الكتاني: التباهي وغياب ثقافة التدبير المالي وراء اللجوء إلى الاقتراض

الكتاني: التباهي وغياب ثقافة التدبير المالي وراء اللجوء إلى الاقتراض

تلجأ فئات من المواطنين المغاربة إلى اقتراض أموال من وكالات القروض، خاصة حين تتزامن عدد من المناسبات الاجتماعية في آن واحد، مثل هذه السنة، حيث تتصادف العطلة الصيفية مع عيد الأضحى والدخول المدرسي؛ وهو ما يجعل الأسر تُقبل على الاقتراض، لتوفير سيولة تمكّنها من اجتياز هذه المناسبات.

في هذا الحوار، يتحدث عمر الكتاني، الخبير الاقتصادي، عن لجوء المغاربة إلى الاقتراض من وكالات القروض، حيث يرى أن هذا السلوك غير طبيعي؛ لأن للقروض تداعيات على استقرار الوضعية الاجتماعية للأسر والأفراد، مبرزا أن تغيير هذا السلوك يستلزم نشر التوعية بـ"مخاطر" القروض في المجتمع.

في عدد من المناسبات، تُقبل فئات من المغاربة بكثرة على الاقتراض، هل ترى هذه السلوك عاديا؟

كلّا، هذا السلوك غير عادي؛ لأنه بمجرد الولوج إلى القروض، فإن نمَط استهلاك الفرد يتجاوز طاقته. قد يكون اللجوء إلى أخذ قرْض مسألة ضرورية، إذا حتّمتْه ضرورة قصوى، بمعنى أنّ الاقتراض مسألة استثنائية. أما في الحالة العادية، فالإنسان لا يلجأ إلى الاقتراض. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، القروض بالفائدة حرام، ويجب أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار، لأننا مسلمون.

البنوك التي تُقرض بالفائدة لم تكن موجودة إلا في القرن الـ16 الميلادي. وأريد أن أشير هنا إلى أنّ المغرب جرى استعماره بسبب القروض، حيث كان يقترض الأموال ويعجز عن ردها. وهكذا، دخل الاستعمار للوصاية على البلد، ليسترجع الأموال التي أقرضها للمغرب. ولكي أختصر الجواب عن سؤالك، أقول إنّ القروض ظاهرة غير طبيعية وغير صحية وغير إسلامية.

ما هي، في نظركم، أسباب لجوء المغاربة إلى القروض؟

هناك عدة أسباب. أولها سلوك التباهي، حيث يسعى الفرد إلى إبراز أنه ينتمي إلى طبقة اجتماعية راقية. لهذا، يلجأ إلى إظهار بعض مظاهر الرفاه. وبما أن إمكاناته لا تسمح له بذلك، يلجأ إلى القروض لشراء البيت والسيارة وحتى لقضاء بعض المناسبات الاجتماعية، ليُظهر أنه يملك إمكانات مالية، والحال أنّ نمط حياته قائم فقط على الاقتراض.

أشير هنا إلى أنّ هذا السلوك لا يتعلق بالأفراد فقط؛ الدولة أيضا تلجأ إلى الاقتراض كلما أرادت أن تستثمر، بداعي تشجيع الاستثمار العمومي، ولكن ما ينبغي أن نعرفه هو أن الدولة ترهن مستقبل المجتمع بلجوئها إلى الاقتراض بشكل مكثف. وهنا نتساءل إذا كانت القروض مُنعشة للاستثمار، فلماذا لا يغذي مدخولها الاستثمارات المستقبلية، ولماذا تلجأ الدولة في كل مرة تريد أن تستثمر إلى أخذ قروض جديدة؟

كيف يمكن إقناع الناس بعدم اللجوء إلى القروض إذا لم تدفعهم إليها ضرورة قُصوى؟

هذا سؤال وجيه جدا، ويجب أن ننطلق في البحث عن جواب له من التربية التي نربي عليها أطفالنا، سواء داخل الأسرة أو في المدرسة. في مرحلة الطفولة، يلاحظ الطفل كيف يتصرف أبواه في تدبير مصاريف الأسرة، وطريقة سلوك الآباء فيها تربية يمكن أن تكون إيجابية ويمكن أن تكون سلبية، لذلك على الآباء والأمهات أن يتصرفوا بطريقة عقلانية في عملية الإنفاق.

الطفل أيضا يتعلم فنّ التدبير المالي في المدرسة، ومن المفروض في المدرسة أن تعلمه لماذا تصلح الأبناك ومؤسسات القروض وغيرها من المؤسسات المالية، لتتشكّل لديه ثقافة اقتصادية منذ الصغر، حتى يتعلم كيف يدبّر أموره المالية حين يكبر، وأيضا حتى يراقب سلوك الدولة في الإنفاق، فإذا أنفقت على شيء غير مفيد للمجتمع يتساءل لماذا.

هذه الثقافة توجد في المدارس الغربية، حيث يفتحون للطفل صندوقَ التوفير، من أجل تعلم كيفية تدبير ميزانيته وتوفير المال منذ الصغر، والتفكير في المستقبل والتخطيط له وتنظيمه، لأن التوفير هو العماد الأساسي للمستقبل.

أعود إلى الشق المتعلق بلجوء الدولة إلى الاقتراض فأقول إنه ليس منطقيا أن تأخذ الدولة قرضا لمدة أربعين سنة، مثلا. في النظام الإسلامي، يُمنع السلف على المدى الطويل. يمكن للدولة أن تسلف على المدى المتوسط، ولكن بشروط؛ أولها أن ذلك السلف ضروري من الناحية الاجتماعية، ثم أن تقدم الدليل على أن لديها القدرة على رد الدَّيْن. القاسم المشترك بين الفرد والدولة هنا هو أنّ سلوكه كل واحد منهما سلوك متهوِّر.

هل الإقبال على أخذ القرض له علاقة بسيكولوجية الإنسان؟

طبعا، هذا السلوك له علاقة بسيكولوجية الإنسان، وأيضا عدم شعور الإنسان وتذوّقه لمعنى الحرية. فحين يأوي الإنسان إلى فراشه وينام، فهذه حرية، والله خلقنا أحرارا، وألا نكون عبيدا لشهواتنا، لذلك فالذي يلجأ إلى القروض لا يعرف معنى هذه الحرية.

الجانب السيكولوجي أيضا موجود لدى الدولة. المغرب مثلا يُصرّ على تنظيم نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ويصرف عشرة ملايير دولار أو أكثر على الترشح لتنظيم هذه التظاهرة؛ لكن المسؤولين لا يتساءلون هل هذا من الأولويات؟ هل انتهت جميع التحديات الاقتصادية والتنموية لنتمسك ونصرّ على السعي إلى تنظيم تظاهرة رياضية مُكلّفة؟

بماذا تفسّرون هذا الإصرار على تنظيم كأس العالم؟

الأمر يتعلق بعقدة نقص. هذه العُقدة نجدها لدى الفرد، متجلية في النمط الاستهلاكي الذي يختاره، حتى وإن كان فوق طاقته. كما نجد هذه العقدة لدى الدولة، التي تسعى إلى أن تظهر أمام الدول الأخرى أنها قادرة على تنظيم تظاهرات كبيرة؛ ولكن في الواقع هل لديها المؤهلات التنموية والاقتصادية والصناعية، وهي أوْلى؟

الدول المتقدمة حين تنظم مثل هذه التظاهرات الكبرى، فهذا لا يؤثر عليها من نواحي أخرى؛ لأنها في الأصل تملك الأرضية الصلبة لتنظيمها، ولا تكلفها ميزانيات ضخمة، عكس الدول التي تحتاج إلى الانطلاق من الصفر.

وكما قلت سلفا، فالدافع السيكولوجي مبني على عامل النقص، خصوصا إزاء الأوروبيين. وهذا ناجم عن ضعف ذاكرتنا العلمية الجماعية؛ لأننا لا ندرُس التاريخ الإسلامي في مجتمعاتنا، ولا نقرأ عن العلماء والعظماء والنظريات الاقتصادية والاجتماعية التي أخذها عنا الغربيون.. ولو كنا مسلحين بهذه المعارف ما كانت لدينا عقدة النقص، ولن نَقبل السعي إلى العيش في مستوى أعلى من إمكاناتنا الحقيقية.

أحيانا تتزامن مناسبات اجتماعية في وقت واحد. أليس هذا مبررا موضوعيا للجوء إلى القروض، خاصة في ظل ضعف القدرة الشرائية للمواطنين؟

قلتُ سابقا إذا كانت هناك ضرورة للجوء إلى القروض، مثل ضرورة إجراء عملية جراحية، أو حتى تمدرس الأبناء، خصوصا حين تسحب الدولة جودتها من التعليم العمومي، عن طريق تقتير الاستثمار هذا القطاع، وكذلك الشأن بالنسبة لقطاع الصحة وغيرها من القطاعات الحيوية، فيُمكن أن نقول إن الضرورة هي التي أملت اللجوء إلى الاقتراض؛ لكن لا يجب أن نرضى بهذا الوضع، ونقول إنه قدر محتوم. يجب أن نعرف أن هذا الوضع، أقصد ضعف القدرة الشرائية للأفراد وضعف خدمات القطاعات الحيوية، مثل التعليم والصحة، خلقته سياسة الدولة، وعدم وجود رأي عام واع بالكفاية للضغط عليها لكي لا تنسحب من القطاع العمومي. الدولة لم تؤهل المواطن ليكون قادرا على إنتاج اكتفائه الذاتي، ولهذا يلجأ إلى القروض لتعويض النقص الذي يعاني منه.