أغناج: مُعتقلو "حراك الريف" لم يستفيدوا من شروط المحاكمة العادلة

أغناج: مُعتقلو "حراك الريف" لم يستفيدوا من شروط المحاكمة العادلة

يوم 26 يونيو الماضي أسدلت الغرفة الجنائية بمحكمة الاستئناف بمدينة الدار البيضاء الستار على الطور الأوّل من محاكمة 53 معتقلا من نشطاء حراك الريف، يوجدون بسجن عكاشة، وزعت عليهم أحكام تراوحت بين سنة واحدة وعشرين سنة سجنا نافذا، وبلغت في المجموع أزيد من ثلاثة قرون من السجن النافذ.

في هذا الحوار يتحدث محمد أغناج، عضو هيئة دفاع معتقلي حراك الريف بالدار البيضاء، عن الجو العام الذي جرت فيه المحاكمة في طورها الابتدائي، وعن رأيه في الأحكام الصادرة في حق المعتقلين، ويخلُص إلى أنّ الملف "بدأ سياسيا ويجب أن يُوجد له حل سياسي". كما يرى أنّ هذا الملف يجب أن يُغلق، لأن إغلاقه سيكون في مصلحة الوطن أولا، وفي صالح المتابعين ثانيا.

وفيما يلي نصّ الحوار:

حدّثنا، بداية، عن الجو العام الذي جَرت فيه محاكمة نشطاء حراك الريف في غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء. هل توفرت فيها شروط المحاكمة العادلة؟

الحديث عن المحاكمة العادلة لا يرتبط فقط بالمحاكمة في حد ذاتها، ولكن يرتبط أيضا بالإجراءات السابقة للمحاكمة والجو العام المحيط الذي تجرى فيه. المُحاكمة لا يمكن أن تنفصل عن الأمور الجارية خارج أسوار المحكمة.

وأود هنا أن أشير إلى أنّ الإجراءات الأولية المتمثلة في قرار الاعتقال ناجمة عن قرار سياسي، اتخذته جهة ما، تَمَثل، بداية، في البلاغ الصادر عن الأحزاب المشكّلة للأغلبية الحكومية، التي اتهمت نشطاء الحراك بالدعوة إلى الانفصال، وبتلقي تمويل من الخارج.

لا ننسى كذلك حديث الملك عن أنّ الدولة لم تتعامل بمقاربة أمنية مع حراك الريف، وأنّ عناصر قوات الأمن قامت فقط بواجبها. هذان العنصران أثرا في الجو العام للمحاكمة.

لا ننسى كذلك أنّ الأمر بتسجيل المكالمات الهاتفية للمعتقلين صدر في 1 دجنبر 2016، أي قبل اعتقال ناصر الزفزافي بحوالي ستة أشهر، وما تلا ذلك من تنصّت وتسجيلات وإجراءاتِ محاضرَ خلال أواخر شهر أبريل وبداية شهر ماي 2017، قبل مباشرة إجراءات المسطرة في هذا الملف، وإحالة المتهمين على الشرطة القضائية، ونقلهم من محكمة الحسيمة إلى محكمة البيضاء.. كل هذه الإجراءات كانت سابقة للمحاكمة، وتؤثر على المحاكمة العادلة.

يجب التذكير، أيضا، بأن الملف عرف وتيرة مكثفة في إجراءات التحقيق والدراسة والمناقشة أمام المحكمة. لقد تم عقد حوالي 140 جلسة أمام قاضي التحقيق في غضون شهرين ونصف فقط، ثم 85 جلسة أمام المحكمة في غضون تسعة شهور أو أقل، وبالتالي كان هناك ضغط كبير، سواء على المتهمين أو على هيئة الدفاع أو حتى المحكمة، وبالتالي لم يأخذ الملف الوقت الكافي في المناقشة أو الدراسة.

من أهم العناصر الدالة على انتفاء المحاكمة العادلة في قضية معتقلي حراك الريف غياب المساواة بين أطراف القضية، حيث أعطيت للنيابة العامة المدة الكافية لإعداد الملف، الذي بدأ منذ فاتح دجنبر 2016 إلى غاية 26 ماي 2017، وقدمت جميع عناصر الإثبات التي بحوزتها، بما في ذلك الاتصالات الملتقطة والفيديوهات والتسجيلات الهاتفية وغيرها من الوسائل. في المقابل لم يُسمح للمتهمين بتقديم أي وسيلة إثبات في الملف.

يقولون إنّ المحكمة استجابت لشهود المتهمين، وهذا غير دقيق، لأنّ المحكمة قُدّمت إليها عشرات طلبات استدعاء الشهود، واستجابت فقط لـ31 طلبا، 12 منها طلبها المتهمون، والباقي طلبه الادّعاء، وأثناء المناقشة جاءت المحكمة واستمعت إلى ثلاثة شهود آخرين للادعاء، أي أن المحكمة استمعت إلى شهادة 24 شاهدا طلبهم الادعاء، و12 فقط طلبهم المتهمون، وهناك عدد من الشهود المؤثرين الذين لم تستدعهم المحكمة. بمعنى أنّه حتى في هذا الجانب لم يكن هناك توازن ومساواة.

ثم لا ننسى أنّ المحكمة عرضت ضمن الفيديوهات التي استعانت بها مجموعة من المقاطع التي تثبت الاتهام، فطلب منها المتهمون ودفاعهم، وفي بعض الأحيان حتى النيابة العامة، أن تعرض الفيديو كاملا، أو بعض المقاطع التي قد تفيد المتهمين، لكن المحكمة رفضت هذه الطلبات. وسائل الإثبات التي عُرضت في الملف عُرضت فقط في سبيل الاتهام، وليس في سبيل البراءة، والحال أن قاضيي التحقيق والمحكمة ينبغي أن يدرسا القضية لصالح المتهم وضده وليس ضده فقط.

مسألة التصوير داخل قاعة المحكمة شكلت، أيضا، تقويضا لشروط المحاكمة العادلة. حين جئنا إلى القاعة في الجلسة الثانية من المحاكمة وجدنا كاميرات تسجّل ما يجري داخل القاعة، بدون أمر من المحكمة، وقالت النيابة العامة إنها تلقت طلبا من الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في يوليوز 2017، وكان الملف آنذاك لا يزال لدى قاضي التحقيق، تطلب فيه الإذن بتصوير أطوار جلسات المحاكمة، وبناء على ذلك الطلب طلبت النيابةُ العامة من رئيس الهيئة أن يأذن لوسائل الإعلام المعتمدة بالتصوير قبل الجلسة وبعدها.

قلنا لهم إنه ليست هناك وسيلة إعلام قدمت إلى المحكمة طلبا بتصوير جلسات المحاكمة، وأن النيابة العامة هي التي قدمت هذا الطلب، ثم إن الطلب الذي تقدمت به النيابة العامة كان عامّا، حيث تحدث عن وسائل الإعلام المعتمدة، دون تحديدها، وأكثر من هذا جاء في الطلب أن التغطية ستشمل ما قبل الجلسة وما بعدها، وهذا خارجٌ عن إطار اختصاص رئيس الهيئة، ويجب أن يقدم إلى رئيس المحكمة، لأن رئيس الهيئة يحكم في القاعة في الوقت الذي تكون الجلسة منعقدة، وليس له الحق بأن يأذن بالتصوير خارج الجلسة، بينما رئيس المحكمة هو الذي يحكم في المحكمة ككل.

ثم إن الكاميرات ظلت مثبتة في قاعة المحكمة طيلة الجلسات واستمرت في التصوير، ونحن لا نعرف من هي الجهة صاحبة هذه الكاميرات، ولا الجهة التي تنقل إليها بالبث المباشر ما يجري داخل قاعة المحكمة، وأين يذهب ما تصوره.

كما أن الاحتفاظ بالمتهمين داخل القفص كان خرقا للقانون. النقاش حول هذا الموضوع طُرح في عدد من بلدان العالم، وسبق لمؤسسات دولية في مجال حقوق الإنسان أن بتّت فيه، وقالت إنّ وضع متهم في قفص الاتهام فيه خرق لشروط المحاكمة العادلة، وضرب لمبدأ قرينة البراءة.

ونحن طلبنا من المحكمة أن يَمثُل المتهمون أمام الهيئة، لا أن يوضعوا في القفص، وقد استجابت المحكمة لهذا الطلب في جلسة، لكنها رفضت مباشرة أن يخرجوا من القفص.

من المعروف أنّ المحكمة تقدم جميع المتهمين، بمن فيهم المتهمون بارتكاب جرائم خطيرة، أمام الهيئة أثناء المناقشة، وهذا هو الإجراء المعمول به في مختلف محاكم المملكة، بما في ذلك محكمة الإرهاب، ونحن نتساءل: لماذا يشكّل معتقلو حراك الريف استثناء، ويصرون على وضعهم في القفص طيلة أطوار المحاكمة. إنّ هذا خرق لشروط المحاكمة العادلة.

هناك أيضا مسألة مهمة، هي أنّ المحكمة خرجت عن حيادها في مجموعة من المحطات؛ مثلا، طرحت أسئلة لا علاقة لها بالمتابعة، مثل توجيه سؤال "واش انت مغربي؟" إلى أحد المتهمين، إضافة إلى أسئلة أخرى عبَّرت فيها عن رأيها قبل المداولة، وأسئلة لا علاقة لها بأفعال المتابعة، وهذه التصرفات كلها أخرجت المحكمة عن حيادها.

هل معنى هذا أنَّ المحاكمة كانت منذ الأوّل "مُوجَّهة"؟

لا أستطيع أن أقول إنّ المحاكمة كانت موجّهة، لأني لا أملك ما يثبت ذلك، ولكني أقول إنّ المحاكمة لمْ تَسِرْ في الطريق الصحيح والطبيعي الذي كان ينبغي أن تسير فيه.

وأود هنا أن أشير إلى أنّ من شروط المحاكمة العادلة أن تجري أمام قضاء نزيه ومستقل، وأنا شخصيا أعتقد أن القضاء في المغرب لا يزال غير مستقل، ولا يمكن أن نتصور أن يكون القضاء مستقلا إلا في ظل نظام يحترم فصل السلط. بمعنى أن القضاء المستقل يقتضي أن يكون هناك فصل حقيقي للسلط.

هل أفهم من كلامك أن قضاة هذا الملف لم يحكموا انطلاقا مما ينص عليه القانون وبما تُمليه عليهم ضمائرهم؟

حينما أقول إن القضاء غير مستقل فلا أقصد القضاة. القاضي مطلوب منه أن يكون نزيها، والمحكمة مطلوب منها الحياد، والقضاء، كمؤسسة، مطلوب منه الاستقلال. القاضي يمكن أن يكون نزيها، لكن إذا لم يكن القضاء مستقلا، ولم تكن المحاكمة محايدة، فلا فائدة من نزاهة القاضي.

أستشعر في كلامك تلميحا إلى تدخّل جهات خارجية في هذا الملف.

لن أقول إنّ جهات خارجية تدخّلت في قضية متابعة معتقلي حراك الريف، ولكني أقول: انطلاقا من القناعة التي ترسّخت لدي، لم يُمتّع المتهمون بالمحاكمة العادلة.

طيب، ماذا عن الأحكام الصادرة في حق المُتابَعين. رئيس النيابة العامة قال إنّها أحكام مخففة. ما ردك على كلامه؟

بداية، يجب أن نتفق على مسألة مهمة، هي أنّ محاكمة معتقلي حراك الريف محاكمة سياسية، وحين نقول محاكمة سياسية، فنحن لا نعبّر عن رأي شخصي، بل بناء على ما يقوله القانون. الجريمة السياسية عرّفها مؤتمر كوبنهاغن لتوحيد القانون الجنائي، عام 1935، بأنها مرتبطة بعمل أجهزة الدولة ومؤسساتها أو بحكامتها أو طريقة عمل هذه الأجهزة...

حين تتابع المحكمة والنيابة العامة شخصا بجريمة المسّ بأمن وسلامة الدولة، أو بتهمة المس بالحقوق والحريات، والتجمعات والتظاهر، فهذه تُعتبر جرائم سياسية، وحين نقول إنّ هذه الجريمة أو تلك سياسية، فإنّ المتابعة فيها تكون سياسية، لأنها نابعة من السياسة الجنائية، التي كان يضعها وزير العدل، في القانون القديم للمسطرة الجنائية، ويبلغها للوكلاء العامين لتنفيذها، وحاليا تضعها المؤسسة التشريعية، ويسهر على تنفيذها الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، باعتباره رئيسَ النيابة العامة، وبالتالي فتحريك المتابعة في هذا الملف، وما واكبه من إجراءات، وراءه سياسة جنائية، وهذه كلها إجراءات سياسية.

أوضّح أكثر فأقول إنّ هذه الإجراءات سياسية، خصوصا أنها مرتبطة بممارسة الحق في الاحتجاج، لأن كثيرا من الأفعال لم يُستهدف فيها المتهمون فقط. حين تقدم المحكمة مسيرات ومظاهرات بوصفها إثباتا، أو تتخذ شعارا من الشعارات، التي تُرفع بالملايين في المغرب، مثل: "هي كلمة واحدة هاد الدولة فاسدة"، كوسيلة إدانة في ملف معتقلي حراك الريف، باعتباره إهانة، رغم أنه شعار يُردّد في المغرب بأكمله، فإننا نصير أمام محاكمة الحق في الاحتجاج.

هناك أيضا مسألة مهمة، وهي قرار الإحالة لقاضي التحقيق. المُحاكمة مرّت بعدد من المراحل: مرحلة البحث التمهيدي قبل الاعتقال، ومرحلة البحث التمهيدي أثناء وبعد الاعتقال، ثم مرحلة التحقيق. وجاء قاضي التحقيق واستمع تفصيليا إلى المتهمين طيلة حوالي شهرين ونصف، لكنه حين وضع قرار الإحالة قفز على هذه المراحل كلها، ولم يتحدث عنها نهائيا، بل ارتكز مباشرة، حين تكييف الوقائع، على البحث التمهيدي. نحن الآن ننتظر خروج نسخة من قرارات المحكمة، ونخشى أن يتكرر الأمر نفسه، بطمس ما دار خلال 85 جلسة التي استُمع فيها إلى المتهمين والشهود وهيئة الدفاع، وأن يكون الحكم مبنيا على البحث التمهيدي ومحاضر الشرطة القضائية فقط.

هناك مسألة أخرى مهمة، هي أنّ المحكمة قُدمت أمامها مجموعة من مزاعم التعذيب، التي تقدم بها المعتقلون منذ الجلسة الأولى للاستنطاق الأوّلي، وقد أمر قاضي التحقيق بإجراء فحص طبي، وأكد مزاعم خمسة متهمين، وهناك تقرير طبي أنجزه المجلس الوطني لحقوق الإنسان، يؤكد أنّ مزاعم التعذيب صحيحة، وأحيل على وزير العدل، الذي نشر بلاغا في الموضوع، يطلب فيه من الوكيل العام بالدار البيضاء أن يضم التقرير إلى وثائق الملف، لكنه لم يُضَم.

ثم هناك شهادات المتهمين الذين يسمعون بعضهم أثناء التعذيب، وهناك شواهد طبية أدلى بها المتهمون من داخل السجن.

هذا يعني أن هذه المزاعم، حتى إذا افترضنا أنها ليست صحيحة، فهي جدّية، وينبغي أن يُبحث فيها، وحينما تُقدَّم كدفع أمام المحكمة، كان على هذه المحكمة أن تبحث فيها، وتتأكد إن كانت صحيحة أم لا، أما عدم البحث فيها فيجعل الارتكان إلى الإجراءات التي تمت أثناء البحث التمهيدي غير سليمة.

أعود إلى الأحكام. ما ردّك على الجهات التي قالت إنها كانت مخفّفة، وأن الهيئة القضائية متّعت المتهمين بظروف التخفيف؟

لا أريد الدخول في النقاش الدائر حول ما إن كانت الأحكام مخففة أم لا. أنا أقول إنّ هذه الأحكام غير مصادفة للصواب.

أنا لا أدخل في تقدير القضاة للعقوبة، فذلك شأن يخصهم. لكن ما يهمني هو ثبوت الأفعال التي استدعت صدور هذه الأحكام، التي، كما قلت، غير مصادفة للصواب.

قلت، مؤخرا في ندوة صحافية، إنّ حل هذا الملف سياسي. هل تقصد أن الحل بيد الملك؟

نحن نقول إن هذا الملف بدأ سياسيا، ويجب أن يُحلّ سياسيا. الملف لم تُباشَر إجراءاته الأولى بناء على قرار قضائي، بل بدأ بإجراء سياسي، وأقصد هنا البلاغ المشترك الذي أصدرتْه الأحزاب المشكّلة للتحالف الحكومي، ثم زيارة وزراء إلى منطقة الريف، وغيرها من الإجراءات التي تبيّن بجلاء أنّ الملف بدأ بداية سياسية.

وتترسخ لدينا القناعة بأنّ هذا الملف يجب أن يُحل سياسيا، حين نستحضر أنّ هذا الملف لا يهمّ فقط 500 معتقل، ما بين البيضاء والحسيمة والرباط، و1200 من المبحوث عنهم، بل يهم منطقة الريف بأكملها.

لا يزال التوتر مخيما على المنطقة، والدليل ما وقع بعد صدور الأحكام. فهل سنبحث عن حل لأربعة وخمسين شخصا صدرت في حقهم الأحكام بالدار البيضاء، أم يجب أن نبحث عن حل للملف ككل؟ إذن حل هذا الملف هو حل سياسي.

ومَن هي الجهة التي بيدها هذا الحل؟

هذه مسألة تخرج عن تقدير هيئة الدفاع. الدولة بجميع أجهزتها تعرف الجهة التي بإمكانها أن تحل هذا الملف أو تساهم على الأقل في حله. نحن في هيئة الدفاع، وبغض النظر عن آرائنا السياسية، هدفنا هو مصلحة المتابَعين، والتخفيف من معاناتهم ومعاناة عائلاتهم، والحد من التوتر الذي يسود منطقة الريف. هذا ما يهمنا، وهذا مبتغانا من الدعوة إلى إيجاد حل سياسي لهذا الملف.

ألا يمكن أن يؤثر بحثكم عن حل سياسي على أدائكم كدفاع في باقي مراحل المحاكمة؟

كل ما يمكن أن تتحقق به مصلحة المتابَعين نحن معها. لسنا مصرّين على أنه لا بد أن تسير المحاكمة إلى نهايتها. فبالنسبة إلينا كل ما تتحقق به مصلحة المتابَعين نحن نقبله.

هناك من يقول إن هناك طرفا آخر تضرر في الملف ويجب إنصافه، وأقصد هنا عناصر الأمن.

نحن لسنا ضد تطبيق القانون. وبالنسبة إلى الأحداث المؤسفة التي وقعت، نحن مع محاسبة المتسببين فيها، ولكن يجب التمييز بين تحديد المسؤولية الفردية للأشخاص الذين حرّضوا أو ساهموا إيجابا أو سلبا في الأحداث، وبين العقاب الجماعي للناس. نحن ضد العقاب الجماعي، ولا يمكن أن نقول إنّ كل الناس متورطون.

يجب تشخيص المتابعة وتفريد العقاب، هذا هو دور العدالة. فلا يمكن أن نتابع شخصا لكونه فقط في قيادة الحَراك.

أعطيك مثالا بسيطا: بِم يمكن تفسير حالة محمد جلول، الذي كان معتقلا عندما بدأ الحَراك؟! لقد خرج من السجن يوم 12 أبريل 2017، واعتُقل يوم 28 ماي 2017. ما هي الأفعال التي ارتكبها ليتم الحكم عليه بعشر سنوات؟ وما هي الأفعال التي قام بها ليتم اعتقاله والحكم عليه بهذه العقوبة؟

هل معنى ذلك أن هناك متابعين أدينوا فقط لأنهم احتجوا وليس لكونهم اقترفوا جرائم؟

نعم. اعتُقلوا فقط لأنهم كانوا في الحراك أو كانوا من رموزه، دون أن تكون لهم علاقة مباشرة بالأفعال التي توبعوا بها.

أذهب أبعد من هذا وأقول إنّ ناصر الزفزافي في أحداث إمزورن أتى بثلاثة شهود شهدوا بأنه حين وقعت أحداث إمزورن كان هو جالسا في مقهى، وناصر أيضا يؤكد ذلك.

الزفزافي طيلة مراحل الحَراك كان إمّا يوثّق الاحتجاجات بالصوت والصورة، أو كان يُصوَّر، ففي أي وقفة شارك كان هناك مقطع فيديو يوثقها، والواقعة الوحيدة التي لم يتم توثيقها، تسجيلا أو تصويرا، هي واقعة إمزورن.

لقد أتت المحكمة بثلاثة أشخاص كشهود، قالوا إن ناصر الزفزافي كان يمتطي عند الساعة الثالثة زوالا سيارة سوداء مجهولة، لا يعرفون نوعها، وأنه وجَد مجموعة من الناس في الشارع، حرّضهم على مواجهة القوات العمومية، قبل أن ينسحب، لكنَّ الإشكال هو أن هؤلاء الشهود يدعون بأنهم حضروا الأحداث بتفاصيلها، أي أنهم كانوا في الساحة.

هناك شاهد ضمن هؤلاء الثلاثة قال إنه كان حاضرا في الساحة، وذهب على رجليْه إلى غاية سيدي بوعفيف، ثم رجع من هناك إلى وسط إمزورن للمرة الثانية، وحضر الهجوم على ثكنة القوات المساعدة وإقامة الشرطة، كما حضر الهجوم على مفوضية الشرطة بالليل، ومع ذلك أتت به المحكمة كشاهد.

هذا الذي حضر الأحداث يؤتى به كشاهد، وناصر الزفزافي الذي ينفي حضوره في الساحة حين اندلاع أعمال العنف يؤتى به كمتهم بجناية.

لقد أكد ناصر، ولا يزال يؤكد، أنه لم يكن حاضرا في الساحة بإمزورن حين اندلعت أحداث العنف، والشهود الثلاثة الذين شهدوا له يؤكّدون بدورهم كلامه، بل هناك مقطع فيديو يعبّر فيه الزفزافي عن رأيه في أحداث إمزورن، ويقول إن تلك الأحداث لا علاقة لها بالحراك، وأن لا علاقة لنا بها، وأنها مشبوهة، ونحن متشبثون بالسلمية، وهذا الفيديو يوجد ضمن وثائق الملف، لكن المحكمة رفضت عرضه.

ولكن الزفزافي اعتُقل بعد عرقلته صلاة الجمعة بأحد المساجد؟

ليس هناك ما يُثبت أن ناصر الزفزافي أوقف صلاة الجمعة. لدينا في الملف شهادة حارس المسجد، الذي يقول إن ناصر كان خارج المسجد، وسمع مجموعة من الأشخاص يحتجون على الإمام، فولج المسجد ودخل مع ذلك الإمام في سجال، وبالتالي إذا كنا نتحدث عن فعل عرقلة العبادة، فهو غير موجود في هذه الحالة.

قد يكون هناك مساس بالشعور العام والشعور الديني، لكن ما تلا هذه الواقعة هو أن ناصر اتُّهم بارتكاب جناية، والحال أننا إزاء جنحة فقط. لقد كان بإمكان السلطات أن تتعامل بألف طريقة وطريقة مع هذه الواقعة، بدل الطريقة التي تعاملت بها معها.

وماذا كان على السلطة أن تفعل في هذه الحالة؟

أن تنتظر، مثلا، إلى أن تهدأ الأوضاع وتستدعي ناصر إذا ثبت لها أنه خرق القانون، مع العلم أن الوقائع التي لدينا تؤكّد أنه لم يخالف القانون.

ختاما، ما هي رسالتك إلى مختلف أطراف ملف معتقلي حَراك الريف؟

استمرار الاحتقان والتوتر في الريف ليس من مصلحة أحد. المتَابعون ليسوا حريصين على أن يغلبوا، وكذلك نحن، في هيئة الدفاع، حريصون على تحقيق العدالة، وعلى ألا يكون هذا الملف بوابة للعودة إلى سنوات كنا نفترض أننا تجاوزناها.

تهمة المس بسلامة الدولة والمؤامرة تُرجعنا إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين كان هناك أشخاص ينازعون خارج الحكم، وبالتالي إيجاد حل لهذا الملف سيكون في مصلحة الوطن أولا، وفي مصلحة أطراف الملف ثانيا.