الحمداوي: بوسعيد مجرد "موظف سام".. ومن يحكم لا يُحاسب

الحمداوي: بوسعيد مجرد "موظف سام".. ومن يحكم لا يُحاسب

في الجزء الأول من حواره مع جريدة هسبريس الإلكترونية، يتوقف القيادي في جماعة العدل والإحسان، محمد الحمداوي، عند حدث إعفاء وزير المالية والاقتصاد، محمد بوسعيد، الذي اعتبره "مظهراً من مظاهر الأزمة السياسية في البلاد"، مورداً أن "الوزير في السياق السياسي الحالي هو مجرد موظف سام ضمنَ الجهاز التنفيذي بدون مسؤولية سياسية وإدارية واضحة".

وأشار عضو مجلس الإرشاد (أعلى هيئة تنظيمية داخل جماعة عبد السلام ياسين) إلى أن الجماعة الإسلامية هي جزء من الشعب وما يضرّ المجتمع يضرها، موضحاً أن "أعضاء الجماعة يعيشون ما تعيشه البلاد من المشاكل"، رافضاً إلصاق التهم الجاهزة بأعضاء التنظيم الإسلامي الأكبر في المغرب لأن ذلك لن يحلَّ إشكالات الديمقراطية والعدل والحرية في البلاد.

وهاجم مسؤول العلاقات الخارجية في الجماعة حكومة سعد الدين العثماني، واصفاً إياها بـ"الضعيفة" لأنها تتحمل المسؤولية في ما آل إليه الوضع الاجتماعي بالبلاد، مورداً أن "المغرب أصبح بمثابة قاعة انتظار كبيرة تضيق يوما بعد يوم على أصحابها، داعياً إلى "إيجاد حلول لأن الوضع يحتم اتخاذ مبادرة تاريخية توافقية تجمع كل الكفاءات لطيّ صفحة الاستبداد والفساد وإرساء نظام ديمقراطي".

وفيما يلي الجزء الأول من الحوار:

الخطاب الملكي الأخير بعث برسائل عدة، كيف تلقيتم مضامينه؟

المشكل في المغرب أنَّ الكل تقريباً أصْبح مُجْمعا على أن هناك إشكالا في مجالات حيوية في البلاد؛ وهذا هو الجديد. قبل الآن، كنا، نحن وأطراف أخرى في المعارضة، نؤكد على وجود اختلالات كبيرة في الدولة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي وعلى مستوى تدبير الحكم، الآن أصبح هناك شبه إجماع بين جميع الفرقاء، بما فيهم السلطة الحاكمة، وهذا أمر مهم، حول هذه الاختلالات، سواء على مستوى التوزيع العادل للثروة أو على المستوى التنموي والخدمات المقدمة للشعب.

الخطابات الأخيرة أصبحت تتقاسمْ هذا التأكيد على المشاكل الكبرى، بما فيها مشكل الإدارة وتوزيع الثروة، وهي إشكالات أصبحتْ حاضرة بقوة في الخطب الملكية، غير أن هناك نوعا من المبالغة في تشخيص الداء، لا أقصد هنا أن هناك نقصا في المعطيات، بلْ قيلَ كلام كثير حول هذه الإشكالات وهذه الاختلالات، والمطلوب هو الانتقال إلى البحث عن الحلول وليس الاكتفاء بالتشخيص فقط.

هل ترى الأمر صحيا أن ينتقد الملك الأحزاب والحكومة؟

ستكونُ مسألة صحية إذا ما كانتْ ستفتحُ باباً للعلاج الحقيقي. الواقع في المغرب أن المؤسسة الملكية جزء أساسي في تدبيرِ الشأن العام، ولها مسؤولية مباشرة باعتبارها سلطة تنفيذية، وكذلك على مستوى تدبير المصالح الاقتصادية؛ حيث لها وجود قوي في مجال التصرف في ثروة البلد، فهي إذن طرف أساسي، وعندما يتمُّ الاعتراف بهذه الاختلالات فإن الأمر يستدعي أن ننتقلَ إلى البحث عن حلول ناجعة لما هو كائن.

أنْ يُصبحُ المسؤول الأول في البلاد يتحدث بلغة المعارضة، فهذا يثيرُ بعض الاستغرابْ. فإذا كانَ هذا الانتقاد سيزْرع بذورا جديدة للإصلاح وسيفتح المجال لمرحلة جديدة في البلاد، هنا يُمكِنُ لهذا الكلام أن تكُون لهُ قيمة.

ماذا عن إقالة بوسعيد من الحكومة؟

هذا مظهر من مظاهر الأزمة في المغرب، ينبغي أن نتحدث عن عمق الأزمة لكي نُعالج المشكل. أما قضية الإقالة فإن الوزير في السياق السياسي الحالي هو مجرد موظف سام ضمنَ الجهاز التنفيذي بدون مسؤولية سياسية وإدارية واضحة، وقد سبق أن حدث ذلك في المغرب، بل حدث أن دخل وزراء السجن خلال السبعينات، وقبل بوسعيد تمت إقالة عدد من الوزراء، لكن هل تغير شيء؟ لم يتغير شيء لأن أصل المشكل لا يكمُن في إقالة مسؤول.

(مقاطعا) أين يكمن المشكل؟

المشكل يكمُن في أن النظام السياسي لم يتخذ بعد قراراً شجاعاً في إطار مبادرة حقيقية تنطلق من إرادة حقيقية تضعُ المغرب على سكة التغيير الحقيقية. الآن الظاهر هو أن همّ السلطة هو تجديد السلطوية وقطع الطريق على أي مبادرة تصبو إلى التغيير، وتتسم بالتوافق بين جميع الأطراف في البلاد.

أما إقالة وزير فلن تغير في الأمر شيئا؛ لأن الحكومة الحالية ضعيفة ومهامها السياسية والدستورية محصورة وتفتقد إلى السلطة أمام الشعب، ولا تقوم بتطبيق برنامجها الذي وعدتْ به المغاربة خلال الانتخابات.

لكن هناك من يصفونكم بالعدميين لكون الجماعة تتجاهل التقدم التدريجي الذي حقّقه المغرب، وحتى في خطاب الملك الأخير كانت هناك إشارة إلى هذه النقطة.

هذا الكلام كانت ستكون له قيمة لو قيلَ قبل مدة. الجماعة كانت تقول بشكلٍ صريحٍ بأنَّ هناك اختلالات يجب أن تعالج وبأن هناك حفنة قليلة من المغاربة تستحوذُ على الثورة الوطنية، وكانت تشير إلى اختلالات في تدبير الحكم، هذا ما كانت تردده الجماعة خلال السنوات الماضية، وقد كنا نوصف وقتئذٍ بأننا عدميون، أما الآن ما نقوله نحن يردده الآخرون وأقرَّ به الجالس على العرش.

أظنُّ أن هذا الكلام لم تعد له قيمة لأن الوضع في المغرب أصبح مكشوفاً، لا أحد يمكن أن يزايد على من يطالب بالإصلاح.

ما رأيك في طقوس البيعة التي تتم كل سنة؟

نحن دائماً كنا نرفضُ هذه الطقوس التي يمرُّ بها حفل الولاء، كان ينبغي ألا يكون بهذه الطريقة المرفوضة شرعاً وعقلاً ومنطقا في الوضع الحالي الذي نعيشه، أنا أقول إنه ينبغي أن ينصب الاهتمام على الأمور الكبرى لأن المغرب الآن بمثابة قاعة انتظار كبرى تضيق يوما بعد يوم على أصحابها، وبالتالي يجب التركيز على الأمور التي تبحث في إيجاد حلول لأن الوضع يحتم اتخاذ مبادرة تاريخية توافقية تجمع كل الكفاءات لطيّ صفحة الاستبداد والفساد وإرساء نظام ديمقراطي.

لكن الإصلاح التوافقي يكون من داخل المؤسسات، وليس من خارجها.

عندما تكون هناك مشاكل في البلد ويكون هناك نقاش بين المعارضة والحكم، فالتوافق يقتضي وجود كل الفرقاء والأطياف الفاعلة في المجتمع. السلطة في المغرب جزء من المشكل ويجب أن تكون جزء من الحل في سياق معين، لأن المغرب هو بلد لجميع أبنائه، والمعارضة، سواء من داخل النسق أو خارجه، ينبغي أن يكون المجال مفتوحاً أمام الجميع، وإلا فإن الشكل التي تدار به الأمور في المغرب لا يبشر بالخير ولا يسوق البلاد إلا إلى مزيد من الاختلالات ويضيع الفرصة على هذه الأجيال والأجيال المستقبلية في اتجاه حلٍّ يضع المغرب في مصاف الدول المتقدمة.

هل أفهم من كلامك أن المشكل في طبيعة النظام السياسي؟

أنا أقول إن المشكل في المغرب سياسيٌّ، بمعنى أن من يحكم لا يُحاسب، والذي يختاره الشعب لا يسير ولا يحكم، فالمفروض أن من يحكم ينبغي أن يُنتخب من جانب الشعب ويتحملًّ المسؤولية في الحكم والمحاسبة، وهذا الآن غائب، ولهذا تجد تملص بعض الأحزاب من مسؤوليتها؛ حيث إنها تعلم أن لها حدودا معينة ولا تمتلك سلطة اتخاذ القرار، ولكن تستمر في اللعبة السياسية.

ما هو معلوم في كل بقاع العالم أن من يتواجد في مركز القرار ينبغي أن يقدم الحساب للشعب على أساس أنه هو من يدير الحكم في البلد.

في المغرب لا تذكر الاحتجاجات إلا وارتبط بها اسم الجماعة، كيف تفسر هذا الأمر؟

أظن أن هذا الأمر لم يعدْ يصدّقهُ أحد بحكم اتساع رقعة الاحتجاجات المتزايدة بالمغرب، فالجماعة هي جزء من الشعب وما يضرّ المجتمع يضرنا، وأعضاء الجماعة يعيشون ما تعيشه البلاد من المشاكل. والآن، بعد ما جرى في الريف وجرادة أصبح الطابع العام هو "احتجاج شعب" لأن المعاناة أصبحت كبيرة، هم الآن يريدون إلصاق هذه الاحتجاجات بهذا الطرف أو ذاك وهذه مجرد مزايدات فارغة، لأن المطلوب الآن هو تفهم هذه الاحتجاجات والبحث عن حلول حقيقية.

هل يعني هذا أن الحكومة الحالية أصبحتْ متجاوزة؟

الحكومات في إطار النظام السياسي المغربي كانت دوماً "ضعيفة" لأن الذي يحكم في البلاد هو المؤسسة الملكية، وإلى حد الساعة، ليس هناك شراكة وتفويض سياسي بين الأحزاب والمؤسسة الملكية لتدبير الحكم، وبالتالي فإن الأحزاب تطبق جزء من برنامجها العام الذي يحدده الفاعلون الرئيسيون في البلاد. وهكذا تظلُّ الحكومة بدون أي فعالية وليس في يدها الحل والعقد كما يُقال للمشاكل الكبرى التي تعرفها البلاد.

يرى الكثيرون أن تجربة الحكومة الحالية قد أضرت كثيراً بحزب العدالة والتنمية؟

المتضرر الرئيس هو الشعب، لا النظام ولا الأحزاب التي تدخل ضمن دائرته، يبقى الحيز الأوفر من المعاناة يتكبده الشعب والطبقة المتوسطة، أعتقد أن الذي اختار أن يغير في ظل هذا السياق الحالي طبيعي أن يحدث له ما حدث لحزب العدالة والتنمية، وهو الوضع نفسه الذي عاشه حزب الاتحاد الاشتراكي خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي؛ حيث إن النظام السياسي لا يقبل بك شريكاً معه في تدبير الشأن العام أو في التغيير، هو يقبل بك لأنك موظف دخلت إلى دائرة الحكم وفق شروطه هو وقبلت بقواعد اللعبة فينبغي أن تنضبط لهذه القواعد التي تسمح لك بالاستفادة مادياً والاغتناء السريع، وهكذا يصير المجال السياسي مجالاً لشراء الذمم ولإسكات الأصوات المزعجة وفصل النخب عن قاعدتها الاجتماعية.