فخاوي: المغاربة يجهلون كنوزهم التاريخية وثرواتهم غير المادية

فخاوي: المغاربة يجهلون كنوزهم التاريخية وثرواتهم غير المادية

للمغرب هوية يتحتم عليه المحافظة عليها، ولتحقيق هذا الهدف يجب الحرص على عدم فقدان حلقة الوصل بين الماضي والحاضر حتى نكون في الموعد مع كل ما ينتظر هذا البلد، الذي يمكنه معانقة مستقبل مزدهر إذا استخدم رصيده التاريخي الغني بشكل صحيح.

جزء من هذا الرصيد يوجد في المعهد العلمي بجامعة محمد الخامس بالرباط، الذي يضم خلف جدرانه 250 ألف نوع نباتي وحيواني يعود تاريخه إلى سنة 1800م، ويشهد على التغيرات التي عرفتها المملكة في مختلف المجالات، والتي سيساهم توظيفها بشكل سليم في تعبيد الطريق أمام المملكة في مسارها الإنمائي الشامل.

هسبريس، ومن خلال حوارها مع محمد فخاوي، مدير المعهد العلمي، تسلط الضوء على جزء من هذا الكنز التاريخي الذي يتوفر عليه المغرب، وتبرز المعيقات التي تواجه "حراسه" في الحفاظ عليه للأجيال المقبلة التي تبقى دائما في حاجة إلى هذه الحلقة حتى تكون في الموعد مع المستقبل.

إليكم نص الحوار:

هل يمكن أن تقدم لنا لمحة عن المعهد العلمي والوظائف التي يطلع بها؟

المعهد العلمي محكوم بهوية تاريخية وإيكولوجية شاهدة على التاريخ المغربي؛ فهو أول مؤسسة جامعية رأت النور في سنة 1920م، وهناك مراجع تشير إلى إحداثه في سنة 1912م، تمتد الحقبة الأولى من 1920م إلى 1975م، وفي هذه الفترة كان المعهد يحمل اسم المعهد العلمي الشريف، وبعد الاستقلال تغيرت الأمور شكليا، لكن المهام المنوطة بالمعهد ظلت هي نفسها، وتتمثل في جرد الوحيش وأنواع النباتات وجميع الموارد الطبيعية، والقيام بالبحوث العلمية ونشرها للباحثين، وتكوين ما يعرف بمتحف ايكولوجي، حيث ننطلق من الميدان ونحدد النوع، ونشكل بعدها قاعدة بيانات نقوم بعرضها في ما بعد على العموم.

ما الهدف من عرضها على العموم؟

البحث لا يقتصر على الباحث فقط، بل يقتسمه مع العموم.

والهدف من كل هذا هو التعريف بمكونات التراث اللامادي لبلدنا والمحافظة عليه وتزويد القطاعات المهتمة بمجال البحث العلمي بآخر المعطيات التي تم التوصل إليها بغية تحديث النصوص التشريعية المتعلقة بحماية الحيوانات والنباتات.

المستوى الذي وصل إليه الباحثون في المعهد مكن من التوصل إلى جرد 80 في المائة من الوحيش في المملكة، وأشير هنا إلى أن المعهد مشكل من عدة شعب (شعبة الحيوانات والبيئة الحيوانية، وشعبة النباتات، وشعبة علوم الأرض التي يوجد فيها ما هو جيوفزيائي، أي ما يتعلق بالزلازل، وما هو جيولوجي وبيئي)، كما يتوفر المعهد على عدد من المصالح الأخرى التابعة له، ومنها قسم المنشورات الذي كان يصاحب عملية تكوين المعهد، والغاية من المنشورات مواكبة سيرورة البحث العلمي في المغرب، فالباحث يقوم بعملية البحث كمرحلة الأولى وبعدها يقوم بعملية نشر نتائج البحث في مجلات مصنفة، تلك المنشورات تعكس مستوى البحث والجودة في المضمون داخل المملكة وخارجها.

منذ السبعينات أحدث المعهد العلمي مجلة علمية تحت اسم "نشرة المعهد العلمي" لمواكبة كل البحوث المتعلقة بالتراث اللامادي للمملكة، وقد واكبنا هذا التحول رغم الإمكانيات القليلة؛ فهذه النشرة العلمية تستنزف نسبة مهمة من الدعم الهزيل المخصص للمعهد، لكن رغم ذلك قررنا الاستمرار في هذا العمل، لأنه يعكس ما يجري التوصل إليه.

وهذه السنة حصلنا على شهادة الامتياز داخل جامعة محمد الخامس، والمعهد اليوم لديه منشورات مصنفة ومعترف بها عالميا، وأيضا هذه السنة توصلنا، تقريبا، من جميع دول العالم بطلب شراء كتاب قمنا بإنجازه بعنوان "Flore du Maroc"، ونحن نبذل الجهد الكبير للمواكبة لأن الطلب تزايد على هذا الكتاب الذي يقدم تعريفا لجميع النباتات في المغرب وخصائصها وكيفية التعرف عليها، وهذا يظهر أن المنتوج المغربي العلمي ذو جودة وقيمة عاليتين.

تحدثتم عن مسألة الدعم الهزيل المخصص للمعهد، هل يمكنكم تقديم توضيحات أكثر حول هذه النقطة؟

مسألة الموارد الهزيلة المخصصة للبحث العلمي ليست مرتبطة فقط بالوزارة الوصية، بل بالحكومة التي لا تعتبر البحث العلمي من ضمن أولوياتها التي يجب إعارتها المزيد من الاهتمام، فالهاجس حاليا في المؤسسات الجامعية هو التكوين، بحكم العدد المتزايد للطلبة، وبالتالي الجامعة تحاول أن توفق ما بين التكوين والبحث، والمعهد منذ إنشائه إلى الآن لا تتعدى ميزانيته السنوية 120 مليون سنتيم، وهذه أول سنة تترفع فيها قيمة الدعم إلى 180 مليون سنتيم رغم الأنشطة المتعددة والمتخصصة في البحث والإشعاع العلمي.

هل هذا الدعم يكفي لتمويل جميع أنشطة المعهد؟

المعهد يمول نسبة كبيرة من أنشطته من المشاريع التي ينجزها، نعتمد على إمكانياتنا الخاصة، فدعم الوزارة ضئيل جدا، والمعهد توجد فيه مرافق حيوية، لدينا تراث يجب أن نحافظ عليه، قد يصل عمره إلى 100 سنة وما يزيد، يجب أن أعمل جاهدا بكل الوسائل المتوفر للمحافظة عليه، لدينا قطع نادرة لا يوجد مثيل لها في إفريقيا، فكيف يمكن لك بهذا الدعم الهزيل أن تحافظ على هذا التراث اللامادي وتعمل على تنميته؟ للإشارة، فإن بعض الباحثين يعمدون إلى الانفاق والأداء من مالهم الخاص للحفاظ على هذا الكنز الوطني.

هل تستغل الدولة والقطاعات التابعة لها المعطيات التي يوفرها المعهد العلمي بالشكل المطلوب؟

مسألة الاستفادة من قاعدة المعطيات العلمية المتوفرة للمعهد العلمي إشكالية كبيرة، فمدى اهتمام القطاعات بالبحوث المنجزة قليل ولا يؤخذ بعين الاعتبار.

نحن نشهد اليوم تغييرات مناخية متسارعة، ففي حقبة كنا نجد الوحيش الوفير ومع مرور الوقت نسجل تناقصه بشكل ملحوظ، كما أن هناك حيوانات انقرضت وأخرى في طريق الانقراض، وقد أشرنا الى ذلك في جميع بحوثنا.

أثرت مسألة التغيرات المناخية التي عرفها المغرب في السنوات الماضية، هل يمكن أن تقدم صورة على هذه التغيرات وانعكاساتها المتوقعة على مناخ المملكة؟

المناخ لا يمكن التحكم فيه، فهو له ارتباط بما يحدث في العالم، وهناك من ربط التغيرات المناخية بالإنسان بالأساس.

وفي المغرب، تظهر البيانات المتعلقة بالتساقطات المطرية في السنوات الخمسين الماضية أنها انخفضت بشكل قوي، والمياه الجوفية تراجع منسوبها بشكل كبير، كما هو الشأن في جهة سوس ماسة درعة التي اخفض فيها منسوب المياه الجوفية إلى ما بين 200 و300 متر، في حين إن بعض السدود باتت تسجل معدل ملء لا يتجاوز 80 في المائة، وأخرى لم تعد تصل حتى إلى هذا المستوى.

والوتيرة التي يعرفها التغير المناخي في المغرب ستقودنا، ربما، إلى أن يصبح لدينا فصلان فقط في العام (صيف وشتاء)، وهذه النتيجة حتمية، ويجب أن نكون في الموعد مع التغيرات التي سيعرفها المناخ في المملكة، فسياسة تدبير المجال يجب الاعتماد فيها على المعطيات العلمية، والبحث هو مفتاح كل شيء.

هناك عدد من المدن تكبدت خسائر كبيرة بسبب البناء في مجالات الوديان، وفي المعهد نتوفر على معطيات للتغييرات المناخية التي عرفها المغرب في 100 سنة الماضية، كما لدينا جرد لـ 80 في المائة من الوحيش بالمملكة.

وبالنسبة للنشاط الزلزالي في المملكة، هل لدى المعهد قاعدة معطيات بشأنه؟

في المعهد نتوفر على معطيات تعود إلى 100 سنة حول النشاط الزلزالي في المغرب. ودورنا في هذا المجال يقتصر على البحث، في حين إن مرصد الزلازل التابع للمعهد الوطني للجيوفزياء مهمته تتمثل في التحذير.

ويتوفر المعهد العلمي على 4 مراصد لمراقبة الزلازل توجد في إيفران، وبرشيد، وتيوين قرب وارزازات، وآسا. اختيار هذه المناطق كان مدروسا بحكمة، كما أن دور المعهد العلمي في هذا المجال هو رصد الزلازل وما بعدها ومعرفة مكوناتها.

وإلى جانب هذه المراصد، نتوفر على محطات سطحية يصل عددها إلى 10، ومنذ تعييننا للأشراف على تدبير هذه المؤسسة العلمية أحدثنا خلية لليقظة هدفها رصد كل الانعكاسات الطبيعية على المجال والإنسان، تضم عددا من الأساتذة الباحثين.

ما معدل الإنتاج السنوي للمعهد العلمي في مجال البحث؟

على سبيل المثال لا الحصر، كأستاذ باحث، أنجزت مجموعة من البحوث في أقل من سنتين. وفي المعهد العلمي يتواجد 47 أستاذا باحثا، على الأقل كل واحد منهم يصدر بحثا أو اثنين في السنة، وهو ما يعني أن المعهد ينتج سنويا ما يتراوح بين 80 و100 بحث، بالإضافة إلى أعمال أخرى مرتبطة بالمجال العلمي. وهذا شيء جيد ونحن راضون على إنتاجنا، وأريد أن أشير إلى أن جامعة محمد الخامس صنفت ضمن الجامعات الأربع الأولى على الصعيد الوطني في مجال البحوث العلمية.

كيف ترون مستقبل المعهد العلمي؟

نريد أن يتعرف المغاربة على ثروتهم اللامادية، وذلك من خلال إبرام اتفاقيات للشراكة مع مجالس الجهات والمجالس المنتخبة للقيام بتظاهرات وطنية وحملات تحسيسية للتعريف بما يتوفر عليه المغرب من ثروات. وفي هذا الإطار، يجب منح عناية أكبر للمعهد العلمي في ما يخص الموارد البشرية، خاصة ما يتعلق بالأمور التقنية، منها القائم بعملية التحنيط مثلا، فالهوية المغربية تحتم علينا المحافظة على المؤسسات التي منحت الإشعاع لتراثنا اللامادي، لأنها حلقة الوصل بين الأجيال وفقدانها يعني فقدان تاريخنا، والمعهد جزء لا يتجزأ من تاريخ هويتنا المغربية، وهو الرابط بين الماضي والمستقبل.

تتحدثون دائما عما يسمى كنوز المعهد العلمي، ما الذي يعنيه هذا؟

يتوفر المعهد العلمي على 250 ألف نوع موزع على ما له علاقة بالحيوان، وما له علاقة بالنبات، وما له علاقة بما هو جيولوجي. وهناك بعض القطع يعود تاريخها إلى سنة 1800م.

هذا الكنز ورث من الأجيال السابقة وأضيفت إليه أنواع أخرى، نبذل مجهودات كبيرة للحفاظ عليها للأجيال المقبلة.

هذه الأنواع لديها أهمية استراتيجية، لأنه عندما تنجز جردا تعرف التوزيع الجغرافي لبعض الحيوانات في القرن الماضي. وهذا يساهم في التعرف على الإشكاليات المطروحة، وما إذا كان لها ارتباط بما هو طبيعي، كقلة التساقطات والتغيرات المناخية، أو بالأنشطة البشرية.