السعدي: الملكية البرلمانية تجسّد معنى ربط المسؤولية بالمحاسبة

السعدي: الملكية البرلمانية تجسّد معنى ربط المسؤولية بالمحاسبة

بالرغم من التأكيد على أن مدونة الأسرة مكنت من تحقيق مجموعة من الحقوق لفائدة النساء، فإن محمد سعيد السعدي، الوزير السابق في حكومة عبد الرحمان اليوسفي، شدد على أن تطبيقها عرف عراقيل وعثرات.

وأوضح الوزير، الذي أشرف على الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، في حواره مع جريدة هسبريس الإلكترونية، وهو يكشف بعض تفاصيل إخراجها إلى حيز الوجود، أن تدخل الملك كان حاسما لإنصاف المرأة، خاصة بعد إصرار عبد الكريم الخطيب على وجود علماء محافظين في اللجنة المشرفة على ذلك.

وأكد الوزير التقدمي السابق أن الوزيرة بسيمة الحقاوي، ومعها حزب العدالة والتنمية، التي عارضت خطته حينها وكذا اتفاقية سيداو، يجرون المرأة إلى الخلف ولا يحدثون أي تغيير لصالحها.

وعلى إثر إقالة الملك محمد السادس لمحمد بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، شدد الوزير السابق سعيد السعدي على أن هذا المبدأ يجب أن يتم تطبيقه على مختلف المستويات، من أعلى سلطة بالبلاد إلى أدنى مستوى، حتى يكون له معنى.

أشرفتم على الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، كيف تقيمون وضعية النساء بعد 14 عاما من صدور مدونة الأسرة؟

لا شك في أن اعتماد قانون الأسرة سنة 2004 شكل تحولا في معالجة قضية المساواة بين الجنسين وحقوق المرأة بصفة عامة، بالخصوص في الجانب القانوني؛ لأن إشكالية المساواة، كما طٌرحت في الخطة، كانت لها عدة 4 أبعاد: أولها مرتبط بالتربية والتعليم، والثاني بالصحة، وآخر بالتمكين الاقتصادي ومحاربة تأنيث الفقر، ثم التمكين السياسي والقانوني، حيث دعونا إلى ضرورة مراجعة مدونة الأحوال الشخصية، بالتالي ما تم التطرق له هو الجانب القانوني من خلال سن قانون الأسرة.

ولكن الاهتمام بالجوانب الأخرى تم بشكل جزئي انطلاقا من حكومة التناوب، حيث في الجانب التعليمي، بذل مجهود كبير لتحسين مستوى تمدرس الفتيات في القرى.

كان هناك تحول والعديد من الحقوق تم التنصيص عليها، سواء فيما يخص المساواة والطلاق والولاية التي أصبحت تمتلكها الفتاة للزواج مع المباركة التي تبقى من التقاليد، والحق في نصيب مما يتم تراكمه خلال مرحلة الزواج، لإنصاف المرأة التي تخرج بدون شيء، علما أن المرأة في المنزل تشتغل؛ لكن مع الأسف هذا غير معترف به على صعيد الثروة الوطنية، بالرغم من كونه عمل يدخل في إطار الاقتصاد المرتبط بالعناية، وهذا ملف جديد يجب أن نتطرق إليه ونذهب في اتجاه المساواة حتى فيما يخص الاهتمام بالمنزل.

هذا التغيير أدى إلى بروز حقوق، لكن في التطبيق رأينا عراقيل وعثرات خاصة فيما يخص العقليات والقضاء، وقدرة النساء على تملك الحقوق، حيث هناك ارتفاع زواج القاصرات، وإشكالية النفقة وما ارتبط بها على صعيد المحاكم، وهذا يحيلنا على مشاكل مواكبة القوانين، ثم الأمية المتفشية في الوسط القروي في سنة 2018.

لنتحدث عن بداية الخطة. كان عبد الرحمان اليوسفي ترأس لجنة واعترض عليها الخطيب، ثم قام الملك بتعيين لجنة

(مقاطعا) الخطيب لم يعترض على اللجنة فقط، وإنما طلب بأن تتم إقالتي من الحكومة، وضغط لتكون اللجنة بشكل يعطي الأغلبية للعلماء المحافظين، وهذا ما جعل اللجنة تتعثر في أشغالها، حيث تم تعويض إدريس الضحاك بمحمد بوستة. وبالرغم من تغيير الرئيس لم يتزحزح الطرف المحافظ عن مواقفه خاصة فيما يتعلق بالولاية في الزواج، لكن التدخل كان حاسما من لدن القصر الملكي كي يتم إنصاف المرأة والأخذ بالعديد من اقتراحاتنا في الخطة، بل تم الذهاب أبعد مما جاء فيها.

هل كانت لكم اتصالات مباشرة بالملك حينها؟

رسميا، لم يكن ذلك، سوى مرة واحدة فقط.

حول الخطة؟

يتحفظ عن الإجابة.

محمد يتيم هاجمك ومجموعة من الأشخاص وكال لك الاتهامات. هل تعتقد أنه غيّر رأيه الآن؟

نحن ثلاثة أشخاص ممن كتب عنا عبد العالي بنعمور رئيس جمعية بدائل، محمد العيادي الذي كان يدير برنامج مناظرات في القناة الثانية، بالإضافة لي. أنا لدي رأي واضح هو أن التجارة في الدين ليست في صالح السياسة ولا في صالح الدين.

يعني أنهم يتاجرون بالدين؟

نعم، ماذا قدموا لهذا البلد؟ أية مشاكل تم حلها؟ سياسة تقشفية، الآن حركات اجتماعية، فقدان العمل السياسي، وطبعا هم استفادوا من ذلك وأكده رئيسهم.

في نفس منصبكم السابق، الحقاوي التي عارضت خطتكم توجد على رأسه وتدافع عن المرأة. كيف ترى ذلك؟

عارضت الخطة، وعارضت اتفاقية سيداو، وكانت تعتبر أن النوع الاجتماعي مفهوم دخيل ويحث على المثلية. وضغط نواب العدالة والتنمية آنذاك على عبد الحميد عواد، وزير التخطيط، من أجل حذف النوع الاجتماعي الذي تم التنصيص عليه في تقرير كان يعد لذلك.

يعني هل هي تعيق تنمية المرأة؟

دعني أقول لك بأن تقريرا يصدر في جنيف حول الهوة النوعية. سنة 2011 كان المغرب بالرتبة الـ122، وفي 2015 صرنا في مراتب متأخرة جدا. وهذا المؤشر يقاس من خلال أربعة ميادين؛ منها المشاركة في الحياة الاقتصادية، إذ هناك 22 في المائة للنساء، وهذا ميز فاضح للمرأة، ثم التراجع الخطير في التعليم.. بالتالي، هذه المؤشرات تبين أن حصيلة الوزارة متدنية ولا تشرف.

هل يمكن القول بأن حزب العدالة والتنمية يؤثر على وضعية المرأة وتطورها؟

يجرونها إلى الخلف، لأنهم لا يتوفرون على تصور مجتمعي متكامل يضع المرأة في صلب اهتمام السياسات العمومية؛ لأن الوزيرة تؤكد على أنهم من دعاة التكامل في الأدوار، لأن النساء تتم إعالتهن ودورهن في البيت وهذا ما أكده بنكيران بالمرآة ثريا. لذلك أقول بأنه لم أر أشياء تجعلني أجيب بالإيجاب عن تطورها.

بالرغم من وجود نساء في الحكومة لا يؤكد تطورا في قضية إنصاف المرأة؟

أبدا. وأعطي مثالا آخر، حين قدوم الحكومة، السياسات المطبقة تقشفية واضحة، فالميزانية العامة للدولة، في التزامات الحكومة سنة 2012 اتجاه صندوق النقد الدولي، طلب المغرب خطا ائتمانيا للسيولة والوقاية، مقابل ذلك هناك التزامات فيها تقليص الإنفاق العمومي مقارنة مع الناتج الداخلي الخام بشكل كبير إل حدود 2022، بالتالي ليس هناك أية آفاق تدعو إلى التفاؤل بالنسبة للاقتصاد المغربي.

لنعد إلى مسألة المساواة، خاصة بعد تصريحات لشكر، أنتم بدوركم تعرضتم لذلك سابقا؟

هذا عادي، بدورنا عند طرح الخطة، ودعوتنا إلى منع التعدد، قيل فينا ما لم يقله مالك في خمر.

تعرضتم للتهديد؟

طبعا، وبعد ذلك تم التصويت بالإجماع على إصلاح المدونة بما فيهم من كانوا أشد المعارضين (ثم يضحك).

مثلا أحدهم وهو برلماني منذ تلك الفترة ويعد مفكرا، اتهمني في ندوة له بحصولي على 20 مليون دولار لتمرير الخطة من طرف البنك الدولي، وآخر في جريدة العصر التابعة لحزب العدالة والتنمية آنذاك، كتب يشكك في وطنيتي وبأني "بعت الماتش" للصهيونية.

دعني أقول لك، بأن كل من يحاول أن يحدث تغييرا جوهريا في المجتمع يقابل بالتهجم وحتى التهديد وبعد مرور الوقت يتبين أنه كان على حق.

ألم تتخوف من التعرض لتهديد؟

اتخذت إجراءات أمنية لحمايتي شخصيا وحماية أسرتي الصغيرة؛ لأن جماعة للتبليغ في الشمال كانت قد طالبت بإهدار دمي.

لننتقل إلى حزبكم، كيف ترى استمرار تحالفه مع حزب ناهضكم؟

باش نجيك من لخر، هذه علاقة مصلحة. المفروض أن حزبا بالحكومة يقوم بالمراجعة والتقييم ويراجع ذاته ويمكن العودة إلى المعارضة أو الحكومة على غرار حزب الاستقلال، لكن هادو ما بغاوش. منذ 20 عاما ما هي النتائج خاصة بعد 2012؟

يعني أن هناك مصلحة لبنعبد الله؟

طبعا. سأفاجئك، شهرين أو ثلاث قبل انتخابات سنة 2011، كان مسؤولو الحزب يعتبرون تحالف الحزب مع "البيجيدي" خطا أحمر، وسنة 2010 في المؤتمر الذي أفرز بنعبد الله أمينا عاما بعد عملية التزوير التي وقعت، كانت الأطروحة تؤكد أن التحالفات لا يمكن أن تخرج عن القوى اليسارية، القوى الديمقراطية ثم الحداثية، وهناك انتقاد للمتاجرة في الدين وإقحامه في السياسة، وسبحان الله في 2011 يتحالفون. فأي منطق هذا إن لم تكن المصالح هي التي تخدم وتوجه ممارسة هذه القيادة؟

ألا ترون أن مشاركتكم في الحكومة أثرت على الحزب؟

سنة 2016 لم يعد لهم فريق وصارت لهم مجموعة نيابية بفضل اللائحة الوطنية، إذ حصلوا على 7 مقاعد فقط. مع الأسف، يجب أن يراجعوا أنفسهم وأن يعودوا إلى أحضان عائلتهم وهي القوى اليسار.

قبل أيام، أعفى الملك محمدا بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية، كيف قرأت ذلك؟

تفاجأت لأنه لم يكن تفسير لدواعي الإقالة، لكن بعد تمعن رأيت أن الأمر يتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة، وهذا إيجابي بشرط أن يتم تعميمه على مختلف المستويات والمسؤوليات وأن يتم تقييم سنوي لأداء كل وزير وعضو بالحكومة. وانطلاقا من ذلك، يتم إما التأكيد أو الإقالة؛ حتى يكون هناك نوع من التتبع المستمر وعدم التراخي في تحمل المسؤولية.

بالإضافة إلى ذلك، فما رشح من معلومات حول الإقالة يبين أن هناك أسبابا خطيرة، حيث تم الحديث عن وجود تضارب للمصالح، إذ تم تمتيع وزير وهو رجل أعمال في الوقت نفسه ما فوّت على ميزانية الدولة 40 مليار سنتيم، وهذا يجعلنا نطرح قضية تضارب المصالح، إذ هناك رجال أعمال يدبرون أقطابا وزارية وهذا خطر، حيث يتم الاستفادة من الحكومة لتحقيق مكاسب مالية واقتصادية، وهذا يحيلنا على الفصل 36 من الدستور الذي يدعو إلى محاربة تضارب المصالح والاحتكار والريع والمنافسة غير الشريفة، والذي يجب ترجمته في إجراءات وقوانين ليكون حاجزا دون الاغتناء غير المشروع.

ماذا يفهم من عبارة الديوان الملكي بأن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة سيطبق على جميع المسؤولين مهما بلغت درجاتهم، وكيفما كانت انتماءاتهم؟

هذه مفتوحة للتأويل، وأعتقد أنه يقصد الإدارة وكل من يتحمل المسؤولية داخل جهاز الدولة، وكذلك الأحزاب حيث يبين أنه لم يكن حزب معين مستهدف؛ بل إن حزب التجمع الوطني للأحرار بدوره معرض لذلك، بالتالي كل الأحزاب يمكن أن تعرف نفس المصير إذا أخل المنتسبون إليها بالمسؤولية.

ما الحل للقطع مع مثل هذه الممارسات وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

هناك عدة مقاربات، عبر إعطاء المثل، والمشاركة الشعبية في صنع السياسات وتتبع التنفيذ والمراقبة، ودعم الدور الأساسي للأحزاب التي يجب أن تراجع نفسها، ثم المجتمع المدني الملتزم والجدي والحركات الاجتماعية.

أعطيك مثالا، قضية مشروع منارة المتوسط الذي لم ينفذ، فلو تم إشراك الشباب في بداية تصوره للحرص على تنفيذه والضغط من أجل إطلاق إشعارات الإنذار إن كان هناك تخاذل، لم نكن لنصل إلى ما نحن عليه من اعتقال نشطاء؛ لأنهم طالبوا بحقوق اقتصادية واجتماعية ولم يجرموا ولم يهددوا أمن البلد ويقبعون في السجن.

كيف يمكن أن يكون هناك معنى لربط المسؤولية بالمحاسبة؟

حتى يكون لربط المسؤولية بالمحاسبة معنى، يجب أن يتم تطبيقها على مختلف المستويات، من أعلى سلطة بالبلاد إلى أدنى مستوى.. وكي يكون ذلك ممكنا مع الاحتفاظ للملكية برمزيتها ودورها في توحيد البلاد وتوحيد الأمة، يجب أن يكون هناك نظام يجمع ما بين الملكية والديمقراطية. وهذا لا يمكن أن يكون إلا في ظل ملكية برلمانية، حيث يحاسب من يقررون في السياسات العمومية.

الآن هناك ملكية تنفيذية، الملك من يقرر، ولا يحاسب من خلال الدستور، وكي نذهب إلى عمق الديمقراطية وحتى في مصلحة الملكية، يجب أن يتم جعل نوع من الالتقائية بين مبادئ الديمقراطية والحفاظ على الملكية وشرعيتها التاريخية ورمزيتها وتمثيلها لمختلف شرائح المجتمع المغربي.

الملك تحدث عن الشباب. هل ترى أن هؤلاء القادة الحزبيين سيتعاملون بالجدية مع ذلك؟

هذا إشكال كبير، وفي الوقت نفسه اعتراف بأن المشهد السياسي يعرف خللا كبيرا يجب تجديد الدماء فيه. شخصيا، لدي نوع من التحفظ؛ لأن الدولة لها مقاربة خاصة، وتتدخل فيما يجري بالأحزاب، ويمكن أن تدفع بجزء من الشباب للذهاب إلى الأحزاب.

الدولة اليوم يجب أن ترفع يدها عن الأحزاب لتكون مستقلة ولها المصداقية آنذاك سينخرط فيها الشباب، كما أن الأحزاب يجب أن تطبق الديمقراطية الداخلية وأن تقدم عرضا سياسيا جديدا لأن العروض تتشابه، فبالنظر إلى أحزاب حكومة "سبع خضاري" فهي متشابهة علما أنها من مرجعيات حد التناقض.

في ظل هذا الوضع الاجتماعي، أين تبحر سفينة المغرب؟

أنا متخوف من المستقبل إذا لم يكن هناك نوع من الصدمة القوية للمجتمع لفتح أبواب الأمل، خاصة لدى الشباب الذي يعيش معاناة يومية كبيرة؛ فهناك حوالي 3 ملايين من الشباب لا يوجدون في العمل أو في الجامعة. وبالتالي، فهذه قنبلة موقوتة، ونحن نحتاج إلى تغيير التوجه إلى مشروع مجتمعي يعيد الثقة إلى شعبنا وينبني على إحقاق العدالة الاجتماعية، الحرية الديمقراطية، الاستقلال الاقتصادي؛ لأننا صرنا مرتهنين للبنك الدولي.

هذا هو الكفيل لإرجاع الأمل إلى شعبنا، وهذا لن يسقط من السماء، بل يتطلب نضالات اجتماعية من لدن المتضررين في إطار حضاري سلمي لتحقيق الحقوق التي يقرها الدستور.