ماء العينين: "البيجيدي" لا يحارب الحريات .. والحاجة إلى بنكيران قائمة

ماء العينين: "البيجيدي" لا يحارب الحريات .. والحاجة إلى بنكيران قائمة

تتحدث أمينة ماء العينين، النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، في هذا الجزء الثاني من الحوار، عن ملتمس الرقابة الذي يشهره حزب الأصالة والمعاصرة كل حين لإسقاط حكومة سعد الدين العثماني، وتبدي ترحيبها به، باعتباره آلية ديمقراطية عادية تُفَعَّلُ في مختلف بلدان العالم.

ولا تخفي ماء العينين، في حوارها مع هسبريس، أن مساحات النقاش داخل "البيجيدي" بعد المؤتمر الماضي أصبحت ضيقة بعد أن استفرد تيار واحد بمقاليد تسيير دفة التوجه السياسي للتنظيم، منبهة إلى أن كلمات "محاربة الاسلام السياسي" ستُعيد إنتاج نفس هزائم خصوم حزب العدالة والتنمية.

إليكم نص الحوار:

هناك العديد من الأصوات التي تقول بأن شعبية الحزب كانت مبنية على الهجوم على الأطراف الأخرى، ولما انتفى هذا العامل برحيل بنكيران، ضمرت شعبية الجزب..

هذا تحليل موجود؛ لكنه سطحي في تصوري، لأنه دائما ما يَنْظُرُ الجميع إلى الناس باستعلاء، كأنهم لا يفهمون. "حزب العدالة والتنمية يلتف عليه الناس لأنه يتبنى خطابا هجوميا"، "إوا أشدو حزب سياسي ويعطيوه خطاب هجومي، وسنرى هل سيلتف حوله الناس"، هذا غير صحيح، الناس التفوا حول "البيجيدي" لأنه حزب حقيقي، ومناضلوه موجودون في الصباح والمساء، يُدَبِّرُونَ جماعات وحكومة ومتواصل بخطاب لديه مصداقية.

الذي حدث هو أن الثقة التي وَضَعَهَا الناس في "البيجيدي" أحسوا بأنه لم يحافظ عليها. الحزب دَخَلَ في توافقات وتنازلات لم تُرْضِهِمْ، وأَخْفَقَ في أن يكون في مستوى التعاقد الذي أبْرَمَهُ معهم؛ لأنه رفع السقف السياسي على كل حال، والناس آمنوا بذلك، خلال استفتاءين كبيرين سَيَبْقَيَانِ محفورين في تاريخ البلاد، وهما محطة 2015 و7 أكتوبر، حيث شهد المغرب عودة التصويت السياسي والتدافع السياسي، وكنا نتجه بفضل ذلك نحو المسار الديمقراطي الذي نريد.

وفي المقابل، لما تَعَسَّفْنَا في وقف هذا التوجه، الناس قاموا برد فعل، ودَفَعْنَاهُمْ إلى التفكير في "علاش غانعاودو نصوتو ما دامت أصواتنا لم تحترم"، وهو أخطر ما يُمْكِنُ أن يَحْدُثَ؛ فالدول لا تقوم بدون إرادة الناس، لا يُمْكِنُ أن يَتِمَ التخطيط سياسيا مع استبعاد رغبات الناس، علينا أن نَتْرُكَ الحياة الحزبية تسير بطريقة طبيعية، ونَتَوَقّفَ عن استهدافِ الحكومة والبرلمان كمؤسسات، ففي مصلحة من أن نقول أن البرلمان مكينش، وبه الشفارة والانتهازيين ولا يقومون بأي شيء؟.

أصبحت العديد من القيادات تلجأ إلى التدوينات الفايسبوكية للتعبير عن رأيها.. هل ضاقت بكم هياكل الحزب إلى هذه الدرجة؟

حزب العدالة والتنمية انقسم نظريا وليس تنظيميا، حيث وَقَعَ تدبير للمرحلة لديّ تحفظ عليه؛ ففي خضم ذلك النقاش الكبير حول انتخاب الأمين العام وإعفاء بنكيران، جرى التوجه إلى المؤتمر الذي قال كلمته وجرت تزكية تصور معين؛ لكن تدبيره في نظري لم يكن سليما، لأنه الذي كان يلزم هو إيجاد مرحلة وسط وفتح حوار فيما بيننا.

الأمين العام الجديد اختارَ أن يَخْلُقَ فَرِيْقَهُ الذي كان حاملا لنفس توجهه، ثم جاءت محطات أُخرى لا أخفي أنها بَيَّنَتْ أن القيادة غير مستعدة لإدماج أناس عندهم وجهة نظر مخالفة، لتبقى بنيات الحزب مغلقة، و"كيتحطو أناس في مواقع بآليات ديمقراطية مسطرية"؛ ولكن المساطر ليست هي الديمقراطية، فاكتفينا بملاحظة محاولة لفرض وهيمنة توجه واحد، جعل مساحات النقاش داخل الحزب ضيقة، إن لم أقل منعدمة.

طرح "البام" بشكل قوي، خلال الأيام القليلة الماضية، مسألة ملتمس الرقابة لإسقاط حكومة العثماني.. ما تعليقك حول الأمر؟

الله اسخر، أنا ديمقراطية، ملتمس الرقابة فعل موجود في العالم بأكمله، معناه أن المعارضة تُلاَحِظُ أن الحكومة لم تَعُدْ مدعمة بأغلبية وبالتالي تهدف إلى إسقاطها. هو فعل ديمقراطي عاديّ، والعبرة من إسبانيا التي أسقطت حكومتها، بالرغم من أننا بعيدون عنها على مستوى الممارسة، فإذا كان فريق من المعارضة لديه هذا التوجه، فليتخذ الإجراءات اللازمة، ويجري التصويت، وإذا ما وجدنا حكومة غير مدعمة بالأغلبية فراه خاصها تطيح.

بلا شك، أنك تابعت تصريح حكيم بنشماش، الأمين العام الجديد لـ"البام"، حول مواجهة الإسلام السياسي.. هل كان "البيجيدي" هو المعني بهذا النقاش؟

واش الناس مكيعياوش؟ يُجَرِّبُونَ ورقة وتُحْرَقْ للمرة الأولى والثانية، أو لا يَقْرَؤُونَ الدروس، وُوجِهَ الحزب بأنه فرع لتنظيم الإخوان المسلمين، ومن اتَهَمَهُ بذلك "جا لصق فيه" لكي يكون مشاركا داخل الحكومة.. ومن الغريب أن يقال عن الحزب إنه يشكل تهديداً، ثم يأتي المُتَهِمُونَ أنفسهم ويبحثون عن سبيل لتسيير البلاد رفقة "البيجيدي".. هذا كله بالنسبة إلي أوراق محروقة.

الحزب لا يشكل أدنى خطر، ولم يمارس التقية يوما، وكانت تَجْرِبَتُهُ الحكومية الأولى من بين أفضل التجارب وخلقت دينامية كبيرة في البلد.. باراكا من مثل هذه الأقاويل، من حق الجميع مواجهة البيجيدي؛ لكن بالبرامج والتنافس، ونعود بعدها إلى الناس بشكل ديمقراطي.

إضافة إلى أنه لا وجود للإسلام السياسي، "البيجيدي" حزب كجميع الأحزاب، هو حزب قوي جَرَّبَهُ الناس، وبنى مصداقيته، وله أخطاؤه كذلك، وعلى الآخرين أن يبنوا مصداقيتهم على حساب أخطاء الحزب، وغير ذلك من التحركات سَتَفْشَلُ؛ لأنه مثل هذه العبارات قيلت سابقا، ولم تجدي نفعا.

لكن لماذا يواجه "البيجيدي" دائما بهذا المصطلح، وبأنه يشكل خطرا على الحريات الفردية؟

قناعتي الصادقة هي أن "البيجيدي" لا يحارب الحريات الفردية بالمطلق؛ لأنه كان يقال عنا حزب إخواني، وإذا وصل إلى الحكومة فَسَيَقُوم بإغلاق الحانات وفرض الحجاب... لكن الحزب، منذ بداية توليه الحكومة، كان دائما يُشَدِّدُ على أنه لم يأت لمثل هذه الأمور.

بالله عليك، هل هناك الآن في المغرب من يحتج على مثل هذه الأمور؟ لا أتصور أن حزبا له رهانات ديمقراطية، سيناقش ذاك هل يشرب أو لا يشرب؟ أو ماذا يفعل ذاك برفقة تلك؟.

بالنسبة لي المشروع الاصلاحي الحقيقي يَرْتَكِزُ على المدخل الاقتصادي والاجتماعي؛ لأن الناس يعانون ويبحثون عن حلول، إضافة إلى المدخل السياسي لأنه لا دولة مزدهرة اقتصاديا دون حقوق وحريات، بما فيها الحريات الفردية..

فـ"الناس في أماكنهم الخاصة إديرو لي بغاو، الناس بينهوم وبين الله اضبرو راصهوم"؛ لكن حين يتعلق الأمر بالتشريع يكون الأمر محط نقاش، لأن الأمر فيه تعاقدات اجتماعية تستحضر استقرار المجتمع ومطلب التعايش، لأن الدولة هي فضاء مؤسساتي لتنظيم اختلافات الناس، خصوصا في تقديرهم وتصورهم لموضوع الحريات، فالدولة تَجِدُ نفسها في موقع مسؤولية تدبير الخلاف، وبالتالي يَتِمُ البحث عن الحدود المعقولة التي فيها احترام حقوق الجميع.

رأيك في 3 أسماء:

بنشماس: بدون تعليق

عبد الإله بنكيران: زعيم سياسي، طبيعة الحياة السياسية المغربية لا تساعد على إفراز مثل هذه الشخصيات. قليلة هي الشخصيات التي كانت بنفس حجم بنكيران، وبقي اسمها لدى الناس. ما يميز الرجل هو أن الناس آمنوا به كسياسي، وعرض نفسه على الناس وصوتوا عليه، بسبب مصداقيته، وأتصور أن الحاجة إليه وإلى أمثاله ما زالت قائمة.

سعد الدين العثماني: رئيس الحكومة، شخصية محترمة، وأمين عام سابق، والحاجة التي لا يلاحظها الناس هي أنه كان أمينا عاما سابقا وعاد مناضلا عاديا، عكس السائد لأنه من كان أمينا عاما وانتهت مهمته، يذهب إلى حال سبيله. العثماني لم يتم التجديد له، وعاد مناضلا داخل الحزب، ثم عين وزيرا للخارجية وخرج منها وعاد مناضلا داخل الحزب، إلى أن اختاره حزب العدالة والتنمية أمينا عاما مجددا، وبالتالي فهو شخصية سياسية متميزة.