المصطفى العلوي: الدليمي نِعم الرجل .. وهذا ما طلبه قذاف الدم

المصطفى العلوي: الدليمي نِعم الرجل .. وهذا ما طلبه قذاف الدم

أعرب المصطفى العلوي عن إعجابه بشخصية الجنرال أحمد الدليمي، على عكس الكثير من الأصوات التي اعتبرته مسؤولا عن "سنوات الجمر والرصاص". ووصف العلوي صديقه الجنرال بأنه "شخص محترم رفع رأس المغرب في مجال المخابرات والاتصالات العالمية"، حسب تعبيره.

وحكى العلوي، في الحلقة الخامسة من حواره مع هسبريس، عن علاقته بالجنرال أحمد الدليمي التي توطدت أكثر بعد لقائه بنواحي سيدي إفني، إلى أن وافته المنية في ظروف غامضة...

إليكم الحوار..

سبق أن تحدثت عن علاقتك بالجنرال الدليمي ووصفته بأنه صديق لك..التقيت به لأول مرة بمير اللفت ضواحي كلميم..ما هي طبيعة هذه العلاقة؟ علاقة صحافي بواحد من رجالات الدولة من قامة الجنرال الراحل؟

من المؤكد أن ظروف الصحافي تساعده لكي يلتقي بجميع الأفراد. أول مرة التقيت الجنرال أحمد الدليمي كانت سنة 1958 إبان ثورة إفني؛ هذه المنطقة التي لم تكن تابعة للمغرب قبل الاستقلال، حيث كانت مواجهة جيش التحرير مع الإسبان. كما التقيت أيضا مع السي بن حمو أطال الله عمره.

كصحافي مبتدئ قررت أن أذهب لأشاهد جيش التحرير بإفني، وكان ذلك في منطقة مير اللفت، حيث حضرت وقائع حربية ضد السلطات الإسبانية المحتلة..كانوا يقيمون مطارا عسكرا بها، وحضرت حتى إقلاع آخر طائرة.

هذا يعني أنك التقيت أحمد الدليمي في هذه الفترة بالضبط؟

نعم، فمنطقة مير اللفت تقع على مقربة من سوق الخميس نواحي كلميم؛ وكان عدد من الأفراد بجيش التحرير اقترحوا الذهاب إلى السوق، ولما ولجنا إليه لاحظت وجود خيمة كبيرة على بابها عسكري، فذهبت للسلام عليه وسألته عما يفعله العسكر بالسوق، فأجابني بأن هذا مكتب الكابتان الدليمي، رئيس الجيش في هذه المنطقة، وطلبت الدخول للسلام عليه كمبادرة صحافية.

وهل استطعت الدخول والمنطقة في حالة حرب؟

بالفعل، دخلت ووجدت أمامي شابا صغيرا قال لي أنا القبطان الدليمي، وأنا متتبع لأنشطتك الصحافية بالمنطقة، وهنا انطلقت صداقتي به، خصوصا أننا تفاهمنا ووجدته شابا محترما محبا لوطنه..

بعدها استمرت علاقتك بالدليمي؟

بطبيعة الحال. العلاقة توطدت أكثر لما استقررت بالرباط، فالطريق التي تسمى الآن شارع المهدي بن بركة في ذلك الزمن كانت مرعى للبهائم..كانت هناك إقامة مدير الأمن التي أصبحت الآن ناديا للأمن، والمنزل المقابل هو منزلي الذي أصبح اليوم ناديا رياضيا.

وبما أننا جيران، بالإضافة إلى الحس الصحافي، تطورت علاقتي مع الجنرال الدليمي، وعرفت أنه رجل مخلص، ويفكر كيف ينقذ بلاده، وكيف يقوي موقفها في القضايا العالمية. إضافة إلى أن مجموعة من المؤلفات لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية حول المغرب كتبت الكثير عن الجنرال أحمد الدليمي، لأنه كان محاورها بالمغرب.

الظروف تغيرت..وقعت لي مضايقات في الصحيفة التي أصدر، مع توالي المنع، فقررت مغادرة المغرب والتوجه إلى لندن، حيث اشتغلت بجريدة العرب اللندنية وبدأت أكتب عمودا يوميا اسمه "مغرب الشعوب".

لم تلتق بالدليمي في هذه الفترة؟

التقيت به، بل حتى عندما ذهب للاستقرار في بير قاسم كنت من أوائل من زاروه، حيث كنا نتسامر بشكل مطول. يمكن أن أقول واقعة طريفة تعبر عن الصداقة الحميمية: في يوم ما زارنا إدريس البصري، وهو آنذاك كاتب للدولة، وطلب من الدليمي الانفراد به، فقال له: حتى لا يسمعنا هذا..هو من يقول لنا ما يقع في الدنيا وأنت تريد أن تخفي عنه حديثنا..قل ما لديك، فقال له البصري: لا لا، فأجاب الدليمي: إلى الغد إذن!.

هل ساعدته في فرنسا إبان محاكمته على خلفية مقتل المهدي بن بركة؟

بل كنت حاضرا باعتباري صحافيا، وكان الدليمي يومئذ معتقلا. وأتذكر أنهم كانوا يحضرونه بالسلاسل إلى المحكمة.. في يوم من الأيام بدأ الاستماع إلى الشهود، وكانوا يحضرون من المغرب للشهادة في محاكمة المهدي بن بركة.. العديد منهم كانوا يتحدثون العربية فقط. رئيس المحكمة، وكان اسمه بيريز، قرر تأخير الجلسة إلى حين إحضار مترجم، فوقف الدليمي وقال للرئيس: إنكم ستؤخرون الجلسة لمدة 15 يوما، وهاهو صحافي جالس بالقاعة اسمه مصطفى العلوي، هو مغربي ويعرف الفرنسية ويمكنه أن يترجم؛ فاستدعاني الرئيس وسألني هل أقبل أن أكون مترجما للمحكمة، فقلت له بشرط أن آخذ رأي محامي بن بركة ومحامي الدولة المغربية؛ فقال لي نعم..محامي الدولة المغربية هو مجيد بن جلون، ومحامي عائلة بن بركة هو مولاي المهدي العلوي، أطال الله في عمره، فوافقا وأصبحت مترجما للمحكمة لمدة ثلاثة أشهر. وانتهت المحاكمة يوم 7 يونيو 1967 بحكم يقضي ببراءة الدليمي من اختطاف المهدي بن بركة. هنا أيضا توطدت علاقتي بأحمد الدليمي.

بخصوص طبيعة العلاقة، هل كنت تعتمد الدليمي كمصدر للخبر؟.

الدليمي أكبر من أن يزودك بخبر، فهو جنرال بالجيش المغربي، وكانت له مسؤوليات كبيرة؛ فهو بطبيعة عمله لم يكن رهن إشارة الجميع..ليس كبعض ممن يقولون لك ما تكتب كما يقع الآن في الإعلام المغربي.

وقع لك مشكل مع الدليمي؟

لما استقررت في لندن كنت أكتب عمودا يوميا اسمه "مغرب الشعوب" بجريدة العرب، وأقول فيه وجهات نظر مغربية رغم أني غادرت المغرب بشكل محزن لإيقافهم لجرائدي..مقالاتي كانت تتحدث عن اتجاه الوحدة لشعوب المغرب العربي.

في يوم من الأيام بلغني رئيس الجريدة أن أحد الأشخاص اطلع على مقالاتي ويريد مقابلتي..حينما استفسرت عن الشخص قال لي إنه مسؤول ليبي كبير، وحدد لي موعدا معه..أرسلوا لي سيارة فخمة وفق الوقت المحدد إلى مكان سكني، وأخذني السائق إلى فندق وسط لندن، وصعدت إلى الغرفة، فإذا بي أجد أن الطابق كله محجوز، وبه العساكر والحراس.. سلم علي أحمد قذاف الدم.

كان من رجال القذافي..هو الآن في مصر...

نعم، قال لي إنه طالع مقالاتي ويود أن نتناقش قليلا..قال إن مشكلته بصفته مسؤولا بالخارجية الليبية أنه لم يجد مع من يتواصل في المغرب، وإنه يريد ربط علاقات مع المملكة ولم يجد إلى ذلك سبيلا؛ وهذه من الحيثيات التي لازالت إلى الآن أثارها.

ولماذا لم يتواصل مع السفارة المغربية في لندن؟

قلت له إن في السفارة رجلا محترما جدا اسمه مهدي بن عبد الجليل، وهو السفير، فقال لي إنه اتصل به ولكنه لم يستطع أن يقوم بشيء، وسألني: هل لك اتصال بالملك؟..قلت له: لا، وقال لي: تعرف الأمير مولاي عبد الله؟ قلت له: نعم ولكن مسألة سياسية كهذه ليست من اختصاصه، فقال لي: أريدك أن تربط لي اتصالا مع شخص يمكن أن يصلني بالملك، فقلت له: لي جار اسمه أحمد الدليمي، إذا أردت أن أوصل له هذه الرسالة فبإمكانه أن يتواصل معك لأنه مكلف بمسائل السياسة الخارجية. وانتهى اللقاء.

بعد سبع أو ثماني سنوات التقيت بقذاف الدم بحفل في السفارة التونسية، فقال لي: ألم تجد الدليمي بعد؟ وكان حينها قد توفي.

وهل تواصلت مع أحمد الدليمي بعد رجوعك من لندن؟

الواقع أنني حاولت أن ألتقي بالجنرال، واتصلت به، وقال لي إنه بمراكش وسيتصل بي في ما بعد.

حوالى الثامنة والنصف ليلا من اليوم نفسه زارني شخص من الأجهزة اسمه الصباني، وقال لي: اتصلت بالجنرال؟ قلت له: نعم، فقال لي: ماذا كنت تريد أن تقول له؟ فقلت له: حينما ألتقي به سأخبره.

وكيف عرف الصباني أنك اتصلت بالدليمي؟

الصباني أرسلته الأجهزة لما استمعت إلى المكالمة الهاتفية بيني وبين الجنرال.

التقيت بأحمد الدليمي؟

لم ألتق به أبدا..

لماذا لم تلتق به وهو صديقك؟

على الساعة الحادية عشرة والنصف من اليوم نفسه يظهر الصحافي محمد الصديق معنينو على التلفاز ويقول توفي الجنرال الدليمي...هنا نسيت ما طلبه مني قذاف الدم إلى أن التقيت به في السفارة التونسية بعد ثماني سنوات وذكرني مرة أخرى.

سؤالي مرة أخرى لماذا لم يتواصل قذاف الدم مع السفارة المغربية في لندن وفضل التواصل معك أنت؟

هو أخبرني بأنه التقى بالسفير ابن عبد الجليل ولم يقم بشيء. والسفير صديق لي اتصلت به في الغد بإقامته وأخبرته بلقائي بقذاف الدم وسردت عليه التفاصيل، فقال لي: يا مصطفى، قذاف الدم معه حق، فقلت له: لماذا؟ قال لي: حينما تواصل معي ربطت الاتصال بمحمد بوسته بصفته وزيرا للخارجية آنذاك، وبالصدفة كان بمكتبه مسؤول سام هو الجنرال مولاي حفيظ العلوي، وهو من أجاب على الهاتف؛ وبمجرد أن قلت له أريد الحديث مع الوزير، سألني من أكون، فقلت له أنا السفير، وحاورني بجفاء ولم أخبر الوزير عن قضية قذاف الدم، ولم يكن هناك موعد، خصوصا أنه ليس للسفير قرار في هذا الموضوع.

ماذا تحفظ ذاكرتك عن صورة أحمد الدليمي؟

أحمد الدليمي رجل محترم وضابط، ولما كان رئيس ضباط الملك كان يقوم بدور مهم، ولما ذهب إلى الصحراء قام بأعمال كبيرة جدا في أيام الحرب مع البوليساريو، وكان بطلها، ولكن الظروف تغيرت وسارت ضده.

ولما نراجع ظروف حكم الملك الحسن الثاني نجد أن جميع الأشخاص المحيطين به لم يكن لهم النفوذ للتصرف كما يريدون، لأنه هو من كان يحكم.. والدليمي كان نعم الضابط المرافق للملك، ويعلم الله الظروف التي سودت واقعه وانتهت بموته الغامض.. كل ما أعرف أن موته كان غامضا، والعائلة الملكية قدمت التعازي لزوجته، والأمور عادت إلى مجاريها بعد موته..

الدليمي نعم الرجل، محترم رفع رأس المغرب في مجال المخابرات والاتصالات العالمية، خصوصا مع الأمريكان الذين كانت له معهم ارتباطات كبيرة، وكان رابطا للموقف المغربي مع الموقف الأمريكي على مستوى عال جدا...

وعن علاقته مع الإسرائيليين؟

لا أعرف

ذكر ذلك المحجوب الطوبجي في كتابه عن "ضباط صاحب الجلالة"..

ممكن، السياسة ليست لها حدود.