علام: الدروس الحسنية ميزة مغربية.. ومصر بقلم يجاور البندقية

علام: الدروس الحسنية ميزة مغربية.. ومصر بقلم يجاور البندقية

الدكتور شوقي إبراهيم عبد الكريم علاّم أول مفتي للديار المصري ينتخب بعد تعديل قانون مؤسسة الأزهر، استوفى عامه الخامس من التموقع في قلب المسؤولية دون أن تحرمه من استجماع الأفكار للبصم على مؤلفات حديثة؛ أبرزها: "محاضرات في الفقه المالكي" و"فتاوى وأحكام المرأة في الإسلام" و"أحكام المسافر" و"فتاوى الشباب"، بينما استند على فتاوى دار الإفتاء المصرية لإصدار "الجهاد: مفهومه وضوابطه وأحكامه" ثم "فقه الجندية".

مفتي مصر، البالغ من العمر 57 عاما، مالكي المذهب وأزهري التكوين، لا يتردد في التعبير عن إيمانه بـ"البندقية جوار القلم" في التعامل مع حملة الأفكار المتطرفة والمخططات الإرهابية، مساندة منه لإرساء الوسطية في الإسلام بلا تردد في دعم حماية سلامة البنيان المجتمعي باعتماد القوة ضد من لا يهتز إلاّ بها.

ضمن الحوار التالي، الذي أجرته جريدة هسبريس الإلكترونية مع الدكتور شوقي علام على هامش حضوره سلسلة الدروس الحسنية، يكشف المفتي ذاته نظرته إلى حزمة من القضايا والممارسات؛ بينها إلى ما تقوم به المملكة المغربية في الميدان الديني، وأيضا ما يتم على صعيد مصر ضد تصاعد مدّ التطرف.

قد يحمل المتلقي المغربي صورة خاصة به عن مفتي الديار المصرية، هل لكم بإعطاء صورة حقيقية عن هذا الموقع الذي تشغلونه منذ ربيع سنة 2013؟

المنصب موجود من قديم الزمان في مصر، وقد كانت الوظيفة حاضرة في كل محاكم الدولة لنيل الاستشارة في الملفات المعروضة أمام القضاء عبر إبداء الرأي الشرعي، ثم ترفع في النهاية إلى من اصطلح عليه بمفتي الديار المصرية.. من أهم المفتين في المرحلة قبل الرسمية يبرز الشيخ محمد مهدي العباسي، صاحب "الفتاوى المهدية في الواقعات المصرية"، الذي استمر في الإفتاء 50 سنة وكان مفتيا للديار المصرية.

من سنة 1895 بدأ وجود وظيفة رسمية في الدولة للمفتي، يترأس دار الإفتاء المصرية إلى وقتنا هذا، منوطة به الفتوى على مستوى الدولة في جميع القضايا التي تعرض عليه عبر الأفراد والهيئات والمؤسسات، وينظر في إبداء الرأي الشرعي بأحكام الإعدام التي يجب أن تحال إليه من قبل محاكم الجنايات، وفقا لمواد قانون الإجراءات الجنائية المصري.

مفتي الديار المصرية أزهريّ، والغالب أنه عامل في مجال القضاء إلى ما قبل 20 سنة من الآن، ونظرا لوجود بعض الظروف أصبحت هيئة كبار العلماء تختاره من بين أعضائها، ثم يصدّق على هذا الاختيار رئيس جمهورية مصر العربية.

أنتم موجودون في العاصمة المغربية الرباط لحضور سلسلة الدروس الحسنية الخاصة بشهر رمضان الجاري. ما قيمة هذا الموعد، الذي تنقلتم من القاهرة للحضور فيه؟

أتوجه بالشكر والتقدير إلى المملكة المغربية في توجيه الدعوة إليّ للمشاركة في الدروس الحسنية، ونعتبر أن هذه الدروس لها تميز في العلماء الذين تستقطبهم للحديث بين يدي أمير المؤمنين، ومطالعة الموضوعات التي نوقشت تبرز مدى العمق الموجود، بل هي جديرة بأن تكون أطروحات لدرجات علمية كبيرة. ومن حيث الوقت، بأن تكون الدروس الحسنية في رمضان؛ بروحانيات هذه العبادة التي أوكل الله سبحانه وتعالى الجزاء فيها إليه هو سبحانه دون غيرها من العبادات، تمكن من ملاحظة ثقل آخر ينظم إلى طينة العلماء وجدية الموضوعات المطروحة.

الدروس الحسنية، على هذا النحو، فيها من الجدية الكثير جدا، وأصبحت ركنا ركينا في محاربة الفكرة المتطرف وإرساء معالم بناء فكر معتدل. ونحن في حاجة شديدة وماسة إلى كثير من هذه الدروس التي تنشر هذا الفكر المعتدل؛ كأنها مدرسة جديدة أخرى تنظم إلى مدارس علمية كبيرة، سواء في مصر كالأزهر الشريف، أو في المغرب كجامع القرويين. نلحظ أن الدروس الحسنية أصبحت سمة من سمات شهر رمضان، وميزة من ميزات المملكة المغربية.

هل ترصدون ميزات أخرى للمملكة تتصل بالأداء في المجال الديني؟

هناك جهود كثيرة تبذل في الوقت الحاضر نحو ضبط عملية الإفتاء والخطاب الديني؛ منها ما هو موجود في مصر، ومنها ما هو موجود في المملكة. وبخصوص المغرب، فإني أثمن الجهود التي تتم أجرأتها من لدن أمير المؤمنين الملك محمد السادس، ويحرص على تنفيذها وفق أكمل وجه وعلى مستويات عديدة الدكتور أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وما يحرص عليه الدكتور محمد يسف من موقعه ككاتب عام للمجلس العلمي الأعلى، دون إغفال المساهمة البارزة للرابطة المحمدية للعلماء بقيادة أمينها العام الدكتور أحمد عبادي.

المغرب يبصم على جهود حثيثة نحو بناء خطاب ديني رصين لكي يقف سدا منيعا أمام هذه الهجمات التي شوشت على العامة والخاصة، وعلى كثير من المثقفين، وأورثت شيئا من الإرباك في المجتمع. كما أشير إلى الجهود التي تبذلها مصر، وهي مكمّلة في الحقيقة، ضمن هذه المساحة الواسعة التي تحتاج إلى جهود كثيرة، إذ هناك تعاون بيننا على مستوى المؤسسات الدينية، بين الأزهر الشريف ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف المصرية، من جهة، وبين المملكة المغربية من خلال وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجلس العلمي الأعلى والرابطة المحمدية للعلماء، من جهة ثانية. بيننا تعاون كبير، سواء على مستوى المؤتمرات أم على مستوى التنسيق الخاص.

هل لديكم استراتيجية خاصة، في دار الإفتاء التي تترأسونها بمصر، للتعامل مع تمظهرات الأفكار الإرهابية ميدانيا؟

في دار الإفتاء المصرية، وأنا أترأس هذه المؤسسة العريقة التي يزيد عمرها الرسمي عن 120 سنة، نبذل جهودا كبيرة في هذا السبيل؛ وأذكر منها على سبيل المثال، أولا، أننا بذلنا جهودا ضد تنظيم "داعش" الذي يعد نموذجا فقط لهذه المجموعات الإرهابية المتكاثرة، وتكاد تكون كالخلية السرطانية التي تحتاج، حين التعامل معها، إلى إدراك حقيقتها؛ فقد تكون في مرحلة الحاجة إلى الوقاية، وقد نحتاج إلى العلاج أو بتر هذا العضو المصاب، فنستعين بمشرط الطبيب الجراح لاجتثاث هذه الخلية السرطانية.

قلت مرات عديدة إن العمل ينبغي أن يتم بالبندقية جوار القلم؛ القلم بفكرة ونتاجه الذهني. الفكر يعالج ويحارب بالفكر، وفي بعض المراحل نحتاج إلى التدخل الجراحي الذي يمثله التعامل الأمني، وفي مصر بذلنا جهودا كبيرة ضمن هذا الإطار، إذ قادت الشرطة والجيش عملية "سيناء الشاملة 2018" التي نجني الآن ثمار انتصاراتهما باجتثاث الإرهاب من جذوره. أما الجانب الفكري فقد حاربناه عند "داعش"..

لكن الإشكالات قد تبرز في عوالم افتراضية موازية، ولا يكفي الأداء الكلاسيكي لتحقيق المراد..

دار الإفتاء المصرية أنشأت، بحلول شهر يناير من سنة 2014، "مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة" كي يعمل على مدار الأربع وعشرين ساعة، ومنذ انطلاقه إلى الآن أنتجنا ما يزيد عن 170 تقريرا تحليليا للموقف، وهي مفندة للأفكار، بعض هذه التقارير استعانت بها مراكز أجنبية في أمريكا وبريطانيا.

عندنا صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تعتبر العدو اللدود لـ"داعش"، حتى أن التنظيم الإرهابي الذي يحرص على عدم الالتفات إلى ما يقال عليه أشار، في كلام له، إلى محتوى صفحة "داعش تحت المجهر"، الذي تقف وراءها دار الإفتاء المصرية باللغتين العربية والإنجليزية. كما نتوفر على مجلة إلكترونية تسمى "إنسايت"، تصدر بالإنجليزية وسبق لنا طبع 10 أعداد منها، ترد على مجلة "دابق" التي تصدر من "داعش"، مثلما نرد على أفكار هذا التنظيم في مجلة "إرهابيون" الإلكترونية باللغة العربية.

ألا ترون أننا أمام رجّة قيم تتطلب التركيز على التنشئة من أجل كسب أجيال غير مؤمنة بنجاعة الإرهاب؟

منطلقنا في هذا الأداء من أننا أمة بناء، باعتبار سيدنا رسول الله ﷺ انطلق من مبدأ الرحمة.. في القرآن الكريم: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". ويحدث عن نفسه ﷺ ويقول: "إنما أنا رحمة مهداة".. مقتضى هذه الرحمة أن تبلور وتتحرك في واقع الناس، لكن كيف يتم ذلك ونحن أمام مجموعات إرهابية لا تأنف إطلاقا أن تقتل من أمامها، بصرف النظر عمن يكون؟ .

الرحمة كي تتحرك، في هذه الحال، لا بد لها من وجود أسلوب بناء.. ونحن نعتبر أن البناء هو الأساس؛ والتربية أساس .. لذلك، مبدأ الوقاية من المبادئ القويمة التي ينبغي أن تعول عليها كل المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي كي تبني فكرا رشيدا. وهذا الفكر هو الذي يعمق الضمير الإيماني عند الشاب والفتاة، عند الرجل والمرأة والأطفال الصغار.

نحن نحتاج إلى كل البرامج منذ كون الإنسان طفلا داخل الأسرة إلى أن ينتقل إلى الحضانة، ويدخل المدرسة وتتلقفه أجهزة الإعلام المختلفة، إلى أن يحتضنه الشارع، وفي كل هذا نحتاج إلى بناء علمي رشيد حقيقي، يمثل وقاية حقيقية ضد الأفكار العدائية الهدامة، وإذا نجحنا في إيجاد مرحلة وقاية حقيقية نكون قد اختصرنا الطريق تماما أمام هذا العدو الفكري الغاشم، ولا يكون له مجال في الوجود، ضمن اعتقادي، لأن الزمن الماضي دليل على النجاح لأنه حقق بناء علميا صحيحا، ولذلك لم يكن هناك مجال لهذه الأفكار المتطرفة.

يبدو مفتي جمهورية مصر العربية ببصمة فقيه مقاصدي بكلامه..

أخذت هذا المنهج فعلا من علماء مقاصد الشريعة. لما تنظر إليهم تجدهم يركزون على قضية البناء، ويقولون إن المقاصد الكلية خمسة؛ عمل الشرع على حفظها من جانب الوجود ومن جانب العدم، وجانب الوجود هو البناء بينما جانب العدم هو دفع كل ما يهدد هذا الموجود، ولذلك نحن محتاجون إلى هذا المنهج المقاصدي في برامجنا، فلا يليق أن نبني عمارة جميلة ونترك عوامل الجو تفعل أثرها في ذلك، بل لا بد من خطة تدفع كل تهديد.

علينا مسؤوليات كبيرة جدا كمؤسسات دينية تجاه أمتنا العربية أولا، وتجاه العالم كله ثانيا؛ لأن هذه المجموعات الإرهابية لم يكن تأثيرها من التشويه والتشويش قاصرا على الوطن العربي، بل امتد إلى كل العالم. ولذلك، علينا بذل جهد كبير في تصحيح الصورة مرة أخرى، بإيجاد الوجه الحضاري للإسلام.

نحن مطالبون بأن نعود إلى ما كان يفعله تجارنا قديما عند توجههم إلى الآفاق ويطرقون الأبواب، فقد دأبوا على حامل حضارة متحركة في قلوبهم وعقولهم، والقرآن الكريم ترجم حركيا من خلال هذا التاجر البسيط الذي يذهب هنا وهناك، لذلك لم يكن الكلام هو المقنع للناس، بل الفعل هو الذي قام بذلك تجاه حضارة وعدالة الإسلام، ونحن نريد لهذا النموذج أن يعود مرة ثانية وأن يكون السلوك هو القدوة.

تزامن وجودكم في المغرب مع خروج مسيرة دعم للقضية الفلسطينية بالدار البيضاء، نصرة للقضية واستنكارا لإقرار بلدان بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل. كيف تقيمون هذه الخطوة ومثيلاتها؟

لدعم القضية الفلسطينية جانبان، أولهما تقوم به الدول باعتبار ما لها من رؤى يمكن أن تؤخذ في هذا الإطار، كما هناك خطوات عبر المؤسسات الدينية، مثلما قمنا به في مصر بإصدار العديد من البيانات التي تندد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس الشريف.

المغرب له مواقف عديدة مشرفة في دعم القضية الفلسطينية، ملكا وحكومة وشعبا. كما أن الدولة المصرية أخذت مواقف عديدة في هذا الصدد. وربما تابعتم ما فعلته الخارجية المصرية ومناداتها في دجنبر الماضي بقمة وبجمعية عمومية للأمم المتحدة، و180 دولة أيدت مصر بهذا الخصوص.

القضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين، في قلب ووجدان كل هؤلاء، لا تنفك عنهم بأي حال من الأحوال، وعبر الأجيال لم تمت هذه القضية أبدا.. مصر في قلب هذه القضية وعمقها، وتحملت بمقتضى موقعها ودورها الكثير، وهي مستعدة أن تتحمل المزيد في سبيل هذه القضية.

اتصالا بما أثرتموه عن الصورة الصحيحة للإسلام؛ هل تكون نهائيات كأس العالم في روسيا، بعد أسابيع قليلة من الآن، فضاء لإبراز ذلك؟

نتمنى التوفيق والنجاح لمنتخباتنا، وهذا الحدث الرياضي إضافة تحسب للدول العربية التي تشارك فيه؛ المغرب وتونس والسعودية ومصر.

أظن أن الكل يسمع عن محمد صلاح؛ وهو بهذا السلوك الحضاري الحقيقي بلغ العديد من الرسائل للعالم كله. ونقول إننا نتمنى أن تكون الرياضة العربية نقطة مضيئة في حياة هذا الوجدان العربي.