الرميد: أنا محامي الهايج بالحكومة .. وأرفض الحِجْر على المغاربة

الرميد: أنا محامي الهايج بالحكومة .. وأرفض الحِجْر على المغاربة

يتفق مصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، مع رفض البعض للأحكام الصادرة ضد معتقلي الريف، مؤكدا أن "قبول الأحكام من طرف البعض وعدم القبول بها من طرف البعض الآخر أمر طبيعي، لأن أيّ قاض يعد عدوا لنصف الناس إن عدل".

ورفض الوزير الوصي على حقوق الإنسان، في الجزء الأول من حواره مع هسبريس، "أن يصل الأمر إلى مستوى الطعن في السلطة القضائية"، معتبرا أن "هذا ليس له أساس؛ لأن الذي يريد أن يحكم على شيء عليه أن يتصوره أولا، ويطلع عليه بشكل كبير".

وتساءل الرميد "إن كان الذين يبخسون القضاء والأحكام الصادرة عنه قد اطلعوا على الحكم الصادر في ملف المتابعين في ملف الحسيمة، وحيثياته"، مشيرا إلى أنه "إذا كان من يتحدث بلغة العواطف فإن هذا حقهم، ولا يمكن مصادرته؛ لأنه لا يمكن أن نتحول إلى دولة "شوف وسكت"".

وبخصوص التوتر بين الجمعيات الحقوقية والدولة، قال الرميد: "لا يجب أن تكون الجمعيات مع الدولة، وعندما تصبح كذلك فهي ليست جمعيات بل تتحول إلى إدارات"، مبرزا أنه يشغل منصب "محامي هذه الجمعية (الجمعية المغربية لحقوق الإنسان) للدفاع عن حقها في الاشتغال، وهذا دوري أقوم به".

الجزء الأول من الحوار:

شهدت الأحكام الصادرة ضد معتقلي الريف نقاشا مجتمعيا واسعا دفع هيئات إلى الاحتجاج، هل ترون أن ما رافق هذه الأحكام مبرر؟

لقد عرفت المرحلة التي نعيشها، بعد دستور 2011، مجموعة من الإصلاحات الكبرى، وقليلون من انتبهوا إلى أن هناك إصلاحا كبيرا، وهو إصلاح منظومة العدالة، خاصة في ما يتعلق باستقلال السلطة القضائية.

فالسلطة القضائية اليوم في المغرب مستقلة، وفقا للمعايير الدولية، وهذا الكلام ليس مجرد ادعاء؛ إنما أشركنا العديد من الهيئات الدولية المعنية باستقلال السلطة القضائية الأوروبية وشهدت بذلك، ويجب الاشتغال حاليا على مجموعة من المجالات؛ ومنها التكوين في المهن القضائية والتخليق.

أن تكون هناك قضايا أمام المحاكم مثيرة للجدل، وأن تصدر أحكام، وأن تجد هذه الأحكام قبولا من لدى البعض وعدم القبول من طرف البعض الآخر، فهذا أيضا أمر طبيعي، وكما قيل قديما، فإن القاضي عدو لنصف الناس، هذا إن عدل.

إن من حق المواطنين أن يكون لهم رأي، دون أن يصل الأمر إلى مستوى الطعن في السلطة القضائية، لأن ذلك يؤخر ولا يقدم ولا أساس له؛ لأن الذي يريد أن يحكم على شيء ينبغي أن يتصوره أولا، فالحكم على الشيء فرع من تصوره كما يقال.

وإني أتساءل هل هناك من بين المتحدثين بلغة تبخيس الأحكام القضائية والتجني عليها بعبارات قدحية، من اطلع على وثائق الملف وعلى القرار الصادر وحيثياته؟ من حق المواطنين أن يتحدثوا بلغة العواطف، ولا يمكن مصادرة ذلك لأنه لا يمكن أن نتحول إلى دولة "شوف وسكت"، لا يمكن أن نحرم الناس من حقهم في تتبع ومناقشة الأحكام القضائية؛ لكن دون أن يصل الأمر إلى الطعن في القضاء والإساءة التي لا تلائم ما نريده من تطور لبلادنا وترسيخ الثقة اللازمة في القضاء.

من جهة ثانية، فإن الأحكام القضائية تكون محل نقد من طرف خبراء القانون والمعنيين دون أن يصل الأمر إلى تبخيسها. الأمر بالنسبة لي أمر وسط في هذا الموضوع، فأنا لست مع الذين يريدون الحجر على آراء الناس، ولا مع الذين يتحدثون بنوع من التجاوز في حق الأحكام القضائية والسلطة القضائية.

البعض يرى أن هذا أول امتحان لاستقلالية النيابة العامة...

لا يمكن الحديث بلغة من قبيل هل نجحت النيابة العامة أم لم تنجح في هذا الامتحان، فالذي يمكنني أن أقوله هو: هل كان إسناد رئاسة النيابة العامة للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بدل وزير العدل قرارا صائبا أم خاطئا؟

أجيب بهذا الخصوص بأن الأمور نسبية ونسبية جدا، وبأن الذين يتحدثون عن النيابة العامة لا يفقهون كنه الإشكالات في البناء المؤسساتي الذي أسس له دستور 2011، والذي أخرج وزير العدل من المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي كان يسمى بالمجلس الأعلى للقضاء.

فأي رئاسة للنيابة العامة ستكون لوزير العدل وهو ليس عضوا في المجلس الأعلى للسلطة القضائية؟ فإذا وقع مثلا خلاف بين وزير العدل ووكيل عام أو وكيل الملك، فسيتم الاحتكام إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ولن يكون لوزير العدل أي سلطة تؤهله لكي يمارس الرئاسة على عضو النيابة العامة.

من جهة أخرى، وهذا شيء يكتسي أهمية كبرى، وهو أن وزير العدل في المنظومة القديمة التي يفترض الاشتغال وفق أحكامها إلى حين تعديل المسطرة الجنائية، لا يملك إصدار الأوامر السلبية، كإيقاف المتابعة في حق شخص ما، فالقانون يمنحه الحق في التعليمات الإيجابية الكتابية فقط، ونحن اليوم أمام أسئلة تتعلق بالمتابعات، والمتابعات حق خالص للنيابة العامة.

إذن ينبغي لمن يتحدث عن وزير العدل ورئيس النيابة استحضار هذه المعطيات وغيرها، مما يجعل الصيغة التي ذهبنا إليها في اعتقادي تظل الأقرب إلى الصواب في إطار المنظومة الدستورية المؤطرة لاستقلال السلطة القضائية، بغض النظر عن الحيثيات التي ترتبط بالمساءلة والمراقبة.

وحينما يتساءل الحقوقيون عن المراقبة والمساءلة أقول لهم إننا لو كنا مازلنا في الصيغة القديمة، التي يشرف فيها وزير العدل على النيابة العامة، فهل كنا سنحاسبه على أمر لا يملكه؟ فهو لا يملك أن يوجه النيابة العامة في إطار ما اقتنعت به من متابعات محتملة.

للأسف الشديد، هذا الموضوع وقع فيه مشكل، وهو أن المجلس الدستوري ألغى مقتضى في القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية يقضي بمثول الوكيل العام للملك أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بالبرلمان بغرفتيه من أجل مناقشة تنفيذ السياسية الجنائية.

وضع السياسية الجنائية يطرح إشكالية من يحاسب المغاربة؟

السياسة الجنائية هي سياسة عمومية، ويفترض أنها سياسة حكومية؛ لكن المجلس الدستوري للأسف الشديد -وأنا لا أشاطره الرأي-يقول إن السياسة الجنائية يضعها البرلمان من خلال التشريعيات التي يسنها، وأنا أقول إن هذا الأمر صحيح، لكنه صحيح جزئيا فقط. فحين يضع البرلمان التشريع بمساهمة الحكومة، فإنه يؤطر السياسة الجنائية، ولكن السياسة الجنائية ليست فقط تشريعات، إنما هي أيضا توجيهات ومقاربات يمكن أن تقترحها الحكومة من خلال وزير العدل سابقا، ويمكن أن يستمر هذا في هذه المرحلة مع الوكيل العام للملك، الذي يقوم بدوره بتعميمها على مؤسسة النيابة العامة.

الحديث عن حصر السياسة الجنائية فقط في البرلمان-كما ذهب إلى ذلك المجلس الدستوري سابقا-أعتقد أنه غير صائب، والتحفظ هو الذي منعني من التعقيب المسهب والمفصل في هذا الموضوع، خصوصا أن توصيات الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة قد خلصت إلى أن السياسة الجنائية تضعها الحكومة وتبلغها إلى الوكيل العام لدى محكمة النقض عن طريق وزير العدل، ولا أدري كيف ذهبت الأمور بالنسبة للمجلس الدستوري ليقول ما قاله.

لكن دعنا من القوانين، لنعد إلى أسباب الاحتجاجات في الحسيمة التي تعتبر مسؤولية سياسية تتحملها الحكومة بسبب فشل جزء من السياسات العمومية؟

موضوع الاحتجاجات يجب أن ينظر إليه من زوايا مختلفة. صحيح يجب أن ينظر إليه من خلال أن هناك سياسات عمومية مجالية تعتريها الكثير من الأعطاب، والكثير من النقائص التي جعلت التنمية ناقصة في مناطق معينة، وجعل المواطنين يخرجون للاحتجاج وهذا

حقهم، ويمكن النظر إليه من زاوية كون المغاربة يعيشون مرحلة ما بعد 2011، وهي مرحلة لم تعد كما قبلها، حيث أصبح المغاربة يخرجون للمطالبة بحقوقهم، وأصبحت لهم الشجاعة للاحتجاج في الشارع العمومي، جماعات وأفرادا، وهذه أشياء لاحظناها منذ سنة 2011 وما زالت مستمرة، ونحن نقول إن حق المغاربة في ذلك ثابت؛ ولكن يجب أن يظل في إطار القانون ولا يتجاوزه.

لكن عندما نتحدث عن السياسات الحكومية فإنني أؤكد أن السياسة التنموية جارية؛ ولكنها لم تصل إلى مداها، وهذا شيء طبيعي، لكوننا دولة في طريق النمو لم نصل إلى أن نكون دولة رفاه ونوفر للمغاربة مغربا بدون فقر، وأن يصير المغرب في كافة مجالاته يعيش حالة من الوفرة، وهذا لا يعود إلى هذه الحكومة أو التي سبقتها بل إلى المسار من أوله إلى آخره، الذي يعرف تطورا إيجابيا يتضمن مكتسبات كثيرة؛ لكن لم تصل الأمور إلى المدى المطلوب، ونحن إذا اردنا أن ننظر إلى الأمور، فإننا نقيسها بمقياسين، كيف كان المغرب وكيف أصبح، فأرقام الفقر في تراجع وهناك تطور في البنيات التحتية ومجهودات في ميدان التعليم، لكن هذه المجهودات في هذه الميادين وغيرها لم تصل إلى مداها المرغوب.

ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على نفسية المواطن فيخرج إلى الشارع للاحتجاج، ونقول إن هذا من حقه؛ لكن يجب أن يظل ذلك في إطار القانون، وهذا ما أقوم به داخل الحكومة، وهو ما لا يمكن أن نعلن عنه لأنه سيعتبر مزايدة على مؤسسات أخرى.

شهدنا نوعا من التوتر بين الجمعيات الحقوقية (المعارضة) وبين الحكومة، لماذا سوء الفهم الكبير هذا؟

غير مطلوب من الجمعيات أن تكون تابعة للدولة، وعندما تصبح كذلك فهي ليست جمعيات بل تتحول إلى إدارات.

لكن لماذا رد الفعل العنيف؟

أين هو هذا الرد العنيف؟ ليس لدينا رد عنيف على الجمعيات، لكن هناك مواقف لا يمكن أن تصل إلى درجة العنف. طبعا موضوع إحدى الجمعيات لا يرتبط بدفاعها عن المواطنين بقدر ما يتعلق بأشياء أخرى عبر عنها وزير الداخلية سابقا وما زالت الوزارة تتشبث بها؛ وهناك حوار مفتوح في هذا الباب، وهي مواقف لا ترتبط بالدور العادي للجمعيات، وإنما علاقة هذه الجمعية بحزب سياسي معين والثوابت الوطنية وأمور تتجاوز دور الجمعيات، وإلا فإن في المغرب أكثر من 120 ألف جمعية.

ونحن نعمل على تجاوز هذا الموقف، وشخصيا لست متفقا مع موقف وزارة الداخلية تجاه هذه الجمعية وإن كنت أتفهم بواعثه (الجمعية المغربية لحقوق الإنسان)، ولست متفقا مع الجمعية وإن كنت أتفهم بعض أدوارها الإيجابية؛ ولكن لا أتفهم بعض الأدوار السلبية، ولا يجوز أن يكون ذلك هو الشجرة التي تخفي الغابة، والغابة هنا هو أن هناك مستوى واسعا من الممارسة الجمعوية الحرة، وفي المقابل هناك تشنج بين جمعية واحدة وبين وزارة الداخلية، وهذا أمر ينبغي أن يزول ولكن ينبغي أيضا النظر في الأسباب التي أدت إليه.

وأنا في حوار دائم مع وزير الداخلية ومع الجمعية المعنية. وشخصيا، فعندما أكون مع الجمعية المعنية أدافع عن وجهة النظر التي تقول بضرورة تغيير الجمعية لبعض معطياتها لتصبح جمعية قادرة على أن تشتغل بشكل إيجابي في الحقل المدني. في المقابل، عندما أكون مع وزير الداخلية، أكون محامي هذه الجمعية للدفاع عن حقها في الاشتغال وممارسة أدوارها، وهذا هو دوري.