احجيج: وضعية البحث العلمي مُخجلة تعكس واقع الجامعة المغربية

احجيج: وضعية البحث العلمي مُخجلة تعكس واقع الجامعة المغربية

أعاد إطلاق وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والبحث العلمي "برنامج ابن خلدون للبحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية"، والذي خُصص له غلاف مالي بقيمة 30 مليون درهم، سؤال ضعف البحث العلمي في المغرب إلى الواجهة، سواء في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية أو في باقي العلوم.

في هذا الحوار يتحدث عالم الاجتماع حسن احجيج عن أسباب ضعف البحث العلمي في المغرب، وخاصة في مجال العلوم الاجتماعية، إذ يرى أنَّه انعكاس للوضعية التي توجد عليها الجامعة المغربية، باعتبارها المُنتج الرئيسي للبحث العلمي.

ما تقييمك للبحث العلمي في المغرب؟

دعنا نبدأ أولا بهذه المعطيات الرقمية التي تدعو إلى الخجل: عدد الباحثين بالنسبة لكل مليون نسمة في المغرب هو 647، في مقابل 5000 في البلدان الغربية. كما أن مشاركة المغرب في المقالات العلمية في العالم لا تتجاوز 0.03..إنها أرقام تعكس وضعية البحث العلمي في بلادنا.

برأيك، ما أسباب هذه الوضعية المخجلة، كما وصفْتها؟

لا تخفى على أحد المكانة المتأخرة التي تحتلها الجامعة المغربية في الترتيب الدولي للجامعات. وبما أن الجامعات في المغرب هي المنتج الرئيسي للبحث العلمي، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك الترتيب السيئ على الإنتاج العلمي.

إلا أن الجامعة ليست مؤسسة مستقلة عن باقي المؤسسات التربوية الأخرى، لذلك فإنها امتداد لنظام تعليمي رديء، بدءاً من الابتدائي إلى الثانوي، ما يخوّل القول إن الجامعة لا تختلف عن الثانوية إن لم تكن أسوأ منها.

أقول هذا لأنّ التدريس في الجامعة، كما في المستويات الأخرى، يرتكز على التلقين وغياب الفكر النقدي اللازم لإنتاج كفاءات بشرية منتجة للمعرفة العلمية. كما أن النظام التعليمي في بلدنا يمجد "العصر الذهبي" العربي الإسلامي ويخلق أفراداً يفضلون العيش في هذا العصر المتخيل على العيش في عالم واقعي بما يتطلبه من معاناة من أجل البناء والتطوير وبذل الجهد.

فضلا عن ذلك فإن تفضيل الدولة للتخصصات التقنية على التخصصات المعرفية من شأنه تفريخ عدد هائل من اليد العاملة التي تستجيب لمتطلبات المؤسسات العمومية والمقاولات الخاصة التي تنتظر من هذه اليد العاملة أن تكون قادرة فقط على تنفيذ المهام اليومية في غياب أي قدرة على الإبداع والقوة الاقتراحية.

هل ثمّة أسباب أخرى لضعف البحث العلمي في المغرب؟

السبب الثاني متعلق بالميزانية المرصودة للبحث العلمي، ففي المغرب، كما هو الحال في البلدان العربية، تتراوح هذه الميزانية بين 0.2 و0.4 في المائة من الناتج الداخلي الخام، في مقابل ما بين 4 و6 في المائة في الدول المصنعة. وكما كان يقول لي أحد أصدقائي الأكاديميين ساخراً، إن ميزانية البحث العلمي السنوية بالمغرب تساوي ثمن السيجار الذي يدخنه ميسور مغربي ووقود طائرته الخاصة.

السبب الثالث في رأيي يكمن في طريقة انتقاء الأساتذة الجامعيين وإجراءات ترقيتهم التي تقوم على عدد النقط المحصلة التي يتم احتسابها بإحصاء عدد الندوات ومناقشات الأطروحات الجامعية التي شارك فيها الأستاذ الجامعي، والنصوص التي نشرها دونما مراعاة جودة تلك الأعمال والمجلات أو الدوريات التي نُشرت فيها. وهذا الإجراء يُحوِّل الأستاذ الجامعي إلى مجرد موظف مثل الموظفين الآخرين، يشتغل خارج الإيتوس الأكاديمي الذي يميزه عن الآخرين، والمتمثل في إنتاج المعرفة العلمية.

هل توفّر الجامعة المغربية شروط إنتاج البحث العلمي للأساتذة الجامعيين؟

الأساتذة الجامعيون يُبدون كفاءة اجتماعية متخلى عنها من طرف الهيئات الوصية على العمل الأكاديمي في مجال البحث العلمي، حيث يعوِّل كل واحد منهم على كفاءته العلائقية الخاصة في الحصول على تمويل لبحثه العلمي من تنظيمات وطنية أو دولية.

أكثر من هذا فإن الجامعة تنظر إلى الأساتذة كفئة مرتزقة ينبغي أن تكون مصدراً مدراً للربح. فعلى سبيل المثال، إذا توفَّق باحث في الحصول على تمويل وأراد أن يمر عبر الجامعة، فإنه يُحرم من الحصول على تعويض مالي عن قيامه بهذا البحث. كما أن الجامعة تحصل على نسبة مئوية من هذه الميزانية تقترب من النصف، ما يثبط همَّتهم ويدفعهم إلى التخلي عن كل مسعى من هذا القبيل، ويساهم في تعميم الخجل الذي تحدثنا عنه من قبل.

ما رأيكم في السياسة العمومية المتّبعة في مجال البحث العلمي؟

هناك غياب لسياسة عمومية مندمجة للبحث العلمي، تأخذ بعين الاعتبار مجموعة من المتغيرات الضرورية لكل ارتقاء بالبحث العلمي، منها بالأساس: إحداث مراكز بحوث تتوفر على الموارد المالية والكفاءات البشرية اللازمة، وتستفيد من التقدم الحاصل في مراكز البحوث في البلدان الرائدة؛ وضع إستراتيجية مندمجة لنقل المعارف العلمية إلى اللغة العربية ترعاها مؤسسات الدولة الأكاديمية؛ إدماج القطاع الخاص في تمويل البحث العلمي.. إلخ.

أودُّ هنا أن أشير إلى أنّ القطاع الخاص مازال يتبنى مَنطق الباعة المتجولين، إذ لا ينشغل سوى بتحقيق أكبر قدر من الربح، ما يعكس غياب المقاولة المواطنة ببلادنا.

من المتغيرات الضرورية للارتقاء بالبحث العلمي أيضا مراجعة أنظمة إدارة الجودة الداخلية وتطويرها بهدف تعزيز مراقبة مخرجات الجامعة؛ إدماج مراكز البحث في مخططات التنمية؛ وأخيراً إقحام الجامعة في منطق التنافسية عوض الاعتماد على ميزانية عمومية ثابتة تختلط فيها الميزانية الفرعية المخصصة للنظافة وصيانة المرافق مع الميزانية الفرعية المخصصة لإنتاج المعارف العلمية.

ألا يتحمّل الباحثون نصيبا من المسؤولية في ضعف البحث العلمي بالمغرب؟

ثمّة سببا لتخلّف البحث العلمي في المغرب يبدو لي ذا أهمية بالغة، وهو عجز الباحثين عن خلق ما يسمى الجماعة العلمية. لقد استطاع علماء الاجتماع في الغرب أن يخلقوا جماعات علمية بسبب التوافق على لغة العلم الاجتماعي والمفاهيم ودلالاتها والنظريات والمنظورات التي تندرج تحتها، بل استطاعوا التوافق حول معنى الخيال السوسيولوجي ودوره وحدوده.

وبالعكس مازال كل واحد من المشتغلين بالعلم الاجتماعي في العالم العربي يرتجل لحنه الخاص ويبدع ما يشاء من المفاهيم في غياب أي برهنة على وجاهتها العلمية. والأدهى هو أن معظم "الباحثين" العرب في العلوم الاجتماعية الذين ينادون بتأصيل اللغة السوسيولوجية لا يدركون حتى دلالات المفاهيم والنظريات والباراديغمات كما يفهمها الحقل العلمي الغربي الذي أنتجها.