البوحسيني: الحكومة أججّت الاحتجاجات .. واليسار مطالب بالمراجعات

البوحسيني: الحكومة أججّت الاحتجاجات .. واليسار مطالب بالمراجعات

اتهمت لطيفة البوحسيني، الناشطة الحقوقية، الحكومة المغربية بتأجيج الاحتجاجات في منطقة الحسيمة خلال "حراك الريف"، من خلال بلاغ الأغلبية الذي اتهم الحراك بـ"الانفصالية"، معتبرة أنها حكومة لا تلوذ بالصمت وكلما سنحت لها الفرصة تصدر بلاغات أقل ما يقال عنها إنها بلاغات تزيدُ الوضع تأزما وتُؤجج الغضب.

وترى البوحسيني، في الجزء الأول من حوارها مع هسبريس، أن "الحكومة ستُسجّل في تاريخ المغرب أنها حكومة وضعت نفسها في تضاد وتناقضات مع الحركات الاجتماعية، ومع المجتمع المغربي بشكل عام".

ووصفت البوحسيني الأحكام الصادرة في حق نشطاء حراك الريف بأنها "ثقيلة وظالمة وجائرة، نزلت كالصاعقة"، مضيفة: "حتى من كانوا ضد حراك الريف وكانوا ينتقدونه ولم ينخرطوا فيه ولم يُؤمنوا بأهدافه، صُدموا بالأحكام الثقيلة التي صدرت في حق النشطاء"، معتبرة أن الأحكام "تؤكد أن المغرب يعيش تراجعا حقيقيا في مجال حقوق الإنسان".

وبخصوص دور الأحزاب والنقابات في تأطير الفعل الاحتجاجي، قالت الناشطة الحقوقية إن النظام سعى، عمليا، بشكل مخطط له، إلى القضاء على أدوار الوساطات التي تلعبها الأحزاب والنقابات والجمعيات، معتبرة أن الحركات الحالية "تخرجُ من قلب المجتمع المغربي ولكن في سياق خَفُت وتراجع فيه الدور التأطيري للأحزاب والنقابات والجمعيات".

وعن تواجد اليسار في النسق السياسي المغربي، ترى البوحسيني ضرورة إجراء مراجعات "تمس الجانب المتعلق بالمجال الاقتصادي أو التنموي"، من خلال "نموذج تنموي يمتحُ دعائمه وأسسه من الفكر الاشتراكي القائم على قيمة العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثورات".

نص الحوار:

كيف ترين تعاطي الحكومة مع حراك الريف؟

في الحقيقة، الحكومة لم تجد الأجوبة، وهي حكومة ولدت بإعاقات كبرى، وكان واضحا منذ تشكيلها أنها لا تمتلك أي قرار. ولكن المشكل الكبير أنها لا تمتلك القرار وكلما أتيحت لها الفرصة تخرج ببلاغات. في البداية، اتهمت حراك الريف بأنه حراك انفصالي، وهي حكومة لا تلوذ بالصمت، وليست لها أي إمكانية للفعل ولاتخاذ القرار لحلحلة المشكل وللتقدم بحلول وبدائل، بل في كل مرة تتاح لها الفرصة تصدر بلاغات أقل ما يقال عنها إنها بلاغات تزيدُ الوضع تأزما وتؤجج الغضب.

وبلاغ الأغلبية الحكومية السنة الفارطة، الذي اتهم حراك الريف بالانفصالية، كان هو السبب في تأجيج الغضب بشكل كبير جدا. والشيء نفسه في ما يتعلق بالأحكام وحراك جرادة، إما هناك الصمت وعدم القدرة على تحريك أي قرار ممكن، أو هناك اتهام الحِراكات بالتخوين والانفصالية أو بخدمة أجندات أجنبية، وهذا يبين أن الحكومة ستُسجل في تاريخ المغرب على أنها حكومة وضعت نفسها في تضاد وتناقضات مع الحركات الاجتماعية ومع المجتمع المغربي بشكل عام.

ما تعليقك على الأحكام الصادرة في حق المعتقلين؟

هي أحكام قاسية وثقيلة وظالمة وجائرة، نزلت كالصاعقة، وحتى من كانوا ضد حراك الريف وكانوا ينتقدونه ولم ينخرطوا فيه ولم يُؤمنوا بأهدافه، صُدموا بالأحكام الثقيلة التي صدرت في حق النشطاء.

وأعتبرُ معنى هذه الصدمة أن الناس خافوا وصُدموا، ولاحظوا أن هناك رسالة يريد النظام توجيهها إلى المغاربة، وهي رسالة ترهيب وتخويف، لتؤكد الدولة أنها ستعود إلى عادتها القديمة، وهي أن تعود إلى الممارسات التي كانت سائدة خلال سنوات الرصاص، ليس إلى ممارسات ما قبل دستور 2011، الذي من المفروض أنه كان لحظة أساسية في حياتنا الجماعية والسياسية، بل الرجوع إلى ما قبل حكومة التناوب التي شكلت لحظة مفصلية في علاقة الدولة مع المجتمع ومع الفاعلين السياسية، وعمليا لحظة للتحضير للقطع مع ما عاشه المغرب خلال سنوات الرصاص من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

وهذه الأحكام هي رسالة تؤكد أن المغرب يعيش تراجعا حقيقيا في مجال حقوق الإنسان.

لماذا تراجع دور الأحزاب والنقابات في تأطير الفعل الاحتجاجي في المغرب؟

الحركات الاجتماعية والانتفاضات الكبرى التي عرفها المغرب منذ الاستقلال إلى مراحل متأخرة هي انتفاضات تتم خارج تأطير الأحزاب والنقابات، ولكن يمكن القول إن الانتفاضات عندما كانت تحدثن آذاك، كان هناك مخاطَب نقابي وسياسي واجتماعي، وكانت الأحزاب السياسية تنزلُ بثقلها وتلعب أدوار مهمة جدا.

والحركات في السنوات الأخيرة، منذ 20 فبراير، هي حركات تخرجُ من قلب المجتمع المغربي ولكن في سياق خَفُت وتراجع فيه الدور التأطيري للأحزاب والنقابات والجمعيات. والنظام سعى، عمليا، بشكل مخطط له، إلى القضاء على أدوار الوساطات التي تلعبها الأحزاب والنقابات والجمعيات.

ونحن اليوم نحصد ما زرعه النظام، بمعنى أنه أولا تم القضاء على هذه الأدوار، وتم السعي إلى إفقاد الثقة في الشأن الحزبي والسياسي والنقابي المهم في بناء الديمقراطية والأمن والسلم في بلادنا.

وفي هذا السياق، سيجد النظام نفسه وجها لوجه أمام حِراكات المجتمع، في سياق لم يتراجع فيه فقط دور التأطير، ولكن تراجع دور التعليم والتربية، وفقدان الثقة سيجعل المغاربة غير مستعدين للتحاور مع أي كان، بل كانوا يطلبون بوضوح في حراك الريف التحاور وجها لوجه مع رأس الدولة، أي مع الملك. ونحن نحصدُ مع ما زرعناه، فقدنا الثقة في دور وساطة الأحزاب، اليوم يجب التفاعل مع هذا الوضع.

والمقاربة التي تبنتها الدولة هي أنها غير مستعدة للتفاوض والحوار، وهي المقاربة الأمنية والقمعية والتضييقية على الحريات والحقوق، نحصد اليوم نتائجها عبر الأحكام القاسية التي نزلت على نشطاء حراك الريف.

في الحقيقة، نعيش لحظة صعبة جدا، حيث إن المشترك في هذا البلد يسائل الدولة، من القمة إلى الأحزاب إلى النقابات إلى الجمعيات إلى الحكومة، حول أي اتجاه سنذهب فيه بهذه المقاربات.

كيف تشرحين غياب قدرة اليسار على تأطير الفعل الاحتجاجي في المغرب؟ هل الأمر متعلق بعدم تحكمهم في زمام السلطة أم لتراجع موازين القوى أم لاعتبارات أخرى؟

اليسارُ هو يسارات على كل حال، ولكن يصعب بالجملة القول إن اليسار لم يعد بإمكانه أن يؤطر بشكل نهائي، ونستحضر مسيرة يوم الأحد في الدار البيضاء لإدانة الأحكام القاسية لنشطاء حراك الريف؛ إذ يبدو أن اليسار مازالت له القوة التأطيرية، ليس كما الشأن في السابق لأنها مسألة مفروغ منها، ولكن أقول إن اليسار بشكل عام اليوم يعيش تراجعات، فيها ما هو موضوعي وفيها ما هو ذاتي.

لا يمكن أن نغفل أن اليسار المغربي بكل مكوناته كان مُستهدفا غبر مراحل متعددة من طرف النظام؛ إذ مسّته الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بشكل قوي جدا، ولا بد من التذكير بهذه المسألة، التي ساهمت عمليا في خفوت الدور التأطيري للحركة اليسارية بكل عام.

ومع ذلك، أعتقد أنه من المهم أن نتوقف عند المعطيات الذاتية، وأعتبر أنها من أحد الأسباب التي يمكن أن نستعين بها لقراءة الضمور والخفوت الذي تعيشه الحركة اليسارية بشكل عام.

بالنسبة لي منذ سقوط جدار برلين سنة 1989 طُرح سؤال المرجعيات الكبرى التي يجب أن يقوم بها اليسار على المستوى العالمي وعلى مستوى وطننا، مراجعات على مختلف المستويات، على مستوى المرجعية الاشتراكية التي بتلاوينها وتفاصيلها كانت عمليا تعتبر المشترك ما بين مختلف مكونات اليسار المغربي.

ومن أمثلة ذلك، أعتبر أنه كان يجب أن تمس المراجعات الجانب المتعلق بالمجال الاقتصادي أو التنموي، فقد كان اليسار منخرطا في الفكر الاشتراكي وعبره كان يقترح نموذجا تنمويا يمتحُ دعائمه وأسسه من الفكر الاشتراكي القائم على قيمة العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثورات، ولكن منذ سقوط جدار برلين، والهجمة شرسة للبرالية وأحيانا الليبرالية المتوحشة، ولعولمة الاقتصاد، أصبح سؤال النموذج الاقتصادي يطرح نفسه على اليسار بشكل عام في العالم بأسره، وعلى اليسار المغربي.

ما ألاحظه أن اليسار المغربي لم يتمكن من القيام بمراجعات، رغم أنه أمر صعب، وهو تحدّ كان لا بد منه، ومازال مطروحا على اليسار المغربي القيام به وإنجازه.

المثال الآخر الذي اعتبرهُ أساسيا ومهما، هو ما يتعلق بسؤال المرجعية، المرجعية الفلسفية بشكل عام، المرجعة الفكرية، وفي القلب منها هناك العبد الهوياتي، وفي قلب هذا الأخير هناك المعطى الديني، الذي لا يمكن تغافله ولا يمكن عدم التفكير فيه ولا عدم اقتراح أجوبة بخصوصه.

بالنسبة لي، اليسار لا يمكن أن يجيب بطرق غير مباشرة، حيث يتركنا نفهم بردود فعله غير المباشرة وكأنه يُبعد هذا المعطى الأساسي في الهوية المغربية.

وكمثال على ردود الفعل، هو حينما يتم التفاعل مع الحركة الإسلامية المغربية، أي تيارات الإسلام السياسي المغربي، باتهامها بالظلامية. وبالتالي، لا بد لليسار من القيام بمراجعات، وبالنسبة لي هناك اجتهادات كثيرة.

أيعقل أن نتخلى فكريا على المجهود الفكري حول كيف يمكننا كيساريين أن نتمثل ونتملك ونستبطن قيم الدين الإسلامي على أساس أن تكون عناصر للتقدم وعناصر للتنوير والتجديد والإصلاح؟ كيف لنا كيساريين أن نستبطن هذه القيم ونجعلها في قلب مرجعيتنا بالشكل الذي يدفع بنا إلى أن نتقدم في الدفاع عن قيم اعتبرناها قيما تميزنا كيساريين وهي قيم المساواة، وفي القلب منها، المساواة بين الجنسين؟

كيف يمكننا كيساريين أن نتمثل قيم الحرية وفي قلبها الحريات الفردية، وندافع على أنه ليس هناك تناقض بين أن ندافع عن هذه القيم وأن نجعلها في أفق يمتح من روح ورسالة الدين الإسلامي، رسالة الانفتاح، التقدم، التدرج والأخذ بعين الاعتبار المعطيات التاريخية.

وبقدر ما يهمني أن يقوم اليسار بالمراجعات اللازمة على هذا المستوى، أسائلُ في الوقت نفسه الحركة الإسلامية، أو على الأقل جزء منها، حول ضرورة القيام بمراجعات، كيف يعقل أن نضع التضاد والتناقض بين القيم الإنسانية الجميلة، وقي القلب منها الحرية والمساواة، ونضعها في تضاد مع الدين الإسلامي؟ لماذا هذا التعارض؟ ولماذا نتشبث بالخصوصية كلما تعلق الأمر برفضِ المساواة والمساواة بين الجنسين؟ لماذا يتعلق رفض الكونية والتشبث بالخصوصية كلما تعلق الأمر برفض الحرية، والحريات الفردية على رأسها؟

لماذا لا ننخرط في مراجعات كبرى من شأنها أن تُصالح المغاربة جميعا مع مرجعيتهم الدينية على أساس أن تكون مرجعية للتقدم وللذهاب إلى الأمام بما يخدم هذا البلد في عمقه الديمقراطي وفي عمق أهدافه التي تتوخى أن يكون لها إسهام في الحضارة الإنسانية؟

توقفا عند دستور 2011، ما الذي تحقق اليوم؟ وهل هناك تراجعات؟

هو نفسه دستور 1996، كان لحظة تفاوض كبير بين مكونات الكتلة الديمقراطية والنظام المغربي، واليوم نعيش تراجعات على كل هذا التراكم الذي تحقق، شئنا أم أبينا، منذ حكومة التناوب التي كان يرأسها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، ثم فيما بعد لحظة 2011، وصولا إلى الحكومة التي ترأسها الأستاذ عبد الإله بنكيران.

وأريد أن أتوقف عند أحد النقاط التي جاء بها دستور 2011، وهي مكانة رئاسة الحكومة. كان سؤال جوهري في النقاش السياسي المغربي حول مكانة الوزير الأول، أو رئيس الحكومة، في العلاقة بين الملكية والحكومة، مفاده كيف نتصور مضمون الملكية البرلمانية التي كانت إحدى شعارات مكونات اليسار المغربي، أو على الأقل جزء من مكوناته.

يظهر بالملموس هنا أن رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، من خلال تصريحاته المتعددة والمتكررة، ومن خلال ما عشناه، كان يتعرض لتضييق على اختصاصاته؛ معناه أننا وضعنا دستورا ولكن على مستوى التفعيل وضعنا كل ما يلزم من عراقيل حتى لا يتمكن رئيس الحكومة من ممارسة اختصاصاته، وهذا إشكال حقيقي، وهو إشكال سيتأكد لحظة انتخابات 2016، وذلك رغم كل ما يمكن توجيهه من انتقادات لاذعة بخصوص السياسيات العمومية التي تبنتها حكومة عبد الإله بنكيران التي لا يسمح الوقت لندخل في تفاصيل المسؤول عنها كليا أو جزئيا.

لكن المهم هو أن المغاربة، أو على الأقل جزء ممن تنقلوا يوم الاقتراع وصوتوا، وضعوا حزب العدالة والتنمية على رأس الأحزاب السياسية التي تقدمت للانتخابات، ولاحظنا ما عشناهُ لأكثر من ثلاثة أشهر، وهو ما سميناه آنذاك بالبلوكاج، والرسالة الأساسية من البلوكاج هي أنه لن نترجم ولن نطبق الدستور.

ورئيس الحكومة الذي كانت له أغلبية ضيقة بالأمس، اتسعت اليوم، وحتى إن اتسعت سعَينا بكل الطرق إلى تحجيمها وتضييقها وخنقها، وفي نهاية المطاف تخلينا عن بنكيران لأنه دافع بشراسة على احترام المنهجية الديمقراطية واحترام اختصاصاته كرئيس حكومة تم تعيينه من طرف الملك بناء على نص دستوري لكي يشكل أغلبيته وتكون له الأغلبية المريحة، لأن صناديق الاقتراع أعطت له هذه الإمكانية، والواضح من البلوكاج والتضييق أنه نرفض أي تفعيل للدستور.

ويمكن أن نتحدث عن الحوار المدني في ما يعلق بدور الجمعيات، كيف تم تعليقه ولمَ لمْ يؤت أكله، ثم نتحدث عن التضييق على الحريات، وحرية التعبير بالدرجة الأولى، وكيف نعيش نكوصا على هذا المستوى وكيف تم التنكيل والتضييق على مجموعة من الصحافيين. هذه كلها إشارات ودلالات على أن هناك دستورا وليست هناك إرادة سياسية لتفعيل هذا الدستور.