَ المادّة، مثلا، خبرتي في الرّي عندما كنت في معهد الزّراعة، كان النّاس عندما تأتي السّواقي يضيِّعون الماء، وقلنا إذا بدؤوا في أداء مقابل عنه، سيَقتصدون.

إذن، يوجد هذا المنظور الواقعي، فمن لا يشارك مادّيا في المدرسة، لن يعلِّمَ ابنه ألا يكسّرَ النّوافذ، ويحافظ على الطّاولات، والآلات… وهذا تفكير وارد، حَسَبَ ما يظهر لي، ولكن شريطة أن يكون إحصاء يحدّد أن من لهم دخل من مستوى معيّن، فيكون عليهم تأدية اثنين أو عشرة في المائة -من قيمة استفادة أبنائهم من المدرسة-... لكن دون إسقاط ذلك على الطّبقات المتوسّطة، والطّبقات الفقيرة، لأن مجانية التعليم بالنسبة لي مبدأ من حقوق المغاربة والمغربيّات.

ولكن مع مجّانية التعليم، يلزَم أن يخضَع القطاع الخاصّ لتنظيم صارم، وللمراقبَة، لأنه استأسد على النّاس الآن، وفي كثير من المؤسسات يدفع النّاس مبالغ باهظة فوق قدرتهم، ولا يُحصّل أبناؤهم تعليما فائقا من حيث الجودة، في قطاع للمضاربات، دون أن أقول إن كلّ التّعليم الخاصّ كذلك.

ويجب أن تكون هناك قوانين، ومراقبة للتعليم الخاصّ، أو يجب أن يخضع التّعليم الخاصّ لأشياء جيِّدَة ظهرت في التّعليم العمومي، وإذا كان للتعليم الخاصّ مستوى جيّد، فيجب أن نسهر على التّعليم العمومي حتى يصِلَ إلى ذلك المستوى في التكوين؛ لأن تكوين التّلاميذ والطّلبة هي العملة الصّعبة التي نتوفّر عليها بالمغرب، وهي المستقبَل.

المُنطلَق الأساسي لنقاش إصلاح التعليم ولغات التّدريس، في إطار "القانون الإطار"، هو أنّ المدرسة العمومية المغربية لا تخرِّجُ أطرا إلا استثناء، والمدرسة الخاصّة تشكّل "فرصة". مع صدور القانون الإطار في الجريدة الرّسمية، ودخوله حيِّزَ النّفاذ، هل سيساهم في نظرك في الحدّ من هذه التّفاوتات بين هذين التَّعليمَين، وإعادة إنتاج نفس المشاكل والفشل في المدرسة العمومية التي تمّ الحديث عنها لعقود؟

قلتُ لكَ في البداية، إنّ التّفاوُتات نسبيّة في حالات كثيرة، ويمكن في بعض الحالات أن يكون التّفاوُتُ وهميّا فقط. وألّحُّ على هذا أوّلا.

ثانيا، إذا كان التّنظيم الصّارم، والمراقبة، وحُسن النيّة، وتتبّع الأشياء؛ لأن المشكل في المغرب هو أنّ النّاس تقوم بمشاريع، وبعد سنتَين لا يُتابعونَها، ويجب تتبّعها، ومراقبتها، وترميم ما قد يكون غير صالِح فيها أو إذا ظهر مع الوقت عجزُها، والتتبّع يتطلّب التّمويلات، ويتطلّب تكوين الناس الذين يسهرون على هذا، والضّرب على أيد المفسدين، ويوجد فساد في التّنقيط، ومحسوبية في الامتحانات، يوجد فسادٌ ورشاوِ وأشياءُ لا تُطاق. يلزم الضّرب على أيد المفسِدين في ذلك القِطاع، والسّهر على الإصلاح.

وليس عندي أي شعور، بأنّ ذلك الإصلاح لن يقلّص الهوّة بين التّعليم الخصوصيّ الجيّد والتعليم العمومي الجيّد، وأقول، دون أن يقال لي إنّي فرنكفوني لأني لا أؤمن بذلك الكلام، وأقول إن عندي خبرة تجريبية في المدرسة الفرنسية، كما كانت إلى حدود الستينات والسبعينات، وعندي بعض الخبرة في المدرسة الألمانية لدراسَتي بضع سنوات في معاهد ألمانية مختلفة… وكانت عندي شيئا ما تجربة في بريطانيا وأمريكا، وكنت أُحضِرُ أبنائي ليتعلَّموا هنا -بالمغرب- كلَّ عام ولكنّي قاطن هناك -بأمريكا- فدرسوا في المدرسة الأمريكية… وانطلاقا من خبرتي، دون أن أقول إنّي درستُ هذا عِلميا، في الستّينات والسبعينات كان التّعليم العمومي في فرنسا أحسن من التّعليم الخاصّ، أو يضاهيه على الأقلّ. وكان الأساتذة يُبرَّزُون للتّدريس في الثانويات، وفي ما بعد أصبح "التّبريز" يدخلُكَ الجامعة.

في أيّام فرنسا، دون أن أحنّ إلى أيّامِها، درست في السّنوات الأولى للاستقلال فيما كان يسمّى "كوليج سيدي بن يوسف"، الذي يسمّى الآن "ثانوية محمّد بن يوسف"، وبعد ذلكَ "ثانوية بن عبّاد" التي كان لها إسم فرنسي فيما قبل، وكان يدرّسنا في بعض المواد أساتذةٌ فرنسيّون مبرّزون، في الثّانوي، جلبتهُم فرنسا فيما بعد إلى الجامعة، إذن كان التّعليم الثانوي والتّعليم الابتدائي، يُجلَب إليهما من عندَهم القدرات القويّة، وكان لهم الاحترام المُجتمَعيّ، والاحترام الإداري، وكان يُشاد بمكانتهم في المجتمع.

بعد ذلك، تغَيّرَت الأشياء. أقول إن التّعليم العمومي، إذا كان التّأهيل والجدّية، لا يوجد شيء يمنعه من الوصول إلى القِمّة.

رجوعا إلى هذه الفكرة المهمّة، ما الذي حدث حتّى وقَعَ هذا التّفاوت، ولم تبق للمدرسة العمومية المغربية القيمة التي كانت لها؟

في فرنسا والدّول الأخرى قد يطول الكلام… ولكن ما حدَث في المغرب، هو ما حدث في الكثير من البلدان بعد القضاء على الاستعمار، كانت الحاجيات كبيرة، وكان لا بدّ من تلبيتها في وقت وجيز، مع نموّ ديمغرافي خارق، فكنّا اثني عشر مليونا عندما كنتُ أدرُس، والآن نحن أربعون أو خمسة وأربعون مليونا، أو لا أدري كم… ورغم ذلك لسنا وطنا مُصنّعا، وليست -للمغرب- الإمكانيات، أو صناعة قوية تنتج المال، رغم تقدّمه طبعا في كثير من المجالات، تبقى الإمكانات رغم ذلك محدودة، مع الاعتماد على الإقراض والإعانات الدوليّين. ويجب أن يطرح المشكل في هذا -السياق-.

وجانبٌ ثان هو سوء التّدبير والبرامج، وخطط التّنمية التي كان فيها خلَل، واعتُرِف رسميّا الآن بفشل النّموذَج التّنموي. ولكن الفشل في التعليم، ونموذج تنميته، بدت بوادره من قبل، وكان يمكن النّقاش العميق والعلَني حوله، لا التستّرات واحتكارات الرأي. ولا يمنع كون الحكومة تتكوّن من أحزاب وأُناس قريبين من الدّولة، من أن يكون نقاش في المسائل المصيرية، علنيا، وموسّعا، وباحترام متبادل، لنجد الحلول.

هذا هو الإشكال: وَقَعَتْ في المدرسة العمومية تفرقة وإهمال كبيران، ولا مبالاة، حتى أصبحت مساحاتِ ونوعا من "الحضانة الرّخيصة"، دون أن أقول طبعا إنّها كلّها كذلك، وأشيدُ بطبقة المعلّمين والمعلّمات والأساتذة الذين يبذلون قصارى جهدهم، ولا يمكن التّعميم على كلّ المدارس والحكومات.

ولكن في الغالب، وقع شبهُ إهمال، وتعدّد في المخطّطات، فيجمع كلّ وزير من حزب من الأحزاب أناسا يسمّيهم لجنة، ويسطّرون إستراتيجية، ويأتي وزير آخر ولم تطبَق بعد لسنة أو سنتين حتى تُرى نتائجها، ويعيد القيام بدراسات، والبحث عن مقاولة للدّراسات أجنبية أو مغربية… وإنجاز ملفّات تُنسى بعد ذلك. حتى أصبح المسؤولون أنفسهم والأكاديميون مثلي تائهين داخل تلك الملفّات، دون أن يعرفوا ما الخطوات التي أُنجِزَت وما الخطوات التي لم تُنجَز. ووقع هدرٌ للتّمويلات، وتطبيقات جزئية، وتكرار، ومزايدات، ويجب وضع حدّ لهذا.

الآن مع القانون الإطار، الذي له طابع جَبري، وصدر في الجريدة الرّسمية.. هل يمكن معه تجاوز مشاكلِ أو إعادة الألق للمدرسة المغربية؟

لا يمكن أن أجيب عن هذا السّؤال...

(مقاطعا) انطلاقا من العناصر التي تظهر الآن، من نصّ القانون الإطار، والنّقاش المجتمعي الدّائر..

إذا كانت هناك إرادات واقعيّة ملموسة، وتتبّعٌ يومي، وإذا أخذت الحكومة بعدما أخرَجَت القانون الإطار، القرارات والتّنظيمات المؤسّساتية، ليكون تتبّع، وتقييم، مرحلة بمرحلة. وأن لا تكون لجان التّقييم من الأحزاب فقط، أو من طرف المؤسَّسة الملكيّة، أو غيرها، بل يجب أن تكون لجان تقييم على أساس الكفاءات، وأن تنظَّمَ المناقشة باحترام، لا بـ"السياسويات".

إذا كانت الأشياء ستتمّ بهذا الشّكل على مدى سنين، وليس غدا فقط، يمكن أن تكون نتيجة.

إلى حدّ الآن، لا تعطيني تجربتي مؤشّرا بأنّ واقع هذه التّجربة سيكون مختلفا عن واقع التّجارب الأخرى التي مرَرنا منها، ولا يقول هذا إنّ هذه التّجربة والقانون الإطار ليسا إيجابيَين؛ فقد قلتُ لك أنا مع القانون الإطار، ولكن يلزم أن تَظهر مؤشرات تنظيم جديد للعمل، والتّفتيش، والمراقبة والتّقييم، وألا يكون هذا الأخير من الحكومة فقط، بل من الكفاءات، وأن ينفتح على الحساسيات السياسية كلِّها، فلا يمكن أن أقصي غدا لجنة فؤاد بوعلي أو مولاي امحمّد الخليفة..

فيجب أن ننادي على أناس من عندهم وتكون المناقشة حرّة، ليشمل النّقاش جميع الحساسيات، ولا نكون دائما في لجان فئوية، أو يكون رئيس اللجنة دائما من المؤسّسة الملَكية، مستشارا كان أو غير هذا دون أن يقصى المستشارون الملكيّون. ولكن يجب أن يكون رجال ونساء من جانب المؤسّسة الملكية أو الأحزاب، مشهود لهم بالنّزاهة العلمية، وقابليّتهم للنّقاش مع الآخرين، مع احتفاظِهم بإيديولوجيّاتهم، وانتماءاتِهم الحزبية، لأن من الطبيعي أن تكون للنّاس انتماءات حزبية وإيديولوجِية، وشعور دينيّ أو أخلاقيّ أو غير ذلك.

*على هامش الحوار، أكّد الأنثرُبولوجي عبد الله حمودي ثلاث نقاط، طلب إيرادَها مع نصّه:

-أنه مع التّناوُب اللُغَوي، ومع حريّة الطّلبة في اختيار من يريد البقاء في القسم العربي، أو لا، دون حذف القسم العربي في تدريس العلوم بالإعدادي والثانوي.

- عدد اللغات، التي وصلت أربعا، كثير جدا، في هذه المسائل التقنية. والأساس هو العربية والفرنسية، على أن تدخل الإنجليزية في وقت لاحق، وبعد الباكالوريا يمكن أن تبقى موادّ بالإنجليزية في سلك الإجازة. مضيفا أنّ ما يهمّهُ استراتيجيا هو أن تبقى العربية مع الأمازيغية في آخر المطاف، مع السيادة للعربية. مع تطبيق البرنامج المرحلي الذي تحدّث عنه لتبقى العلوم في مستوى عالِ، ويتخرّجَ أناسٌ قادرون على تطوير العربية نفسِها في العلوم، داخل المخابِر المشتغلة بتأهيلِها، بوتيرة مرتفعة وصارمة في البحث والتّعليم، ليرتفع رصيد اللغة العربية، وتكون في وقت من الأوقات، مع الأمازيغية التي ألحّ على كونها لغة رسمية، لغة تدريس الموادّ كلّها.

- أعجبه موقف اللّساني عبد القادر الفاسي الفهري، في موضوع لغات التّدريس، مع تسجيله اختلافَهُ معه حول الإنجليزية التي يجب أن تكون لغة تدريس بشكل تدريجي؛ لأن الفرنسية، توجد، في مجالات كثيرة، والانتقال الفُجائي، سيزعزِعُ كلِ شيء.

** نفى اللّساني عبد القادر الفاسي الفهري، في تصريح تلى الحوار مع الأنثربولوجي عبد الله حمودي، أن تكون المبادرة كما تُقدَّم "جبهة ضدّ الفرنسية"؛ لأنها مبادرة من أجل حضور اللغة العربية بصفة معقولة، ومن أجل سياسة لُغَويّة معقولة، وتعدّدية، وحضور اللسان الأمازيغي، واللغات الأجنبية التي هي أوّلا الإنجليزية، وثانيا الفرنسية، بصفة معقولة.