أمزازي: التكوين المهني يحتاج التأهيل .. و"ملاءمة السوق" هدف

أمزازي: التكوين المهني يحتاج التأهيل .. و"ملاءمة السوق" هدف

قال سعيد أمزازي، وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، إن قطاع التكوين المهني تنتظره تأهيلات عدة بغية تماشيه مع متطلبات سوق الشغل، مشيرا إلى ضرورة تطوير وتحديث الطرائق البيداغوجية وتحسين قابلية تشغيل الشباب عبر مجموعة من البرامج والتكوينات التأهيلية قصيرة المدى، وإحداث جيل جديد من مراكز التكوين المهني من خلال إنشاء مدن المهن والكفاءات.

وأضاف أمزازي، في حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن "الوزارة عازمة على تشييد مراكز تكوين متعددة الأقطاب والتخصصات بكل جهة من جهات المملكة"، مشددا على أن "مدن المهن تضم قطاعات وتكوينات مختلفة تستجيب لخصوصيات وإمكانيات كل جهة: المهن المرتبطة بمجالات الأنشطة الداعمة للمنظومة البيئية الاقتصادية التي سيتم إنشاؤها بكل جهة، مهن المستقبل في المجال الرقمي وترحيل الخدمات (إحداث التكوينات المتعلقة بها في جميع جهات المملكة).

إليكم نص الحوار:

تطرق الخطاب الملكي الأخير بإسهاب لضرورة تأهيل قطاع التكوين المهني، وبدون شك وزارة التربية الوطنية معنية بشكل كبير بمضمون حديث الملك، كيف تتصورون قطاع التكوين بعد الخطاب الملكي؟

كما تابعنا جميعا فإن مضامين الخطاب الملكي الذي وجهه الملك محمد السادس، بمناسبة الذكرى السادسة والستين لثورة الملك والشعب، جاء بتوجيهات رامية إلى بلورة نموذج تنموي جديد بطابع مغربي- مغربي؛ كما أولى أهمية خاصة للتكوين المهني على غرار العديد من الخطب السابقة، إذ ما فتئ الملك يولي أهمية للنهوض بالرأسمال البشري باعتباره الثروة الحقيقية التي تزخر بها بلادنا.

التكوين المهني يضطلع بأدوار مهمة في مواكبة ومصاحبة مختلف الأوراش المفتوحة والإستراتيجيات القطاعية، لتلبية حاجياتها من الكفاءات والموارد البشرية المؤهلة والقادرة على مواكبة التطورات والتغيرات المتسارعة التي يشهدها النسيج الاقتصادي بفعل التطور التكنولوجي الذي يسم الثورة الصناعية الرابعة.

ولتمكين منظومة التكوين المهني من لعب الدور المنوط بها، حظيت هذه المنظومة بشرف التتبع المباشر من الملك الذي تفضل بترؤس الجلسات الخاصة بتأهيل هذه المنظومة، والتي توجت بتقديم خارطة الطريق الجديدة لتطوير التكوين المهني بتاريخ 4 أبريل 2019 بين يدي الملك.

ومن هذا المنطلق، فإن النهوض بمنظومة التكوين المهني تنفيذا للتوجيهات الملكية التي تضمنها الخطاب الملكي بتاريخ 20 غشت 2019 يتوقف على أجرأة خارطة الطريق من أجل بلوغ الأهداف التي رسمتها، والتي تتمثل في: تأهيل قطاع التكوين المهني وإعادة هيكلة شعبه تماشيا مع متطلبات سوق الشغل؛ فضلا عن تطوير وتحديث الطرائق البيداغوجية وتحسين قابلية تشغيل الشباب عبر مجموعة من البرامج والتكوينات التأهيلية قصيرة المدى، وإحداث جيل جديد من مراكز التكوين المهني من خلال إنشاء مدن المهن والكفاءات، متعددة الأقطاب والتخصصات، بكل جهة من جهات المملكة..ثم تجهيز مدن المهن والكفاءات ببنيات خاصة، مثل وحدات الإنتاج البيداغوجية ومراكز المحاكاة والفضاءات التكنولوجية من أجل توفير الفضاء المهني التقني والتكنولوجي لاكتساب المهارات وتنمية الكفاءات اللازمة للممارسة الفعلية للمهن، وإعمال مبدأ التعاضد وترشيد الموارد المشتركة لتدبير البنيات الجديدة (المسطحات الرقمية، مراكز اللغات، مراكز التأهيل للمهن، المكتبات الوسائطية، الداخليات والملاعب الرياضية).

ألا ترى أن مؤسسات التكوين المهني تحتاج إلى هيكلة جديدة لتتمكن من لعب أدوار مهمة في علاقتها بالطلاب الذين يدرسون ضمنها، وكذلك في ربطها جيدا بسوق الشغل والوظائف المتاحة؟..

من الضروري إعادة هيكلة مؤسسات التكوين المهني القائمة بغية إدراجها ضمن الجيل الجديد من المراكز لتصنيفها كنماذج حقيقية وناجعة، من خلال تطوير البنيات الموجودة حاليا في إطار شمولي يقوم على إعادة النظر في التكوينات التي تقدمها، وتزويدها بالتجهيزات والمعدات التقنية والبيداغوجية الضرورية.

ومن المؤكد أن تجربة مدن المهن والكفاءات ستضفي الجودة المطلوبة على منظومة التكوين المهني، لتجعل منه خيارا راسخا مبنيا على مشروع مهني شخصي، سيتم إرساء آلياته في إطار منظومة مندمجة وناجعة للتوجيه المبكر.

وستتسم هذه المدن بحكامة ناجعة من خلال إقرار مجلس إداري ثلاثي التركيبة يكون خاصا بكل مدينة، يتألف من ممثلي الدولة والجهة والمهنيين الجهويين، وهذا أمر يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى الأدوار التي ستقوم بها الجهات في مجال التكوين المهني وجعل المقاولة في صلب نظام التكوين المهني وتكريسها كفضاء متميز للتكوين؛ وذلك من خلال إشراك أوسع للمهنيين في مختلف مراحل مسلسل التكوين، باعتماد سياسة شراكة تتسم بالدينامية والتجدد بين القطاعين العام والخاص.

كيف ستشتغل مدن الكفاءات مستقبلا، وما طبيعة الإضافة التي ستقدمها لقطاع التكوين المهني بالمغرب؟

تجدر الإشارة إلى أن مدن المهن والكفاءات تضم قطاعات وتكوينات مختلفة تستجيب لخصوصيات وإمكانيات كل جهة: المهن المرتبطة بمجالات الأنشطة الداعمة للمنظومة البيئية الاقتصادية التي سيتم إنشاؤها بكل جهة، مهن المستقبل في المجال الرقمي وترحيل الخدمات (إحداث التكوينات المتعلقة بها في جميع جهات المملكة)؛ فضلا عن كونها ستوفر التكوين في مجال الذكاء الاصطناعي، وكذا استقبال وتطوير جميع البرامج المخصصة للشباب العاملين في القطاع غير المهيكل لتعزيز مهاراتهم التقنية والعرضانية لتحسين قابلية التشغيل، خاصة في اللغات لتمكينهم من الاندماج في القطاع المهيكل.

ويبقى ولوج التكوين المهني مفتوحا أمام جميع الشباب بالوسطين الحضري وشبه الحضري والوسط القروي المستوفين للشروط المنصوص عليها في قانون الولوج إلى نظام التكوين المهن؛ كما تعمل الوزارة على إحداث المعهد الوطني لتكوين المديرين والمكونين والأوصياء بمدينة تامسنا.

وبالنسبة للعالم القروي.. يشتكي المغاربة كثيرا من عدم فتح نفس فرص المدن أمام سكان القرى، هل من سبيل لتدارك التفاوت القائم بين المجالين؟

يتوفر جهاز التكوين المهني بالعالم القروي على 61 مؤسسة، ضمنها 49 مؤسسة تابعة لقطاع الفلاحة، و12 مؤسسة تابعة لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، حيث توفر التكوين في عدة شعب لها ارتباط بالمجال الفلاحي، أهمها "تربية الدواجن وتربية الأبقار والأغنام والماعز والزراعات الكبرى، والكهروميكانيك والهندسة القروية وإصلاح الآلات ذات المحرك، الآلات الفلاحية، البستنة والمجالات الخضراء والتشجير وتسيير المقاولات الفلاحية".

وتجدر الإشارة إلى أنه إضافة إلى التكوين بالمؤسسات المتواجدة بالوسط القروي، يستفيد شباب هذا الوسط من خدمات مؤسسات التكوين المهني المتواجدة بالمدن والمدارات الحضرية ومن الداخليات المتواجدة بها، والتي تبلغ طاقتها الإيوائية 18.003 أسرة، حيث تعطى الأسبقية للمتدربين الوافدين عليها من المناطق النائية.

وسعيا وراء تغطية حاجيات المناطق القروية من اليد العاملة المؤهلة، تم كذلك اعتماد التكوين بالوحدات المتنقلة (25 وحدة متنقلة) التي توفر التكوين في ميادين ميكانيك الصيانة والميكانيك الفلاحية وميكانيك المحركات ذات الدورتين، وميكانيك وكهرباء السيارات وكهرباء الصيانة والبناء والمطالة والقصدرة وإصلاح الراديو والتلفزة وإصلاح التجهيزات المنزلية والنجارة المعدنية ونجارة الخشب، والفصالة والخياطة، والترصيص الصحي وإعلاميات المكتب وصناعة الخزف.

وتشتغل هذه الوحدات وفق جدول زمني تتم صياغته وفق الطلبات المقدمة من طرف الجماعات القروية المعنية، وهي في تنقل مستمر طوال السنة عبر ربوع المملكة.

كما تعمل الوزارة على تنمية التكوين بالتدرج المهني بالمناطق القروية وشبه الحضرية، حيث تم إبرام عدة اتفاقيات إطار للتكوين بالتدرج المهني مع قطاع الفلاحة.

وتبتغي الوزارة تنمية الشراكة مع الفاعلين في قطاع الفلاحة لتعزيز دور الجمعيات في ميدان التكوين بالتدرج المهني، إذ تم التوقيع على اتفاقية إطار مع الاتحاد الوطني لجمعيات الدور العائلية القروية من أجل المساهمة في التكوين بالتدرج المهني.

في هذا الصدد دائما، يشتكي المتمدرسون بالتكوين المهني في القرى من ضعف التجهيزات التي توفر لهم على مستوى المؤسسات، هل من سبل لتصحيح الأمر؟

تم التوقيع على اتفاقيات تنفيذية مع عدة دور عائلية قروية لما تتوفر عليه هذه الدور من فضاءات للتكوين ومن وسائل تقنية وبيداغوجية وموارد بشرية تتم تعبئتها للمساهمة في إنجاز برامج التدرج المهني. كما أن نظام التكوين بجمعيات الدور العائلية القروية يوفر الإيواء والمطعمة للمتدرجات والمتدرجين.

ومن جهة أخرى، يتم التكوين بالتدرج المهني بست وعشرين (26) مؤسسة بالعالم القروي، منها سبع مؤسسات (7) مراكز تم بناؤها من طرف الوزارة بكل من إمزورن بالحسيمة وتاوريرت وخميس الزمامرة وتانانت بإقليم أزيلال وقلعة مكونة والفقيه بنصالح وسيدي علال التازي، حيث يتم التكوين في عدة شعب لها ارتباط بالمجال الفلاحي.

وفي إطار تفعيل خارطة الطريق الجديدة لتطوير التكوين المهني، تعمل الوزارة حاليا، بتشاور وتنسيق مع جميع المتدخلين، على إحداث قرية للتكوين بالتدرج المهني بالوسط القروي في كل جهة من جهات المملكة، وذلك بشراكة مع الجماعات الترابية ومجالس الجهات، بهدف تكوين الشباب وإعادة إدماجهم الاجتماعي والمهني. وستتميز هذه المؤسسات بمقاربتها البيداغوجية والتكوينية التي تجمع بين التكوين العام والتكوين المهني تماشيا مع الحاجيات الحقيقية من الكفاءات واليد العاملة المؤهلة.

وستفتتح هذه المراكز في وجه الشباب، سواء منهم المتدرجون أو في مرحلة ما قبل التدرج المهني أو المتدربون في إطار التكوين المستمر أو في طور التصديق على مكتسبات التجربة المهنية.

إن خارطة الطريق الخاصة بتطوير التكوين المهني تشكل نقلة نوعية في مسار التراكمات التي عرفها التكوين المهني بالمغرب عبر مختلف الإصلاحات، ذلك أنها خارطة تقدم الإجابات القابلة للتطبيق حول إشكالية الملاءمة بين مخرجات التكوين ومتطلبات سوق الشغل، وهي الإشكالية التي أولاها الملك محمد السادس أهمية بالغة من منطلق حرصه الشديد على تحسين قابلية تشغيل الشباب من جهة، وتعزيز تنافسية النسيج الاقتصادي الوطني من جهة ثانية.

احتلت العدالة المجالية حيزا مهما من الخطاب الملكي الأخير، فالفوارق واضحة بين مختلف المجالات، كيف ستحل هذه المعضلة في منظومة التربية والتكوين؟

الملك يولي أهمية خاصة لمسألة العدالة المجالية، وهو ما جدد التأكيد عليه في خطاب 20 غشت؛ الذي تناول فيه بشكل خاص قضية تجديد النموذج التنموي، حيث أكد أن الهدف من النموذج التنموي الجديد، ومن المشاريع والبرامج التي أطلقها جلالته، هو تقدم المغرب، وتحسين ظروف عيش المواطنين، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية.

وعلى مستوى منظومة التربية والتكوين، يمكن أن أقول لكم إن العدالة المجالية تحظى بأهمية خاصة باعتبارها مكونا مركزيا من مكونات السياسة التعليمية؛ بحيث أصبحت العدالة التربوية المجالية مبدأ موجها للسياسة التربوية في شقها المتعلق بولوج التعليم ونشر التربية، وذلك من خلال العمل على تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص في الاستفادة من التمدرس، من أجل تمكين مختلف مناطق المملكة المغربية من الاستفادة من التعليم بفرص متساوية بصرف النظر عن طبيعتها الجغرافية وخصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية.

وقد تعززت المجهودات المبذولة في مجال تحقيق العدالة التربوية المجالية مع الرؤية الإستراتيجية 2015 2030، التي تعتبر الإطار الإستراتيجي طويل المدى للمنظومة التعليمية، والتي خصصت فصلا كاملا من بين فصولها الأربعة لإرساء مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص، وفق مبدأ موجه يقوم على تحقيق المساواة في ولوج التربية والتكوين، والقضاء على التفاوتات بمختلف أنواعها، مع تخويل تمييز إيجابي لفائدة الأوساط القروية شبه الحضرية والمناطق ذات الخصاص.

ومن الأهداف والتدابير التي تعمل المنظومة من خلالها، بشكل فعلي وعملي، على تحقيق العدالة التربوية المجالية، أذكر تحقيق هدف الولوج التام للتعليم، لاسيما في التعليم الإلزامي بالنسبة للفئة العمرية من 4 إلى 15 سنة، دون أي شكل من أشكال التمييز، بما في ذلك بسبب الانتماء الاجتماعي أو المجالي، انسجاما مع مسؤولية الدولة في تعميم التعليم وإلزاميته.

فضلا عن تعميم التعليم الأولي بمواصفات الجودة على نحو منصف بالنسبة لجميع الأطفال المغاربة، بالوسطين الحضري والقروي، البالغين سن التعليم الأولي، ثم تعزيز وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي، وخاصة لفائدة أطفال الوسط القروي والمناطق الهشة، لكي لا يكون الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأسر عائقا أمام تمدرس أبنائها، وهي البرامج التي تم العمل على إعطائها دفعة قوية هذه السنة.

بالإضافة إلى التصدي للهدر المدرسي ولكل أسباب الانقطاع المبكر للتلاميذ، وخاصة الفتيات بالوسط القروي، وإعطاء الألوية في برمجة البناءات المدرسية للوسط القروي، وكذا تطوير نموذج العرض التربوي بالوسط القروي من خلال المدارس الجماعاتية، وتأهيل الفضاءات التعليمية وتحديد التجهيزات، والقضاء على البناء بالمفكك.

وزيادة على ما ذكر، هناك الحد من الأقسام المشتركة التي يتجاوز عددها قسمين اثنين، وتعزيز استفادة الوسط القروي من التكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتصال، ثم تحفيز الأطر التربوية والإدارية على الاستقرار في الأوساط القروية والنائية، والتنزيل الفعلي لبرنامج تقليص الفوارق المجالية والترابية في المناطق القروية من أجل تحسين ولوج ساكنة المناطق المستهدفة للخدمة التربوية العمومية.

ولابد هنا أن أشير في الأخير إلى مستجد هام، إذ إن القانون الإطار الذي تمت المصادقة عليه أضفى طابعا قانونيا وإلزاميا على تحقيق العدالة التربوية المجالية، وخاصة من خلال مواده رقم 4 (التقيد بمبادئ الإنصاف والمساواة وتكافؤ الفرص) و19 (إلزامية التعليم) و20 (تعبئة جميع الوسائل اللازمة لتحقيق إلزامية التعليم وخاصة بالوسط القروي وشبه الحضري والمناطق ذات الخصاص) و21 (خدمات الدعم الاجتماعي) و22 (تأهيل المؤسسات التعليمية وسد الخصاص الحاصل في البنيات والتجهيزات والموارد البشرية).