امساعد: القضاء حلم طفولتي .. والمواكبة تنقص القاضي التجاري

امساعد: القضاء حلم طفولتي .. والمواكبة تنقص القاضي التجاري

بعيدا عن المحاكم، فضاؤهم الخاص، نفتح من خلال هذه السلسلة الباب أمام القضاة وأصحاب البذلة السوداء للحديث عن مسارهم في رحاب قصر العدالة، نسلط الضوء على بدايات أسماء سطعت في سلك القضاء، واستطاعت أن ترسم لنفسها مسارا حافلا قليل منا يعرفه.

"في رحاب العدالة" سلسلة تعدها جريدة هسبريس الإلكترونية، تلتقون من خلالها مع وجوه في سلكي المحاماة والقضاء تمكنوا من طبع أسمائهم في هذا المجال، نقربكم منهم ونعرفكم على بداياتهم، ونستكشف الطريق التي سلكوها، والتي لم تخل من أشواك.

في هذه الحلقة نستضيف القاضية إيمان امساعد، التي جذبها حضورها، وهي طفلة، للجلسات التي كان يسيرها والدها بالمحكمة الابتدائية بالرباط، إلى رحاب المعهد العالي للقضاء، لتجد نفسها في أول تعيين لها بمنطقة لا تعرف عنها شيئا.

القاضية التي صارت واحدة من الوجوه النسائية البارزة بالمحكمة التجارية بالدار البيضاء، لم تمنعها التزاماتها الأسرية من مواصلة النضال رفقة زملائها القضاة من داخل نادي قضاة المغرب، بصفتها أمينة مجلسه الوطني، دفاعا عن استقلالية السلطة القضائية.

كيف جاء اختيارك مجال القضاء؟ ولماذا لم يكن هناك اختيار آخر؟

خلال طفولتي، وبحكم عمل والدي، سنحت لي الفرصة لدخول المحكمة، وعمري لم يتجاوز سبع سنوات تقريبا. ذات يوم كانت تنعقد جلسة في الجنحي التلبسي، وبينما كانت إحدى المحاميات تقوم بمرافعة جد ساخنة شدت عبرها انتباه الحاضرين في القاعة، وتحاول بكل ما لها من تجربة ومعرفة قانونية أن تثبت براءة موكلها، كنت بكل ما أحمل من فضول طفلة أحاول فهم ما تبتغي تلك المحامية، وما سر استماتتها ودفاعها عن شخص خرق القانون.

من هنا انهلت بالأسئلة على والدي، الذي لم يبخل عليّ بالشرح ونحن في الطريق لزيارة مكتب أحد المحامين من أصدقائه، وبمجرد خروجنا منه أخبرت والدي بأنني قررت أن ألج مهنة المحاماة عندما أكبر، وفعلا كان هذا اليوم مؤثرا في مساري العلمي باختياري ولوج كلية العلوم القانونية بالرباط، وحصولي على شهادة الإجازة في القانون الخاص، ثم ماستر متخصص في قانون الأعمال والمقاولات.

وقبل أشهر من مناقشة رسالة التخرج، تم الإعلان عن مباراة ولوج المعهد العالي للقضاء، فأحسست بأن والدي له رغبة كبيرة في اجتيازي لها، خصوصا أنه كان يتحدث كثيرا عن موقع المرأة القاضية ونظرة المجتمع إليها، فقررت اجتياز المباراة إرضاء له، وولجت المعهد بفضل دعواته ودعوات والدتي.

أمضيت سنتي التكوين وأنا أرى في عينيه نظرة الفخر، إلا أنه، للأسف، لم يعش معي لحظة اعتلائي منصة الحكم ولَم يرني، إذ توفي يوم امتحان التخرج من المعهد العالي للقضاء، وقد تسلمت قرار تعييني قاضية بعد عشرة أيام من وفاته، رحمه الله، لكنني أستشعر تواجده دائما معي وفخره بي، ولم أندم على ولوج هذه المهنة لإرضائه.

لنتحدث عن بداياتك، كيف كانت؟ وكيف كان إحساسك وأنت تعينين قاضية؟

أكيد تسلم قرار التعيين يدخل الفرحة في قلب كل طالب علم توج مساره العلمي بولوج مهنة سامية، تنتهي نسبيا باكتشاف مكان التعيين الذي غالبا ما يكون بعيدا عن الأهل، وربما لم تزره قط في حياتك من قبل، خصوصا أن مواكبة التحاق القاضي آنذاك لم تكن بالمرة، فهو يكون في حيرة بين التوفيق بين التحاقه بمقر عمله، والبحث عن سكن يليق بالصفة التي يحملها، ووسيلة التنقل من وإلى مقر عمله..، وكل هذا براتب ملحق قضائي عليه انتظار أشهر طويلة لتسلمه بعد أن تتم تسوية وضعيته من قبل الجهة المختصة.

إحساس لا يحسد عليه أي قاض في بدايته، إذ يبدد فرحته ويجعله في خطواته الأولى للصراع من أجل الحفاظ على استقلاليته وكرامته.

أما الآن فالوضع اختلف نسبيا، ويرجع الفضل في ذلك إلى نادي قضاة المغرب، كجمعية مهنية للقضاة أنتمي إليها، الذي يعمل على مواكبة التحاق القضاة الجدد بمقرات عملهم عبر مساعدة أعضاء مجلسه الوطني، وأيضا أعضاء مكاتبه الجهوية بكل ربوع المملكة عن طريق مد العون إليهم بوسائلهم الخاصة، وقد أصبح ذلك فكرا تشبع به كل عضو من أعضائه.

كما أن النادي يعمل على مراسلة الجهات الوصية من أجل توفير الظروف الملائمة للقضاة الجدد حتى يليق هذا الالتحاق بمكانتهم، وأتمنى من هذه الجهات أن تنظر نظرة جدية قصد إصلاح هذه الوضعية لأنها فعلا مؤثرة في المسار المهني لأي قاض في بدايته.

هل تتذكرين أول قضية عرضت عليك؟ وكيف تعاملت معها؟

التحقت بالمحكمة الابتدائية بابن أحمد، وكانت مدينة لم أزرها من قبل. في أول يوم رافقني زوجي من مدينة الدار البيضاء إلى مقر العمل، وقد وجدت في استقبالي رئيس المحكمة، الذي أخبرني بكوني كُلفت بجلستين في إطار القضاء الفردي: جلسة للبت في قضايا المسؤولية التقصيرية، وجلسة للبت في قضايا الحالة المدنية.

أحسست حينها بأني خطوت أول خطوة في مسيرة عملي، وتسلل إلى قلبي بصدق ثقل وجسامة مهمتي، فغالبا ما ينضم القضاة الجدد إلى هيئات الحكم الجماعي، لكن ذلك لم يكن من نصيبي.

وقبل البت في أول ملف معروض علي انضاف إليه تسيير الجلسة، الذي ليس بالمهمة السهلة على قاضٍ في بدايته، فما كان علي إلا أن تذكرت توجيهات أساتذتنا خلال التكوين بأهمية الاطلاع على الجلسة حتى يسهل ضبط تسييرها.

ولن أنسى أني أحضرت دفترا خططت فيه جدولا، وخصصت خانة لكل ملف أدون فيها معطيات حوله، مما جعل الاطلاع على جلسة الحالة المدنية يأخذ مني يوما بأكمله، لأعلم فيما بعد أن الشعبة ليست صعبة، إذ صرت بعد مرور سنوات بتلك المحكمة أعقد الجلسات في وقت وجيز، وأيقنت أن المقولة التي كان يرددها أساتذتي بالمعهد خلال التكوين بأن "القضاء صنعة"، مقولة صحيحة مائة بالمائة، فالتوفر على المعلومة القانونية والتكوين الأكاديمي مقومان يجب أن تنضاف إليهما الممارسة والتكوين المستمر واستشارة السلف والاحتكاك بالنوازل حتى تصبح قاضيا متمرسا.

خلال عملك بالمحكمة الابتدائية بابن أحمد، كيف كنت ترين القضايا المعروضة عليك؟

عملي بالمحكمة الابتدائية بابن أحمد كان بالنسبة إلي فرصة ذهبية وعاملا جد فاعل فيما أنا عليه اليوم، ولله الحمد، فخلال هذه الفترة أتيحت لي الفرصة للبت في مختلف الملفات وفي شتى الشعب: المدني، العقار، الأسرة وأيضا الملفات الجنحية، فكانت تجربة جد متميزة زكت ثقتي بنفسي وبعملي في إطار القضاء الفردي، ومكنتني أيضا من اكتساب ميكانيزمات العمل القضائي في إطار القضاء الجماعي، فكنت دائما أحاول استنفاد كل ما في جعبة زملائي الأقدم مني في المحكمة، فوجدت فيهم خير مؤطر ومعين.

ووعيا مني بأن كل حكم أصدره يعد عنوانا للحقيقة القانونية وتأثيره على المراكز القانونية للناس وحقوقهم، كنت أجعل التأني في اتخاذ القرار وقراءة النصوص القانونية والتوجهات القضائية منهجا، إلى جانب التحلي بالصبر وحسن الإنصات، وبفضل الله كانت فترة العمل بهذه المحكمة جد رائعة اكتسبت فيها، إلى جانب التجربة، حب وتقدير كل من عملت إلى جانبهم من قضاة وموظفي كتابة الضبط ومحامين، لي فيهم إخوة وأصدقاء لم تنقطع جسور تواصلنا إلى الآن.

من خلال مسارك في قضاء الأسرة، إِلامَ ترجعين ارتفاع حالات الطلاق؟

البت في الملفات المتعلقة بقضايا الطلاق يبقى من الملفات التي تجعل القاضي ينظر إلى النزاع الذي يبت فيه، ويصدر حكما فاصلا فيه ليس فقط بين أطراف الدعوى من زوج وزوجة، بل يمتد أثره أيضا إلى ثمرة العلاقة الزوجية المنتهية، وهم الأطفال، وأيضا الأسرة بمفهومها الواسع كخلية من خلايا المجتمع التي تنحل بصدور الحكم القاضي بالطلاق.

لهذا، فإن همّ القاضي المكلف بقضايا الطلاق دائما ما يكون هو محاولة رأب الصدع بين الزوجين وإصلاح ذات البين، ونجاحه في ذلك لا يدخل الفرحة على قلوب أطراف الدعوى فقط، بل في قلبه أيضا، إلا أن الأمر ليس بالهين أمام ارتفاع عدد قضايا الطلاق المعروضة أمام المحاكم بالمقارنة مع العنصر البشري المكلف بالبت فيها، إذ يجد القاضي أمامه زوجين في نقطة فارقة إما بسبب الظروف المادية العسيرة أو سوء الاختيار من قبل أحدهما أو كليهما، وأيضا تفشي ظاهرة العنف بين الأزواج بسبب ظروف نشأة الفرد في مجتمع يعاني الفقر والأمية، وغياب تأطير كاف من قبل الدولة وفعاليات المجتمع المدني لتكوين فرد واع بضرورة التفكير السليم في كيفية اختيار شريك الحياة وليس فقط الزواج على ذوق الأهل أو الهروب من فخ العنوسة، وأيضا غياب برامج للمصاحبة يمكن أن يستفيد منها الأزواج لتعلم كيفية التعامل مع المشاكل الزوجية وليس طرق باب المحكمة كحل أول وأخير.

ويبقى الحمل الكبير ملقى على القاضي المكلف بالبت في قضايا الطلاق، والذي يجد نفسه يلعب دور المصاحبة الاجتماعية ودور الحكم لإصلاح البين، كما أنه ملزم بتطبيق القانون لفض النزاع ومراعاة مصلحة الأطفال، وهو أمر ليس بالهين.

بعد ذلك ستنتقلين إلى المحكمة التجارية بالدار البيضاء، ما السر في ذلك؟

خلال فترة التكوين بالمعهد العالي للقضاء التي تبرمج فيها دروس تخص مختلف الشعب القانونية، وضمنها القضاء التجاري، شعرت بالانجذاب نحو هذه المادة على الخصوص، وكانت حصتها بالنسبة إلي ممتعة، إذ ساعدني في ذلك تكويني الأكاديمي في السلك الثالث - تخصص قانون أعمال ومقاولات.

ومنذ ذلك الحين، تولدت لدي رغبة كبيرة في العمل في المحكمة التجارية. ورغم أن تعييني بادئ الأمر كان في المحكمة الابتدائية بابن أحمد، فإن رغبتي في الالتحاق بالمحكمة التجارية كانت دائما ملازمة لي، وبعد أن أمضيت المدة المطلوبة قانونيا، تقدمت بطلب إلى المجلس الأعلى للقضاء، الذي استجاب لطلب انتقالي إلى المحكمة التجارية بالدار البيضاء سنة 2014، وكانت فرحتي لا توصف آنذاك.

بعد هذا المسار أين تجدين نفسك: بالجنحي أم قضاء الأسرة أم التجاري؟

العمل في القضاء العادي تجربة غنية بتنوعها وقربها من المجتمع، إذ غيرت شخصيتي وضاعفت ثقتي في نفسي، وسيبقى للمدة التي أمضيتها في المحكمة الابتدائية بابن أحمد فضل كبير فيما أنا عليه اليوم، إلا أنه بالنسبة إلي، العمل في القضاء المتخصص، وعلى الأخص القضاء التجاري، شيء مميز استطعت من خلاله توظيف معرفتي القانونية بحكم مساري التعليمي، والوقوف على الفرق بين التكوين الأكاديمي والممارسة القضائية في مجال النزاعات التجارية، إلى جانب الاستفادة من تكوين متخصص من خلال القضايا المعروضة أمامي، بخلاف العمل في إطار القضاء العادي وشعبه المتعددة، وانتقالك من هذه إلى تلك يجعل وقتك متفرقا بين العديد من التخصصات، وهذا يؤثر على دقة المعارف المكتسبة.

وهنا أودّ الإشارة إلى أن العمل في إطار القضاء التجاري في المغرب تنقصه مواكبة القاضي التجاري، حيث نجد غيابا لبرمجة تكوين مستمر بهذا الخصوص، إذ يبقى العمل مقتصرا على مجهود القاضي الفردي، إلى جانب باقي زملائه في المحكمة، واستعمال وسائل التواصل الحديثة قصد تدارس الإشكالات القانونية التي تطرحها القوانين المنظمة للمجال التجاري بشكل أوسع مع باقي القضاة في مختلف المحاكم التجارية، وهذا الوضع يعانيه جميع القضاة في مختلف المحاكم والتخصصات، ونتمنى أن يتم تجاوزه من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية من خلال الأدوار المكفولة له قانونيا.

كيف ترون، كقضاة شباب، واقع السلطة القضائية بالمملكة؟

يبقى واقع السلطة القضائية بالمملكة، اليوم، أفضل بكثير من الأمس القريب بعد دستور 2011، فما وصلت إليه هذه السلطة لم يكن بالأمر الهين لما صاحبها من حراك توج باستقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية والتنفيذية، بالإضافة إلى استقلال النيابة العامة ومساواة قضاتها بقضاة الحكم، وتنزيل القوانين المتعلقة بالسلطة القضائية بتنصيب مؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية..، كل هذا كان في إطار الإصلاح الشامل لمنظومة العدالة الذي أعطى انطلاقته الملك محمد السادس، ويبقى تنزيلها على أرض الواقع مكسبا حقوقيا ومجتمعيا لما له من آثار إيجابية على تعزيز ثقة المواطن في قضاء بلده، فاستقلال السلطة القضائية ضمانة حقيقية تجعل المواطن يلجأ إلى القضاء وهو واثق من إنصاف من له الحق قانونيا.

إلا أن هذا رهين بتحسين الوضعية الاجتماعية والمادية للقاضي الفرد، فلا يكفي أن نسن قوانين تنص على استقلال السلطة القضائية دون تنزيلها على أرض الواقع، عبر خلق مناخ ملائم يجعل القاضي بعيدا كل البعد عن أي مدخل للمس بهذه الاستقلالية، إذ وجب العمل على تحصينه من أي شيء يهددها.

ومن خلال جمعيتنا، نادي قضاة المغرب، نعمل على الدفاع عن ذلك في إطار ملف مطلبي يهم الجانب الاجتماعي للقاضي استكمالا للمكاسب التي حققتها هذه الجمعية في هذا الجانب، من خلال دورة المجلس الوطني القادمة بتاريخ 29 يونيو، التي سيسبقها لقاء وطني لقضاة المملكة، على ضوئه سيصيغ المجلس الوطني توصياته التي سترفع إلى المكتب التنفيذي لنادي قضاة المغرب للعمل على تنزيلها.