ماء العينين: "البيجيدي" قوي .. وإقالة الحكومة محددة بالدستور

ماء العينين: "البيجيدي" قوي .. وإقالة الحكومة محددة بالدستور

في هذا الجزء الأول من حوار مطول مع جريدة هسبريس الإلكترونية، تكشف أمينة ماء العينين، النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، عن موقفها بخصوص طلب الداودي إعفاءه من المسؤولية الحكومية، وموقفها مما يروج من مطالب شعبية منادية بإقالة حكومة سعد الدين العثماني، أكدت المتحدثة أنها لا يجب أن تخرج عما هو قانوني ودستوري للحفاظ على مسار تعزيز الديمقراطية بالمغرب.

وطالبت ماء العينين وزراء "البيجيدي" بتفادي ما أسمته بـ"الخرجات الكاميكازية"، في ظل عدم مسؤوليتهم المباشرة على القطاعات المعنية بحملة المقاطعة، منبهة إلى أن الدعوات التي تقول بوجود ضبابية في المشهد السياسي ستذهب بنا إلى إعادة خيارات الحلول السحرية المنافية للديمقراطية.

وإليكم نص الجزء الأول من الحوار:

بداية كيف تلقيتم طلب الإعفاء الذي تقدم به وزير الحكامة والشؤون العامة لحسن الداودي؟

أولا أنا أُقَدر السلوك السياسي للحسن الداودي، لأنه في المغرب تَغِيبُ عنا ثقافة تجاوب المسؤول الحكومي مع الاحتجاج الشعبي.

لحسن الداودي كأي سياسي محترم قام بخطوة رَفَضَهَا الناس، ولم تفض إلى النتائج التي كان يَرْجُوهَا من خلال مشاركته في الوقفة، وبالتالي علينا تقدير أنه فَهِمَ أن المجتمع رفض سلوكه، واحتج عليه الناس فقدم طلب إعفائه.

بدون شك وصلتكم أصداء السجال الذي دار داخل الأمانة العامة..

الذي حدث داخل الأمانة المهمة غير مهم، لأن الداودي له تعاقد دستوري مع الحكومة، والاعفاء مسطرة دستورية، لكن في المقابل المسؤولية السياسية تقتضي التشاور مع حزبه، على عكس التكنوقراطي، فالمسؤول السياسي له تعاقدان: الأول مع الحكومة والثاني مع حزبه، وأظن أن البلاغ أشار إلى التقدير وليس فيه أي رفض أو قبول لأن الأمر ليس من اختصاص الحزب.

الآن الداودي ذهب، ولكن هل وجدنا حلا للمشكل، أظن أننا مازلنا أمام الوضعية نفسها التي أفضت إلى فعل المقاطعة، وكذلك فرغم رحيله، فإن النقاش على المستوى الداخلي للحزب ما يزال مستمرا.

بغض النظر عن طلب الإعفاء، ألم تضر مشاركة الداودي في وقفة عمال سنطرال بصورة الحزب؟

الناس لا يمكن أن يفْصِلون بين الداودي وبين هيئته السياسية، الرجل تحمل مسؤوليته في هذا الإطار، لكن بالنسبة لي هناك محاولة لتوجيه أثر حملة المقاطعة ضد حزب العدالة والتنمية، بداية بتحميله مسؤولية إطلاقها، ثم تبين أنه غير معني بذلك، ليجري بعدها نقل فعل احتجاجي ضد زواج المال والسلطة والاحتكار إلى احتجاج ضد الحكومة والحزب، ساهمت فيه خرجات وزراء "البيجيدي" التي تداركها بلاغ الأمانة العامة، لكن أخطاء الخرجات استمرت إلى أن طلب الداودي إعفاءه.

العديد من الآراء اعتبرت أن الحزب لم يصدر إلى حدود الساعة موقفا واضحا بخصوص المقاطعة..

لا، بلاغ الحزب كان فيه تفهم واضح للتعبير الاجتماعي المتمثل في المقاطعة ودواعيها، وطالب الحكومة بالتحرك من أجل تنفيذ المطالب، لأن المقاطعة فيها تكثيف للعديد من المعطيات على المستوى الدلالي في علاقتها بمقاطعة ثلاثة منتوجات معينة، كما أن الحزب من جهة أخرى لا يمكنه أن يُعْلِنَ تبنيه للمقاطعة بشكل مباشر، فهي تعبير اجتماعي خاص بالناس، والدولة عليها أن تتجاوب بشكل معقول مع مطالبهم، لأن ما يقع في أغلب الأحيان هو بروز توجهين.

الأول يَنْطَلِقُ من الضبط ومنطق "راهوم ضسرو وخاص نوقفو هادشي"، وهو الذي جسدته الخرجات الحكومية الأولى، والثاني يقول بالإنصات والتعامل بشكل سليم مع المعطيات في محاولة للتوفيق بين الدولة وإكراهاتها ومطالب المجتمع.

ألا يمكن اعتبار تصريحات الوزراء بدورها موقفا يعني حزب العدالة والتنمية؟

الحكومة فيها 6 أحزاب، يَقُودُهَا إذا أردت، أو الحزب الأقوى فيها عدديا، هو حزب العدالة والتنمية، ولا يمكن في أي بلد أن يمثل رأي وزير داخل حكومة فيها 6 أحزاب رأي تنظيمه السياسي، نظرا لإكراه تدبير الأغلبية وبناء الموقف، فمواقف الوزراء تنطلق من مبدأ التضامن الحكومي، وأي موقف صادر عن وزير معين فجميع أطراف الحكومة تتحمل مسؤوليتها فيه.

تجربة حزب العدالة والتنمية الحكومية، سواء خلال الولاية الحالية أو الماضية، أظهرت لنا أنه غالبا ما يتم اللجوء إلى تحميله مسؤولية الوقع السلبي لبعض القرارات، ولما تكون ايجابية يقال إنه سيستخدمها انتخابيا وهذا ما وقع مع حكومة عبد الإله بنكيران، تم تحميله مسؤولية إصلاح التقاعد والمقاصة، لكن على مستوى القرارات الايجابية مثل الدعم الاجتماعي، يقولون إن الحزب يحتكرها ويستغلها لصاحبه.

لذلك، فالخروج الإعلامي لوزراء "البيجيدي" الذي يَنْطَلِقُ من تَحَمُّلِ المسؤولية كحكومة، خروج عاد لكن شريطة أن يكون مدروسا وليس بمنطق الكاميكاز، لأن القطاعات المعنية بشكل مباشر بالمقاطعة لا يسيرها حزب العدالة والتنمية، إذن لماذا سيتحدثون عنها رغم وجود المسؤول الذي سيكون على إطلاع أكبر بمستجداتها؟ فلو كانت الأمور في القطاعات المعنية بالمقاطعة تمر على أحسن ما يرام، لَطُلِبَ من وزراء العدالة والتنمية التزام الصمت بدعوى عدم تدبير القطاع.

الأهم في كل هذه المعطيات هو أنه علينا الوصول إلى منطق حكيم لتدبير البلاد، لأنه وَقَعَ تعسفٌ عندما خرجت الحكومة مكونة من 6 أحزاب .. 6 أحزاب بزاف لخلق توافق، لكنني على العموم أتفهم كثيرا لماذا الناس يلجؤون إلى العدالة والتنمية في الدعم والانتقاد، لأنهم متشبثون بأن "البيجيدي" هو الحزب الوحيد الممكن أن يتوجهوا إليه ويجدون من يناقشون معه على أرض الواقع، لأن مناضلي الحزب متواجدون في الميدان وكذا على مواقع التواصل الاجتماعي، في حين إن الأحزاب الأخرى هي عبارة عن أشباح، وبالتالي فالناس لا يعرفونها، ويَقبَلُونَ منها كل شيء، فالملاحظة البسيطة للنقاش الذي دار تُوصِلُناَ إلى أن وزراء تنظيمات أخرى تلفظوا بعبارات لو تلفظ بها وزراء "البيجيدي" لقامت القيامة.

في الأيام القليلة الماضية، خرج عبد الإله بنكيران للتأكيد على أن مقاطعة المحروقات والماء مفهومة، لكنه استغرب من مقاطعة الحليب، أليس في ذلك توجيه سياسي للمقاطعين؟

أولا كل سياسي يخرج للتحدث لا يتكلم عبثا، إنما غرضه هو التأثير في الرأي العام وتوجيهه. وبخصوص خرجة عبد الإله بنكيران، لن أقول موقفي منها لأن لي تحفظات، والدواعي التي جعلته يدلي برأيه هو في الحقيقة من يسأل عنها.

سَمِعْتُهَا مثل جميع الناس وبنكيران هو ذاك؛ عندما يقتنع بشيء فهو يقوله ولا رغبة له في استغلال المقاطعة، لأنه أساسا معندك متستغل فيها. أصبحت مثل كرة لهب الجميع يهرب منها، باستثناء حزب العدالة والتنمية، وهو من سيختار إما أن يكون "بارشوك"، أو على الأقل متفاعلا معها لأننا أمام الفراغ في ظل غياب بدائل.

بنكيران يقول إنه متفهم لمقاطعة المحروقات والماء، لكن بالنسبة إليه لا داعي لمقاطعة الحليب ما دامت الشركة لم تزد في سعره، وذلك رأيه. أما من وجهة نظري، فعلينا الإدراك بأنه علينا التوقف عن تصوير البلاد في أزمة بسبب تضرر شركة واحدة لما في ذلك من إساءة للدولة، فتصريحات جميع الوزراء ذهبت في الاتجاه نفسه الذي ذهب فيه الداودي، بمن فيهم عزيز أخنوش، والمطلوب الآن هو أن الدولة عليها تجد بدائل، فمنذ متى كانت حكومة ما في العالم متخصصة في عد أرباح شركة معينة ووصفها بالمعقولة، في حين إن تقرير مجلس المنافسة واضح في هذا الباب.

وفي هذا السياق، فالمقاطعة هي احتجاج يجب علينا أن نعود إلى دواعيه. الناس يحتجون ضد زواج المال والسلطة والاحتكار وتضرر الاقتصاد الوطني من هذا الأمر، عبر تدمير الشركات المتوسطة والصغرى عن طريق خرق الدستور المؤطر لكيفية بناء اقتصاد وطني، لأن ما يحدث الآن هو استغلال بعض الفاعلين لتسريبات تمس بجوهر المنافسة الحرة، لأن كون المرء وزيرا أو مسؤولا يجعله يتحصل على معلومة تهمه بشكل مباشر على المستوى الاقتصادي؛ لذلك لا يمكن الجمع بين الموقع السياسي والفعل الاقتصادي.

المقاطعة خلقت ضبابية كبيرة في المشهد السياسي من ناحية العلاقات بين الأحزاب، كما أنها رفعت بشكل كبير من حدة المطالب بإقالة حكومة سعد الدين العثماني، ما تعليقك على ما يروج؟

أنا أريد أن أحذر من الخطاب الذي بدأ يتنامى، وأهدافه ليست إيجابية، ويرتبط أساسا بطرح وجود غموض وانتظار حلول سحرية، فلما تختار الدولة مسارا ديمقراطيا فكل شيء يتم في الوضوح وحتى الحل يجب أن يتم داخل الدستور وفي إطار القوانين، لأن الضبابية وغيرها من المصطلحات ستدفع البعض إلى التسامح مع خرق الدستور والتراجع الديمقراطي.

مسألة إقالة الحكومة تتطلب إجراءات دستورية، أنا لي ملاحظة واحدة هي أن كل ما يجب أن يقع عليه أن يكون تحت سقف الدستور واحترامه، بروحه ومنطقه، إذا أردنا رحيل الحكومة، فهناك ملتمس الرقابة وسحب الثقة، لكنني لا أظن ذلك، وللناس كامل الحرية في المطالبة بإقالة الحكومة على مواقع التواصل، لأن هذا يحدث في كل الدول الديمقراطية، رغم أن هذا النقاش لم يصل إلى الجدية للخوض فيه.

الناس عليهم أن يكونوا لبيبين في الدفاع عن مكتسباتهم، لأن الوضع الحالي على المستوى القانوني عادٍ، لدينا حكومة تدعهما أغلبية، وأي تحليل أو اقتراح عليه أن يكون من داخل هذا الاطار، لكن على المستوى السياسي صحيح لدينا قلق لأنه لا أحد مرتاح داخل الحكومة بسبب نشأتها غير الطبيعية، بسبب التعسف وفرض بعض الأطراف، وبالتالي الناس مقابلينهاش، لأن منطق الضبط والتعسف يُوَلِدُ بالضرورة تداعيات عدم الراحة لدى الناس، فالحزب الأول الذي كان يُقَدِّمُ الدعم والاحتضان اللازمين، تعرض لضربة ووَقَعَ نقاش كبير داخله، أفرز لديه رؤية غير واضحة تجاه الحكومة الحالية، عكس أغلبية عبد الإله بنكيران التي حاول الجميع أن يحاربها، لكنها وجدت حزبا قويا ومنظما، وهو ما يفرض الانتباه مستقبلا إلى ضرورة ترك مسارات تشكيل الحكومة لتسير بشكل طبيعي.

إضافة إلى مطالب إقالة الحكومة، هناك من يقول بأن "البيجيدي" انتهى سياسيا بعد أن تراجعت شعبيته بشكل كبير، ما ردكم؟

مسألة تراجع الشعبية نحن لا نملك آليات القياس، لكن بخصوص مسألة نهاية حزب العدالة والتنمية، وهذا المعطى يروج له العديد من الناس، أؤكد أن الحزب لم يمت ولم يفقد شعبيته، وبنيته الداخلية جد قوية، ولما وقع إعفاء بنكيران حدثت داخله رجة كبيرة تدل على أنه حزب غير متحكم فيه، كما يحدث في الأحزاب الأخرى، "دير هاد الرئيس وحيد هذا .. دخلهوم من هنا وخرجهوم من هنا"، لأنها أحزاب غير حقيقية.