ودرا: عارضت الأسرة لولوج المحاماة .. وهذه قصتي مع ملف الشذوذ

ودرا: عارضت الأسرة لولوج المحاماة .. وهذه قصتي مع ملف الشذوذ

في هذه الحلقة، نفتح الباب لرئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، عمر ودرا، المحامي الذي بدأ مساره المهني ثائرا على قرارات الأسرة، مثابرا منذ أول ملف يترافع فيه. لم يتقاعس الرجل رغم المناصب التي تقلدها في رحاب هذه المهنة؛ إذ ما يزال يفتح باب مكتبه قبل الفجر معطيا المثال للمحامين المتمرنين لديه ومقدما نموذج المحامي العاشق لعمله ووصفة النجاح الأمثل، في وقت صار فيه سلوك البعض من أصحاب "البذلة السوداء" يسيء للمهنة.

كيف قررتم ولوج هذه المهنة؟

بعد حصولي على شهادة الباكالوريا أواخر سبعينات القرن الماضي، قررت التوجه إلى كلية العلوم القانونية والاقتصادية، وبدأت متابعة الدراسة الجامعية في العاصمة الرباط، حيث كان حينها يتوجب على الطالب التسجيل في الرباط، وبعدها عدت إلى الدار البيضاء.

طوال مساري، لم أكن غائبا عن الشأن العام المحلي والوطني، فمنذ الدراسة الابتدائية، كنت أشرف على المجلة الحائطية، وبعدها كنت مشرفا على اللجنة الثقافية، سواء بالإعدادي أو الثانوي.

بعد دراستي الجامعية، طلبت الإعفاء من الخدمة المدنية والعسكرية، وقررت ولوج مهنة المحاماة رغم معارضة بعض أفراد الأسرة، إلا أنني قررت أن أكون محاميا، وذلك ما كان.

لقد اخترت عن سبق إصرار وترصد هذه المهنة؛ إذ لم أختر مهنة أخرى من المهن المتاحة حينها، والحمد لله أنني لم أندم على هذا الاختيار الذي كما قلت لكم لم يكن محبذا لدى البعض من الأسرة الذين كانوا حينها يفضلون ولوجي مهنة بالوظيفة العمومية.

هل تتذكرون أول قضية تكلفتم بها؟

نعم، ما زلت أتذكر أنني كنت حينها محاميا متمرنا لدى الأستاذ علي الكتاني الذي كلفني بملف يتعلق بالشذوذ الجنسي، حيث طلب مني التوجه إلى محكمة الاستئناف التي كان مقرها آنذاك بالحبوس.

من سوء حظي، لأني كنت متجها بنية طلب تأخير الملف، اعتبرت الهيئة الملف جاهزا، ما جعلني أضطر إلى الترافع في القضية، والحمد لله، كان الحكم لصالح موكلي، ما جعل هذا الأمر بادرة مشجعة لي في مساري المهني، وإن كنت لا أهتم بالمادة الجنحية، فقد بصمت هذه الواقعة مساري وما زلت أتذكرها جيدا ولم تغب عني لحظة.

من كان قدوتكم في المهنة حين ولجتموها؟

دعني أقول لك بصدق إنني لم أر إلى يومنا هذا محاميا مثل الأستاذ محمد التبر في المادة الجنحية والجنائية، رغم أنه لم تكن لي علاقة به إلا مؤخرا، لكنه كان محاميا مجتهدا ويترافع بطريقة تسلب الألباب ويجذبك إليه.

هناك أساتذة آخرون في الجنائي، لأن المحامين يبرزون عادة في مثل هذه القضايا، إلى جانب أساتذة لهم قلم سيال ويكتبون بطريقة جيدة، مثل النقيب عبد الله درميش، وآخرين.

ما أبرز ملف ما زال عاقلا في ذهنكم؟

هناك ملفات كثيرة، منها ملف ضخم في الجانب التجاري جابْ الله فيه التيسير.

اليوم، لكم مكتب محاماة كبير وعدد من المتمرنين، كيف تتعامل مع هذا الوضع؟

لا أخفيكم أنه منذ بداياتي اتخذت قاعدة ومنهاجا لي في العمل، يتمثل في التوجه إلى مكتبي قبل صلاة الفجر، وما أزال على ذلك إلى حدود اليوم. في هذه الفترة، حيث أصلي الفجر بمسجد مجاور للمكتب، أشرع في تهييء الملفات، وأطالع ما يمكن مطالعته، رغم أنني أشعر بكون الشأن المهني أخذ مني جهدا ووقتا كبيرا على حساب أسرتي الصغيرة التي لم أهتم بها كثيرا.

قبل وصول المحامين إلى المكتب، أكون قد أعددت كل الملفات وخارطة العمل الخاصة باليوم، ويجد كل واحد منهم الملف الذي سيتكلف به.

كما أجمع المحامين وأستشير معهم في بعض القضايا ونتجادل، وهناك من يقنعني من المحامين المتمرنين بصواب فكرته في ملف من الملفات التي ننوب فيها، وهو ما يجعلني أقول بكون مكتبي هو بمثابة مدرسة حيث يجد هؤلاء المحامين الحرية فيه للتمرن بشكل جيد.

هل ساعدك انخراطك المبكر في التنظيمات المهنية على تحقيق ما تصبو له؟

بداياتي المهنية كانت حافلة جدا، حيث مباشرة بعد دخولي المحاماة، شاركت بعد ستة أشهر في انتخابات مكتب شباب المحاماة، وبقيت تسع سنوات بالمكتب.

لا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، فقد كنت من مؤسسي المنظمة العربية للمحامين الشباب، التي منحت أطرا كبيرة مثل عبد الحفيظ غوغة، نائب رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي، وشوقي طبيب، رئيس مؤسسة دستورية في تونس، وَعَبَد اللطيف وهبي، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، ثم مصطفى ياغا بالأردن.

هذه الحيوية والحركية واللقاءات التي كنّا ننظمها جعلتني سنة 1999 أقرر الترشح لعضوية هيئة المحامين بالدار البيضاء، وبعد فترة عدت وقررت الترشح كنقيب للهيئة نفسها، غير أن الزميل عبد اللطيف بوعشرين فاز بذلك، لأفوز في المرة الثانية بهذا المنصب. وبعد انتهاء ولايتي كنقيب هيئة المحامين بالدار البيضاء، ترشحت لرئاسة جمعية هيئات المحامين بالمغرب، غير أنني لم أوفق في المرة الأولى التي توج بها النقيب محمد أقديم، لأعود مجددا للترشح سنة 2018 وأتوج بذلك في المؤتمر الذي عقد بمدينة الناظور.

بعد مسار مهم شغلتم منصب نقيب للمحامين، كيف شعرتم وأنتم تتقلدون هذا المنصب؟

لا أخفيكم أنني لم أندهش كثيرا لسبب بسيط، فقد كنت ألازم النقيب عبد الله درميش تقريبا منذ سنة 1994، وكانت لي حمولة وتجربة بصفة مباشرة تقريبا. خلال هذه الفترة، كنت على دراية تامة بكيفية تعامل النقيب مع المراسلات والفتاوى التي توجه للمحامين، وبالتالي لم تكن هناك أمور تدهشني.

لا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، خلال هذه الفترة، كنت أطالع ملفات الأتعاب أيضا، وهذا الأمر جعلني لا أتعرض لمشاكل خلال تقلدي منصب نقيب هيئة المحامين لأني كنت أمارس مهام النقيب بشكل ضمني.

بطبيعة الحال، من الناحية الشخصية تغيرت بعض الأمور، حيث الناس يحترمون صفة نقيب، لكن هذا لم يؤثر عليّ في شيء، إذ كنت اعتبر من هو أكبر مني بمثابة الأب واشتغلت طوال ذلك بإخلاص.

اليوم وأنتم على رأس الجمعية، كيف تنظرون لواقع المهنة؟ ماذا تغير بين الأمس واليوم؟

دعني أقول لك إن المهنة لا تتغير، نحن من نتغير، وشروط النجاح اليوم متاحة لأن كل شيء موجود، غيرْ لّي ما بْغاشْ ينجح، فالأنترنت سهلت المأمورية، لذلك ففرص النجاح لهذا الجيل متاحة أكثر من جيلنا حيث كانت هناك صعوبات عديدة أمامنا.

اليوم، دورنا كجمعية يتمثل في البحث عن تسهيل عمل المحامين، ونحن نشتغل على توصيات المؤتمر لتتبعها وعدم تركها في الرفوف، والبحث عن تحسين وضعية المحامين المادية، وهنا أودّ الإشارة إلى أننا وجدنا تجاوبنا من وزارة العدل ورئيس السلطة القضائية مع مقترحاتنا ومطالب النقباء.

كنقيب ذي تجربة طويلة في هذه المهنة، ما هي رسالتكم اليوم إلى الشباب الذين يلجونها؟

بالنسبة للمحامين الجدد، أودّ التأكيد على أن المهنة ما زال فيها الخير الكثير شريطة ممارستها بقواعدها، لأن الأزمة تكون في الأشخاص وليس في المهنة. وأود التأكيد من هذه النافذة على أن من يبحث عن الاغتناء من المهنة بالطرق المشروعة، فالأمر متاح له، بعيدا عن الطرق غير المشروعة التي تسيء لصاحبها وليس للمهنة.