الداودي: مافيا العقار تعبث باستقرار المجتمع والاقتصاد الوطني

الداودي: مافيا العقار تعبث باستقرار المجتمع والاقتصاد الوطني

خلال السنوات الأخيرة، استفحلت ظاهرة الاستيلاء على أراضي الغير في المغرب؛ ما دفع ضحايا "مافيا العقار" إلى التكتل في جمعيات وخوض وقفات احتجاجية أمام وزارة العدل بالرباط للمطالبة بحماية أراضيهم، الشيء الذي جعل الملك يوجه رسالة إلى وزير العدل سنة 2016، طالبه فيها باتخاذ الإجراءات الكفيلة بوضع حد للظاهرة.

في هذا الحوار، يتحدث عمر الداودي، محام بهيئة الرباط ينوب عن عدد من ضحايا "مافيا العقار" في الجنوب، عن طرق استيلاء هذه المافيا على أراضي الغير، ويكشف الثغرات القانونية التي تستغلها، ليخلص إلى أنّ هذه الظاهرة لا تهدد فقط السلم الاجتماعي، بل تشكل خطرا محدقا بالاقتصاد الوطني أيضا.

ما هو التعريف القانوني لمصطلح ظاهرة "الاستيلاء على أراضي الغير"؟

حين نتحدث عن التعريف القانوني، فإننا نقصد التعريف الذي يعطيه المشرِّع أو الفقه، ولا يوجد أي تعريف من هذا النوع لمصطلح ظاهرة الاستيلاء غير المشروع على أراضي الغير.

هذا المصطلح ورد أوّل مرة في الرسالة الملكية الموجهة إلى وزير العدل سنة 2016، حيث قالت الرسالة إنّ تقاطر مجموعة من الشكايات على الديوان الملكي فتح العين على ظاهرة خطرة جدا، لكن التعريف الذي أعطته وزارة العدل لهذه الظاهرة، وهو "الاستيلاء على أراضي الغير"، تعريف محتشم.

نحن كمهنيين وحقوقيين نقول إن الأمر يتعلق بشبكة منظمة، بل يمكن أن نستعمل لفظ مافيا العقار، وهي شبكة منظمة تتشكل من مهنيين، وقانونيين، وسماسرة، وموظفين، وأشخاص يختبئون خلف وكالات عقارية وهمية، ومستثمرين يختبئون وراء شركات وهمية للاستيلاء على أراضي الغير.

لماذا تستهدف هذه الشبكة، أو المافيا كما سمّيْتها، العقار بالضبط؟

هذا راجع إلى أنّ العقار منذ سنة 1990 ارتفعت قيمته في السوق، وكان موضوع اهتمام المستثمرين الذين استثمروا في هذا المجال، حيث أنشئت شركات عقارية أضحت مع الوقت شركات كبيرة، لكنه كان أيضا محلَّ جشع أشخاص منعدمي الضمير.

اليوم نحن أمام ظاهرة خطرة جدا، لا تعريفَ قانونيا لها، ولا يمكن حصر الأشخاص المشكّلين لشبكاتها، ولا حتى الأساليب التي تنهجها، هي ظاهرة مثل سرطان ينخر العقار المغربي، أبطالها شبكة منظمة تستعمل أساليب غير مشروعة من أجل الاستيلاء على عقارات الغير.

ما هي الأساليب التي تستعملها مافيا العقار للاستيلاء على أراضي الغير؟

سأتكلم عن العقار غير المحفظ، على اعتبار أنّ العقار المحفظ يصعب على هذه الشبكات أن تسطو عليه.

بمعنى أنّ العقار غير المُحفظ هو الأكثر عُرضة للاستيلاء عليه؟

نعم هو المستهدف أكثر، لأن الاستيلاء عليه سهل. كيف ذلك؟ حين يتوفّى جَدُّ أسرة متفرعة في قبيلة، يتم توزيع الوعاء العقاري الذي خلفه بين الورثة بالتراضي، وهذه العملية لا تمكّن من التوفر على الملكية العقارية.

بالنسبة للأساليب التي تلجأ إليها مافيا العقار للاستيلاء على أراضي الغير بطريقة غير مشروعة، فهي تنحصر في أسلوبين، هما العقود المزورة وشهود الزور، حيث تغير الشبكة معالم وحدود العقار الذي تريد السطو عليه، لا من حيث اسمه، ولا من حيث أسماء مُلاك العقارات المجاورة، وتقدم شكاية لنزع العقار.

بالمناسبة، أشير إلى أن القانون الجنائي المغربي لا يتضمن سوى فصل واحد هو الفصل 571، المتعلق بحماية الحيازة العقارية، لأنه حين وُضعت مدونة القانون الجنائي سنة 1962، لم يكن الأمن العقاري أولوية بالنسبة للمشرع، وحاليا آن الأوان لأن يدقق المشرع في هذا الفصل.

أعود إلى موضوع تغيير ملامح العقار فأقول إنه بعد القيام بهذه العملية، يكفي أن تأتي بشاهد واحد يشهد بأنّ فلانا يحوز ذلك العقار، ويذهب الملف إلى بحث الدرك أو الشرطة القضائية، ثم إلى المحكمة ليؤدي صاحب الملف اليمين القانونية.

بمعنى أنّ عملية الاستيلاء على الأراضي غير المحفظة سهلة جدا؟

نعم، هي من السهولة بمكان. صحيح أنّ بعض المحاكم تقوم بجهود مضنية لمعاينة العقار موضوع النزاع، ولكنَّ هذه المعاينة في حد ذاتها لا تخلو من ثغرات، حيث إنّ الشخص الذي يريد أن يستولي على أرض الغير قد يعمد إلى استقدام شهود زور يؤدون اليمين ويشهدون له أثناء المعاينة في عيْن المكان بأنه صاحب الأرض، فيحصل ذلك الشخص على حُكم حيازي ويعمل على تنفيذه، وقد يستغله مستقبلا في تقديم طلب التحفيظ، وقد يؤسس عليه رسما عقاريا.

الحيلة الثانية التي تلجأ إليها مافيا العقار للاستيلاء على أراضي الغير، هي العقود المزورة. حاليا لا يمكن أن يتم توثيق المعاملات العقارية إلا عن طريق المهنيين، (موثق أو عدْل أو محام مقبول لدى محكمة النقض)، وفق المادة 4 من مدونة الحقوق العينية الحالية، ولكن قبل دخول هذه المادة حيز التطبيق سنة 2012، كانت تقع كوارث؛ إذ يكفي أن تحرّر عَقدا، أحيانا بالآلة الكاتبة التقليدية، وتتم المصادقة عليه، وبواسطته يمكن بيع عقارات الغير دون علم أصحابه.

ألا تخضع هذه العقود للخبرة للتأكد من صحتها؟

العقود لا تخضع للخبرة إلا إذا كان هناك نزاع، لكنَّ الإشكال لا يكمن هنا، بل يكمن في كون مافيا العقار تذهب أبعد من ذلك وتقوم بتزوير العقود، واستعمال أختام تعود إلى جماعات محلية، بل يتم تزوير حتى بصمة البائع أو البائعة، وقد سجّلنا حالات من هذا النوع في الجنوب أثبتت الخبرة التي قام بها المختبر الجنائي للدرك الملكي بالرباط أنها فعلا عقود مزورة، إلا أنه بعد إحالة الملفات على غرفة الجنايات بمحكمة أكادير، قضت في أحدها مؤخرا بعقوبة لم تتجاوز 4 أشهر موقوفة التنفيذ، وهي عقوبة لا ترقى إلى خطورة الجريمة، رغم وضوح الرسالة الملكية الموجهة إلى وزير العدل لمواجهة مافيا الاستيلاء على أراضي الغير.

إذن العقار غير المحفظ هو المستهدف، وهو الأسهل على العصابات الإجرامية التي تستولي على أراضي الغير، والتي يستغل أفرادها العقود المزورة وشهود الزور، الذين يشهدون لقاء مئة درهم أو حتى قنينة خمر، وهذا مَدوَّن في محاضر رسمية، بل أكثر من هذا، فإنّ الشخص نفسه قد يشهد للشخص الذي يريد أن يستولي على أرض الغير في مناطق مختلف، ومع ذلك تأخذ المحكمة بالشهادة.

هل أفهم من كلامك أن هناك شبكة منظمة من شهود الزور؟

نعم، هناك شبكة لشهود الزور تستغلها مافيا العقار للاستيلاء على أراضي الغير، وهنا أود أن أشير إلى أن الرسالة الملكية وضعت الأصبع على مكمن الخلل، بدعوة الملك وزير العدل إلى التفكير في إيجاد آلية لمواجهة مافيا العقار.

ما أسباب استفحال ظاهرة الاستيلاء على أراضي الغير بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة؟

أبرز سبب هو ارتفاع قيمة العقار الذي أفرز جشع المستثمرين. هناك أيضا النزاعات بين القبائل، أو عدم توثيق بعض المعاملات، مثل البيع والرهن والكراء.

ما تقييمكم للإجراءات التي واكبت بها وزارة العدل الرسالة الملكية؟ وهل هي كافية لوضع حد للاستيلاء على أراضي الغير؟

الإشكال المطروح هو أن اللجنة المكلفة بتتبع هذا الملف أصبحت غير معنية به، لأن الرسالة الملكية وُجهت إلى وزير العدل بصفته رئيس النيابة العامة، وحاليا وزير العدل لم يعد رئيسا للنيابة العامة، ولم يعد بيده توجيه الأوامر إلى وكلاء الملك والوكلاء العامين.

تصور معي أن هذه اللجنة خرجت بقرارات، فهل سيوجه وزير العدل التعليمات إلى وكلاء الملك والوكلاء العامين؟ هذا غير ممكن الآن بعد استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل؛ إذن كيف يمكن تفعيل قرارات هذه اللجنة؟

إذن الجهة التي يجب أن تشرف على هذه اللجنة هي رئاسة النيابة العامة؟

الرسالة الملكية كانت موجهة إلى رئاسة النيابة العامة، وهي حاليا مستقلة، وبالتالي فالجهة المؤهلة من الناحية القانونية والواقعية والإجرائية، والتي بيدها النيابة العامة والشرطة القضائية، وإجراء الأبحاث والمعاينات والتحريات، والإحالة على التحقيق الإعدادي على المحاكم، هي رئاسة النيابة العامة، وليس وزارة العدل.

هنا أريد أنْ أعرّج على الإحصائيات التي قدمتها اللجنة المكلفة بتتبع موضوع الاستيلاء على أراضي الغير، التي لم يستسغْها الضحايا، فمباشرة بعد الرسالة الملكية، قال وزير العدل إنّ عدد الملفات الموضوعة لدى اللجنة لا تتعدى 37 ملفا، ونحن نقول إن هذا الرقم، لو كان حقيقيا، لا يستدعي توجيه رسالة من طرف الملك إلى وزير العدل في هذا الموضوع؛ إذ من السهل معالجة هذه الملفات.

ما دام أن أعلى سلطة في البلاد دقت ناقوس الخطر، فهذا يعني أننا إزاء ظاهرة خطرة جدا، لا يمكن حصرها في 37 ملفا.

الآن تقول الوزارة إن عدد الملفات هو 62 ملفا، ولكن حتى لو كان عدد الملفات 100 أو 300، فإننا لسنا إزاء ظاهرة؛ يمكن تكليف هيئة قضائية بمعالجتها، وينتهي المشكل. نحن لا نعرف ما هو المعيار الذي تعتمده اللجنة لقبول هذا الملف واستبعاد ذاك، وبالتالي معيار الإحصائيات التي تقدمها.

في رأيك، ما هو الحل لوضع حد لظاهرة الاستيلاء على أراضي الغير؟

على كل، رغم ما قلنا عن اللجنة المكلفة بتتبع موضوع الاستيلاء على أراضي الغير، فإن الإجراءات التي أعلنها السيد وزير العدل مهمة، ولكنَّ الإشكال يكمن في تفعيل بعض منها أو تسريعها، والأخذ بيد الضحايا.

حين يُقال للقاضي إنّ هذا الشخص (شاهد) شهد أكثر من مرة لشخص واحد، فهذا يشكّل قرينة قوية من أجل استبعاد شهادته، لكن المحكمة تأخذ بها للأسف، لأن النصوص القانونية لا تسعف القاضي؛ إذ لا يوجد ما يمنع الشخص الواحد من أن يكون شاهدا عشرات المرات للشخص نفسه.

لحلّ هذا الإشكال، يجب تفعيل النص الدستوري الذي يُلزم قضاة الحكم بألا يطبقوا فقط القانون، بل أن يسهروا على التطبيق العادل للقانون، وذلك بالموازنة بين المراكز القانونية، خاصة وأننا أمام ظاهرة خطرة للغاية لا على المجتمع فحسب، بل حتى على اقتصاد البلاد، وهذا يتطلب جرأة القضاء، والتطبيق العادل للقانون، وتدخلا تشريعيا لحماية الضحايا.

حاليا القانون الجنائي يعاقب شاهد الزور بعقوبة حبسية تصل إلى خمس سنوات، ولكن المستفيدَ من شهادة الزور لا تتعدى عقوبته 3 إلى 6 شهور حبسا؛ هذا توازن غير منطقي، حيث يعاقَب المستفيد من شهادة الزور بعقوبة أخفَّ من عقوبة شاهد الزور، وهذا غير مستساغ. يجب المساواة بينهما في العقوبة، وهذا يتطلب تدخلا تشريعيا للمساواة بين شاهد الزور والمستفيد من شهادة الزور.

مؤخرا سحبْتم نيابتكم عن عدد من ضحايا مافيا العقار بالجنوب، ما سبب هذا القرار؟

سحبت النيابة في ملفين تفرعت عنهما ملفات أخرى؛ يتعلق الأمر بملف جنائي يتضمن تزوير عقدين. وعلى الرغم من أن غرفة الجنايات بمحكمة أكادير اقتنعت بأن العقود مزورة، بإثبات خبرة الدرك الملكي وتصريح نائب رئيس المجلس البلدي السابق لجماعة لاخصاص بأن التوقيع الذي تحمله تلك العقود ليس توقيعَه، فإن المحكمة قضت بتقادم الفعل، مع أن العَقد لم يُنجز إلا في سنة 2015، ولدينا قرائن كثيرة تثبت ذلك.

المحكمة قضت بعقوبة جدّ مخففة، أَعتبرها والبراءةَ سيان؛ فما معنى أن ينال متهم معروف بسطوه على العقارات في مناطق كثيرة، وعلى أراض شاسعة، هذه العقوبة المخففة جدا؟ صحيح أن الحق العام هو من اختصاص النيابة العامة، ولكن الضحايا وأنا كمحام عنهم شعرنا بغُبن شديد بعد هذا الحكم.