الأشعري: الاتحاد تحول إلى "ديكور" .. والحكومة تغرق في العبث

الأشعري: الاتحاد تحول إلى "ديكور" .. والحكومة تغرق في العبث

في خروج مثير ضد مشاركة حزبه في التحالف الحكومي، سجل محمد الأشعري، الوزير السابق القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أن "تواجد حزب الاتحاد إلى جانب حزب العدالة والتنمية، قائد الائتلاف الحكومي، كان بمثابة خطيئة"، وقال: "أنْ يخْتلط الحابل بالنابل، فهذا يضعُ في السياسة المغربية التباساً خطيراً يفقدها كل مصداقية".

واعتبر الأشعري، في الجزء الثاني من حواره مع هسبريس، أن "وجود ستة أحزاب في خانة حكومية واحدة يجعل الناس يرددون ما يرددونه اليوم من أن كلشي بحال بحال وميقدرو يديرو والو"، وقال: "هذا حكم خطير لأنه يقفل كل أبواب الأمل في التغيير وفي إنتاج شيء مُختلف عن السابق".

واعترف وزير الثقافة والاتصال السابق بأن حزبه تحول إلى رقم عادٍ في المشهد السياسي، بل ذهب أبعد من ذلك في توصيفه، موردا: "كون الحزب لا يقومُ بعمل ريادي وطلائعي كجزء من اليسار المغربي في الحياة السياسية، فهذا يجعل منه مجرد ديكور".

ونبّه المتحدث ذاته الذين ينظمون هذا "الفولكلور" إلى أن "هذا العبث يؤخر البلاد، ولا يمكن لبلد أن يحلّ مشاكله بهذه التركيبة العبثية، ولا أدل على ذلك أن كل هذا العجين والارتجال أعْطى حكومة من أضْعَفْ الحكومات التي مرت في تاريخ المغرب".

أستاذ الأشعري، حزب الاتحاد الاشتراكي كانَ دائماً يُعبِّر بشكْلٍ صريحٍ عن مواقفه لكن اليوم يبدو أنه توارى ولم يعُد يُسمع لهُ صوت.. ألا يسيء هذا إلى حزب كان في الأمس القريب ينْهلُ شرعيته من رصيده "الجماهيري"؟

صحيح يُسيء للحزب ويُسيء لعلاقته بالشعب المغربي، ولكن يجب أن يطرح هذا السؤال على القيادة الحالية للحزب.

لقد عبرت عدة مرات قبيل المؤتمر ما قبل الأخير عن قناعتي بأن الاتحاد يجبُ أن يقوم بالتفكير في وضعيته وبنقدٍ ذاتي، وأن يطرح على المغاربة مشروعاً جديداً وأن يغير علاقته بالحياة السياسية بطريقة تعيد إليه قدراته ومكانته التي كانت لصيقة بحياة الناس.

وقد خرجت من الاتحاد لأن الاتحاد لم يستطع أن يقوم بهذا العمل؛ لذلك أتفق معك، وضعية الاتحاد لا تشرِّف كثيراً تاريخ الاتحاد وعلاقته الأسطورية بنضالات الشعب المغربي. وهذا موضوع يُطرح على القيادة الحالية للاتحاد ويطرحُ على كل الذين أرادوا أن "يُعلِّبُوا" الاتحاد بطريقة تجعل منه مجرد "ديكور" في المشهد السياسي المغربي.

ماذا تقصد بمصطلح "ديكور"؟

كونه لا يقومُ بعمل ريادي وطلائعي كجزء من اليسار المغربي في الحياة السياسية، فهذا يجعل منه مجرد ديكور في المشهد السياسي.

طيب أستاذي. كنت قد تأسَّفت لمشاركة الاتحاد في الحكومة وشبهت الوضع داخل الأغلبية بـ "الخليط" الذي يجمع أحزاباً ليس لها المنطلقات الايديلوجية نفسها.. هل ما زلت مُصراً على استعمال هذا التوصيف؟

أنا أومن بأن الحياة السياسية يجب أن تقوم على التمايز الواضح حتى يعرف الناس من يوجد في اليمين ومن يوجد في اليسار ومن يوجد في الوسط، حتى تكون الأمور واضحة، عندما نكون مضطرين دستوريا وسياسيا إلى إنشاء حكومة وطنية من كل الأحزاب، فإننا نفعل ذلك بطريقة واضحة ونُفسّر لقواعدنا وللشعب المغربي هذه المقاربة ويجبُ أن يكون في البلاد ما يستدعي ذلك.

ولكن أن يخْتلط الحابل بالنابل، فهذا يضعُ في السياسة المغربية التباساً خطيراً يفقدها كل مصداقية، ويجعل الناس يرددون ما يرددونه اليوم من أن "كلشي بحال بحال وميقدرو يديرو والو". وهذا حكم خطير لأنه يقفل كل أبواب الأمل في التغيير وفي إنتاج شيء مُختلف عن السابق.

هل يُفهم من كلامك أن مشاركة الاتحاد في هذه الحكومة كانت خطأ؟

مشاركته في هذه الحكومة لم تكن خطأ، كانت خطيئة، وقد كانت خطأ في حكومة أخرى، لكن في هذه الحكومة كانت فعلاً خطيئة. لا يمكن لحزب يساري أن يسمح لنفسه بهذا العبث. أن يُشارك الاتحاد في هذه الحكومة بنوع من "التنظيم الفوقي" الذي قادهُ حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي بتنظيم فوقي سقط عليه زعيم في نصف الطريق، فهذا عبث.

يجب أن يدرك الذين ينظمون هذا "الفولكلور" أن هذا العبث يؤخِّر البلاد، وأنه لا يمكن لبلد أن يحلّ مشاكله بهذه التركيبة العبثية، ولا أدل على ذلك من أن كل هذا العجين والارتجال أعْطى حكومة من أضْعَفْ الحكومات التي مرت في تاريخ المغرب.

والحكومة بهذا الضعف، بالإضافة إلى أنها لا تستطع أن تحل أي مشكلة أساسية مثل مشكل الشغل ومشكل الصحة، فإنها تزرع في البلاد نوعاً من الشك ونوعاً من "اللا اطمئنان". العنوان الأبرز للمرحلة التي نعيشها هو أن الناس غير مطمئنين، بينما قبل سنوات فقط كان المغرب يعرِف ماذا يريد وإلى أين يمضي، واليوم هناك حيرة تعصف بكثير من الناس، ليس الناس العاديون فقط، ولكن أيضا السياسيين ورجال الأعمال وكل الذين لهم علاقة بما يجري في المغرب.

أمام تداعيات هذا الجو العام الموسوم بالاحتقان الاجتماعي.. هل نحن في حاجة إلى تعاقد سياسي واجتماعي جديد؟

ما أنا متأكد منه هو أن المغرب في حاجة إلى تغيير أساسي يعيد الأمل إلى الناس. تعرف كل المجتمعات وجود سياسيين أقوياء ولهم مصداقية، إذا كانوا من الأغلبية فهذا يطمئن الناس. يطمئن الناس لكفاءتهم حتى وإن كانوا مختلفين مع اختياراتهم وبرامجهم. وعندما يكون السياسيون أقوياء ولهم مصداقية في المعارضة، فإن الناس يطمئنون. يطمئنون لأنهم يعرفون صدق هؤلاء المعارضين، ويعرفون أنهم قادرون على أن يكونوا إيجابيين. غياب هؤلاء الرجال والنساء الأقوياء في مشروعهم وصدقهم يجعل المغرب اليوم في وضع عاجز.

وما قلته بشأن الوضع في المغرب صحيح، لأنه انظر، مثلا، ما جرى في الحسيمة والتخبط الذي تعاملت به الأغلبية مع هذه الحركة الاجتماعية السلمية، والذي وصل إلى حد وصفها بالانفصالية. انظر إلى غياب كل الوساطات في هذا الموضوع، وعجز كل السياسيين على إجراء حوار مع هذه الحركة، وانظر أخيراً إلى الأحكام التي أرجعتنا عقوداً إلى الوراء كما لو أن المغرب يعود إلى المحاكمات المخدومة التي تبعث على اليأس. يجب أن تتدخل يد حكيمة لتوقف هذا العبث...

(مقاطعا) أتقصد الملك أعلى سلطة في البلاد؟

طبعاً. دور الملكية هو دائما مركزي؛ ولذلك أظن أن هذا الأمر يستدعي مبادرة قوية ليس لاتخاذ إجراءات عقابية هنا أو هناك، بل لإعادة وضع المغرب على السكة الصحيحة. يجب أن ننتبه؛ العالم اليوم عالم معقد وخطير، من قبل كانت البلدان يمكن أن تدخل في مرحلة الاضطراب ثم تخرج منه بأضرار متفاوتة، ولكن نسبياً بسرعة. اليوم بسبب الأوضاع العالمية، فإن كل بلد يدخل في مرحلة الاضطراب فإنه للأسف يستقر فيها. ونحن يجب أن نعود إلى الأساسيات. والأساسيات هي الحريات الفردية والجماعية، هي الديمقراطية، هي استقرار البلاد. يجب إذن أن نُخضع كل شيء في هذه البلاد إلى التساؤل التالي: هل يخدم هذا الأمر الأساسيات التي نحن متفقون عليها أم لا؟ وإذا كان الأمر لا يخدم هذه الأساسيات، فيجب أن نوقفه عند حدّه.

هل يُستشف من كلامك أن الانتقال الديمقراطي وصل إلى الباب المسدود بالمغرب؟

الانتقال الديمقراطي ليس تسوقاً، نمْضي إلى محل تجاري ونشتري منتوجا وننهي المسألة. الانتقال هو سيرورة معقدة تخضع أحيانا لتوقفات تستأنف، ولكن الأساسي ألا نرجع إلى الوراء، أن نتقدم دائما على خط الانتقال. أنت تعرف حتى الديمقراطيات العريقة تتحدث عن ضرورة إعادة إحياء المسارات السياسية، لأن المجتمعات تتعرّض دائما لانبثاق تعبيرات مخلخلة مع صعود المنظمات الشوفينية والحركات النازية في أعرق الديمقراطيات الأوروبية.

نحن اليوم في وضعية عطب حقيقي في الانتقال الديمقراطي يجب أن نستأنفه بالخروج من هذا الضعف الذي نوجد فيه اليوم.

لكن هناك من يقول إن العودة الدائمة إلى الملك وتغييب الوسائط الأخرى في الأزمات لا يخدم البناء الديمقراطي بالبلاد؟

من الناحية النظرية يمكن أن يكون هذا الأمر صحيحاً، لكن نحن في بلد الملكية فيه مؤسسة محورية مركزية، لا يمكن أن نتجاهل هذه الحقيقة الدستورية والسياسية. القول بأن الجسم السياسي كلُّه يجب أن يتحمل مسؤوليته، نعم يجب أن يتحمل مسؤوليته وهذا ضروري، لكن لا يجب أن نتجاهل هذه الوضعية الخاصة في النظام السياسي المغربي.

ماذا عن مطلب الملكية البرلمانية الذي كان لصيقاً بحزبكم؟

أظن أن ما جرى منذ الانتخابات الأخيرة يُبين إلى أيِّ درجة نحن في حاجة إلى العودة إلى هذا المطلب بتفصيلٍ أكبر وبإرادة أقوى، لأن غياب مركز قوي للبرلمان بالمغرب وغياب موقع قوي لحكومة تنبثق من إرادة البرلمان أيضاً، كل هذا يجعلنا لا نتطور سياسيا. أريد فقط أن أشير إلى الفرق الشاسع بين السنوات الأولى للألفية الثالثة التي كان فيها نوع من الاستشراف للمستقبل بكثير من الأمل والحماس، وبين الوضع الحالي الذي يتساءل فيه الناس إلى أين نسير. المتسائلون بهذه الطريقة لا يمشون، وبالتالي لا يتقدمون. وعليه، فمطلب الملكية البرلمانية مطلب له كل مبررات وجوده واستمراره حتى اليوم.

ماذا عن عودة الأصولية في المغرب؟

وأين كانت؟ كانت "مسافرة"؟ الأصولية في المغرب موجودة منذ فترة طويلة والمحافظة في المغرب محافظة قوية ولها جذور وهي موجودة في المجتمع أكثر ما هي موجودة في التعبيرات السياسية الحاملة لهذه الراية؛ لذلك مقاومة الأصولية هي ليست فقط بالكلام والنوايا، وإنما بإعطاء مكانة أساسية للتعليم وإعطاء موقع للمنتوج الفني بالمغرب والحفاظ على التعددية، ولا يمكن أن نحاربها بالإعلان عن أننا نكره الأصولية.

ما دُمت قد تحدثت عن درويش. هناك تطابق جميل ورد في إحدى خرجاته الإعلامية عندما تكلَّم عن مفهوم الهزيمة ووقعها النفسي على الشعراء، فهو لم يعترف بالهزيمة الشاعرية وكان غير مبالٍ بالهزيمة السياسية رغم قبوله بها في وقت لاحق. يبدو أن الشعراء في المغرب قد ذاقوا مرارة الهزائم الشاعرية والسياسية معاً، أليس كذلك؟

هل تعرف كم عدد الناس الذين يقرؤون دواوين الشعر في المغرب. أحسن الشعراء في المغرب لا يبيع أكثر من 200 نسخة. هذا هو الشاعر الذي تطلب منه أن يغير الوضع في البلاد. يجب أن نعترفَ بأن الشعر كان دائماً هامشيا ونخبوياً. نحن تفصلنا قرون عن مرحلة الإنشاد الذي كان يحرّك الناس. ونحن انتقلنا منذ أزيد من قرن إلى قصيدة التأمل والاسترجاع والذاكرة والموت والحب، إلى قصيدة الفلسفة والسخرية وقصيدة البحث في مكنونات اللغة. وهذا الأمر طبعاً لا يسمح بإنتاج القصائد التي تَتْبعها الجماهير بالآلاف، وخصوصا إذا كان الوضع الثقافي العام متدنيا إلى درجة يجعل الشباب الذين يتخرجون في كلية الأدب أحيانا لا يقرؤون كتابا واحداً في السنة.