القري: "الصورة الوطنية" تساهم في بناء مشروع المغرب الديمقراطي

القري: "الصورة الوطنية" تساهم في بناء مشروع المغرب الديمقراطي

يكشفُ الناقد الفني وأستاذ مادة الفلسفة إدريس القري الحاجة الضرورية إلى إعادة التفكير بشكل شمولي وجذري في الممارسة الثقافية وموقع الصورة داخل مشروع التنمية الثقافية.

ويوضحُ القري، في حوار أجرته معه هسبريس، أهمية الصورة في تشكيل وتوجيه الحياة اليومية للناس، داعيا الدبلوماسيين والسياسيين والجمعويين إلى الاشتغال على الصورة الوطنية من أجل "الدفاع عن البلد، وترسيخ ثقافته وأصالته وتمكينه من المساهمة في بناء مشروع المجتمع المغربي الحداثي الديمقراطي".

وحديثا عن المشهد السياسي، يتوقف القري عند الخطاب السياسي، الذي يعتبره "غير ذكي وغير فعال، وغير تواصلي"، مشددا على ضرورة دفع الشباب إلى مراكز القرار، وتجديد النخب السياسية، كما أورد خطاب العرش الأخير.

إليكم نص الحوار.

على غرار بقية الفنون المرئية كالسينما والرسم والنحت، هل يحظى فن الفوتوغرافيا بالاهتمام الكافي؟

السؤال مهم جدا، والجواب عليه هو جواب جدلي، حضور الصورة الفوتوغرافية، عموما، ليس الفنية، في المغرب، هو حضور قوي جدا، من الناحية الكمية، وكما هو معروف اليوم الكل مسلح بآلات التصوير، على الأقل عن طريق الهاتف المحمول الذكي. كما أن الممارسين الشباب، الذين يشتغلون بآلات تصوير حقيقية، مختلفة الأشكال والأحجام، يُعدون بالآلاف، ومرتبطين بشغف كبير ورغبة قوية بفن الفوتوغرافيا، ويحاولون الانتقال من الممارسة الفوتوغرافية العادية إلى محاولة دخول ميدان وحقل الممارسة المحترفة في المغرب، انطلاقا من شبكة التواصل الاجتماعي، إذ إن العديد من الشباب يتجهون نحو الصورة، لأنهم يعلمون أن التواصل البصري أصبح أحد القنوات المُفضية إلى إمكانية بناء مستقبل ما، والانفتاح على العالم.

ولكن مقابل هذا الانفتاح الكمي والوعي المحدود بأهمية الصورة الفوتوغرافية، نلاحظ أن هناك غياب ما يمكن أن نسميه إدماج واندماج الصورة الفوتوغرافية داخل الحياة اليومية الثقافية والاجتماعية للناس. وأقصد أن استيعاب أهمية الصورة في التواصل والتربية الذوقية وفي توجيه أنماط سلوك المواطن داخل المجتمع غائب، ولازال تصور الشباب للصورة الفوتوغرافية يغلبُ عليه طابع الانبهار والاندهاش، والخلط بين لذة الممارسة وتبريز الأنا من أجل غد أفضل؛ أما مرافقة هذا الاهتمام بالوعي الضروري وبخطورة هذه الأداة، التي نقول إنها سلاح، وبالتالي التأطير داخل جمعيات جدية تحمل مشاريع، وتحمل رؤية وتصور لجعل الصورة جزءا من نسيج التواصل العام والجماهيري، فهذا ما ينقصنا.

التحولات التي تواكبُ تطور المجتمع فرضت الانتقال من الكتابة الأبجدية إلى الكتابة الفوتوغرافية، لكن ما سجلته في كتابكَ "عتباتٌ في الجماليات البصرية" هو أن الدارس للفوتوغرافيا يلاحظ غياب البعد الفكري العميق في معالجة مفاهيم الجمال في الصورة الفوتوغرافية، أين تكمن أهمية التفكير البصري؟

ذكرتني، بداية التسعينيات من القرن الماضي، بمدينة مكناس، حيث كنت أشتغل آنذاك مدرسا للفلسفة، بالثانوي، وكنا قد أسسنا جمعية ترأستها، نظمنا معارض وندوات للتفكير وللنقاش وللتحليل ولتبادل الآراء حول الصورة الفوتوغرافية، بالموازاة مع عروض سينمائية، وكان رد الفعل على المستوى الوطني مشوبا بنوع من الإعجاب والاستغراب، لأن الناس كانوا يعتقدون أن الحديث عن الشعر والرواية، وعن القصة والنقد الأدبي، هو أقصى ما يمكن أن يقوم به المثقف والجمعوي، ولم يكن هناك وعي بأهمية الصورة، ليس فقط باعتبارها موضوعا للتفكير، ولكن موضوعا للممارسة اليومية المُواطنة التي تسعى إلى تحقيق معنى المواطنة ومعنى المشاركة وتقاسم الحياة السياسية والشأن المحلي.

ومنذ ذلك الحين لم تنقطع أعمالنا في هذا الميدان، والدورة التأسيسية التي قمنا بها للمهرجان الدولي لفن الفوتوغرافيا "الرباط مدينة الأنوار" هو تتويج ومحاولة تأطير من أجل انطلاقة محترفة، حقيقية، لممارسة الصورة والتفكير فيها، والإبداع فيها داخل الحقل الثقافي بالمغرب عموما.

باختصار، ممارسة التعامل مع الصورة داخل السياق الثقافي، لينتقل من المستوى الاستهلاكي الكمي إلى مستوى التوظيف الإجرائي العملي، أعتقد أن المسألة تتوقف على إجراءات كثيرة، أساسها، كما ورد في خطاب عيد العرش لهذه السنة، أن هناك حاجة ملحة إلى إعادة التفكير بشكل شمولي وجذري في الممارسة الثقافية وموقع الصورة داخل ما يمكن أن تنسميه بمشروع التنمية الثقافية.

ومن جهة، يمكن القيام بسلسلة من المبادرات، أولا، تشجيع العمل الجمعوي وتوسيع آفاقه، الوعي بأن تمويله مسألة إستراتيجية أساسية على أساس تصورات ومشاريع مضبوطة، وليس أي مبادرة كيفما كانت، ثم دعم النشر والإنتاج الإبداعي وتوفير الظروف الملائمة له، استقطاب الشباب وتأطيرهم، وعلى المدى البعيد، وضع تصور حقيقي لإدماج درس الصورة داخل التعليم، انطلاقا من التعليم الأولي، والانتباه إلى أن كل صورة تصدر عن الدولة ينبغي أن تكون تحت طائلة وعي كامل بكل مكوناتها وبما تحمله من رسالة ورموز. ويكفي أننا كل يوم عرضة لملاين من الصور التي تغزونا من كل الآفاق. ينبغي على الأقل أن يكون لنا سلاح مضاد لحماية نفسنا.

في نظرك، هل التعليم وحده يكفي لتنمية حس الصورة الفوتوغرافية، وتخليق الحس الفني البصري؟

إعادة بناء تصور للصورة لا يحتاج فقط إلى التعليم، ولكن الأساس هو التعليم، لأن الأمر يتعلق بجيل بعيد السبعينيات، فيه انفلاتات نادرة جدا لأناس يعون معنى الصورة وخطورتها في تشكيل وتوجيه الحياة اليومية للناس. ولدينا جيل آخر، كميا تواجَدَ مع الصورة وتحولها إلى موقع مركزي في حياة الناس في التواصل الجماعي، ولكن غير مندمجة في سياق التربة الثقافية الخاصة به، أو ما يمكن أن نسميه المتخيل الجمعي.. لا توجد الصورة، وحتى إن كانت، فهي متشنجة ومتأزمة، وعندما نقول الصورة فأول شيء يخطر بالبال هو الجسد، بصفة عامة. لدينا إشكال مع الجسد، عندما يكون جامدا، مستعدا ليكون موضوعا للذة والمتعة، لا يكون لدينا مشكل، وبمجرد ما يتحول إلى كيان ذي إرادة، ووعي، له الحق في المبادرة، نكون مأزومين، وهذا أمر معقد، يمكن أن نفسره بالانثروبولوجيا السياسية وبأنثروبولوجيا الصورة وبتاريخ الثقافة العربية بصفة عامة. ولكن نحن بصدد التخلص من هذه الأزمات، والمجتمع في صراع التحول من التقليد إلى الحداثة، وهو ما يفسر الحوار والغليان، والأسئلة التي تحظى الآن بنقاش شعبي وعمومي، في جزء كبير منها هي أسئلة مفتعلة، وقضايا هامشية، لا تذهب إلى الجوهر. وأمام هذه التحولات، هناك مقاومة، ولكن البقاء فيها طويلا يجعل المياه أكثر آسنة.

وأهمية التعليم تكمن في أن يتصالح أي جيل مع جسده ومع الصورة. ولن يكون أي مشكل.. الإشكال الآن بالنسبة للأجيال التي لها القرار، وتحتل أهم المواقع، وليست متآلفة مع الصورة؛ وبالتالي يجب أن نراجع توظيف الصورة في التلفزيون.. وأنا أقول الصورة بنوعيها، الثابتة والمتحركة، وأقول إنه لا يمكن أن نتخيل سينمائيا أو تشكيليا أو متخصصا في الفيديو يشتغل على الصورة ولا يعرف معنى الصورة الفوتوغرافية.

أنتم في الجمعية المغربية للصورة احتفلتم بأول نسخة للمهرجان الدولي لفن الفوتوغرافيا، ما هي البرامج المقترحة لتركيز النقاش حول الصورة الفوتوغرافية؟.

هناك جمعيات وأطر تحتفي بالصورة، وتخلق مناسبات سنوية للنقاش حولها ولإنتاجها، ولكن بصراحة، نحن أمام نوعين، إما أطر تحتفي بالصورة بشكل بسيط، وبشكل شبابي، بجمع ثلة من الشباب ليحتفلوا في ما بينهم، لكنهم لا يرقَون إلى مستوى التفكير في الصورة بشكل عميق، يكون له إشعاعه وتأثيره، لأنه عندما نحتفي بالصورة فنحن نَوَعِّي ونحسس بأهميتها، ننمي الذوق، وندعو إلى التفكير فيها لأنها تفكر في المجتمع. ولكن لا يمكن أن ننسى أن أحسن سفير ممكن للبلد، ولبناء صورة البلد، ولممارسة ما نسميه الدبلوماسية الموازية، ليس هناك أفضل من الصورة.

وهذا ما لا يفهمه الكثير من الناس، فاشتغال الدبلوماسيين والسياسيين والجمعويين على الصورة الوطنية هو اشتغال على واجهة الدفاع عن البلد، عن ترسيخ ثقافته وأصالته وتمكينه من أدوات حقيقية لبناء الوعي المدني داخليا والمساهمة في بناء مشروع المجتمع المغربي الحداثي الديمقراطي، والدفاع عن هذه الصورة خارج المغرب.

وكلنا واعون في الجمعية المغربية للصورة بأن كل الأنشطة التي قمنا بها داخل البلد لم تكن إلا سلما نصعد درجاته لنتوج الجميع بتظاهرة وطنية تليق بعاصمة متجذرة في التاريخ. وغير معقول ألا تتوفر عاصمة الأنوار على موعد سنوي بحجم دولي حقيقي يجمع كبار المصورين ليروا المغرب بعيونهم المحترفة المبدعة والكبيرة. وكل اسم من تلك الأسماء يساوي ملايين الصور التي ستغير لنا صورة المغرب لدى صناع الصورة خارجه، ويكفي أن نعلم أن إحضار واحد منهم للاشتغال على العاصمة بشكل رسمي سيكلف الدولة عشرات الملايين من الدراهم، في وقت نظمنا مهرجانا ببضعة آلاف درهم.

من الفن إلى السياسية..ما تقييمك لمستوى العمل السياسي بالمغرب؟

قلنا إنا سننطلق من الفكرة السابقة نفسها، وهي أننا في دولة في طور التحول، وبالتالي التوجه نحو الحضور القوي. وأعتقد أن هذا ما يحمله مشروع الدولة المجتمعي في الساحة العالمية. وهنالك حركية في المغرب رائعة ودؤوبة على مستوى بناء البنيات التحتية، وإعادة تأهيل المراكز الحضرية والقروية، بشكل لم يسبق له مثيل، وهناك مواكبة للاشتغال على البنيات التحتية للتكنولوجيات التدبيرية والتسييرية، وهذا ما أشار إليه الخطاب الملكي، وسطر عليه وألح عليه داخل الإجراءات الاستعجالية.

وينبغي إعطاء كل ذي حق حقه، فالنخبة السياسية الحالية أكيد أن جزءا كبير منها تجاوزه الركب، تكوينه، تجربته، استيعابه للواقع، درجة شجاعته وتمسك بصلاحيته الدستورية الثابتة.. أكيد أن هناك بعض القصور وبعض الخلل.

وبفضل تجربتي في الميدان الثقافي والسياسي قابلتُ وزراء ومسؤولين، وكثيرا ما يتعلق الأمر بأشخاص، بخبرتهم وشجاعتهم ونزاهتهم؛ فقد تقابل وزيرا أو كاتبا عاما وتجد أنه سلبي، ينتظر ولا يستطيع أخد المبادرة، تحت يافطة القانون أو منطق الإدارة أو التسلسل في السلطة، وقد تجد وزيرا أو كاتبا عاما أكثر من مستعد لممارسة صلاحياته حتى آخر نقطة فيها، يأخذ المبادرة ويحل المشاكل، وأحيانا يتصل بمسؤولين آخرين ويوظف كاريزمته وعلاقته كي يساعدك على حل المشاكل.

أعتقد أن هذا الأمر ينطبق على المنتخبين كما ينطبق على المسوؤلين السياسيين والإداريين، فالأمر يتعلق أيضا بتجديد النخب داخل الأحزاب، كما أكد عليه الخطاب الملكي، عندما قال إن الأحزاب تقوم بدورها لكن عليها أن تشبّب أكثر. ربما المقصود بالتشبيب هو دفع الشباب إلى مراكز القرار داخل هذه الأحزاب. ربما نحتفظ بالنخب الحكيمة التي لديها تجربة كبيرة. لكن لا ينبغي أن تتوقف عند إسناد المهام والمسوؤليات، والدفع بالشباب نحو هذه المسوؤليات.

كيف يمكنك على المستوى السيميائي تحليل الخطاب السياسي؟

الخطاب السياسي في المغرب، خاصة الخطاب الصادر عن الأحزاب، وعلى مستويات موازية لها، مع كامل التقدير والاحترام هو خطاب غير ذكي وغير فعال، وغير تواصلي بالمعنى الناجع للكلمة.

كيف أن الأحزاب تتوفر على الإمكانيات الهائلة وهي شبكة التواصل الاجتماعي والإنترنيت، بما فيها من تطبيقات، ولا تستغلها، وعندما تستغلها، يكون ذلك بلغة الخشب، أو بمبادرة غير ذكية، مثل تصوير الأمين العام لحزب معين ببذلة رسمية ثقيلة، بروتوكولية، يتحدث بلغة عربية فصحى، أو بالفرنسية، ويكرر كلاما سُمع واستهلك بما فيه الكفاية، وتقديمه بصفته المتعالية كسلطة حزبية، في وقت أتحدث إليه، وأبلغ كلامي للجماهير، بالمعنى العام، أي العامة، بالمعنى الرشدي للكلمة؛ لأنه لا ينبغي أن نهمل أو ننكر أننا نخاطب أغلبية متذمرة، تعاني من الثقل الإداري، من البيروقراطية والفساد الإداري، وتعاني من مستوى معيشة صعب.

النظام الديمقراطي الرأسمالي مبني على أطر حزبية ونقابية وجمعوية، هي التي تنظم الناس كي تدخلهم للممارسة السياسية السليمة. وعندنا هذه الأطر، إما تجاوزها الوقت، أو تائهة لا تعرف ما تقوم به، وحتى إذا تمسكت بهذه الأدوات فهي تمارسُ التلاسن والحرب الكلامية والإيديولوجية.

عوض اكتراء دكاكين أسابيع قبل الحملة الانتخابية، يمكن اكتراء قصر افتراضي طيلة السنة، وربط الاتصال بالشباب، يوميا، دون استعمال الخطاب الخشبي، ومحادثتهم عن اليومي، عن القيم، والأهداف، وغلاء المعيشة، بأسلوب فعال، يعلمهم أن ذلك البيت الحزبي جزء من وطنهم، يتفاعل معهم، يتفهمهم، يفتح لهم المجال للنقاش، للتعبير عن الذات، ويمدهم بالوسائل الفنية والثقافية ليتحدثوا ويعبروا، وبالتالي لينخرطوا في الفعل. ولا وجود لحزب مغربي يقوم بشكل ملائم، ذكي وكامل بهذا الأمر. وأعتقد أن أغلب الأحزاب بدون شك لا يمتلك خلايا تفكر بشكل عملي تطبيقي في هذه الأمور، لأنها لا تستقطب الناس الذين يستطيعون أن يهدونها هذا الشكل من الممارسة.

*صحافية متدربة