الكتبي: الإمارات تحترم سيادة المغرب وتنشر الاعتدال بالمنطقة

الكتبي: الإمارات تحترم سيادة المغرب وتنشر الاعتدال بالمنطقة

أكدت الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، أن العلاقات المغربية الإمارات هي علاقات وثيقة ومتينة، والبلدان في سعي مستمر إلى تطوير شبكة المصالح المتبادلة، ولم تتأثر بأي ظرف أنى كان، مضيفة أن دولة الإمارات العربية تحترم قرار المغرب السيادي وسياسته الخارجية.

وبخصوص العلاقة مع إيران، اعتبرت الأكاديمية الإماراتية، في حوار خاص مع هسبريس، أن النخب العربية والخليجية، وكذلك صُناع القرار في المنطقة، يتطلعون إلى مستقبل أفضل للعلاقات العربية الإيرانية، ويحدوهم أمل كبير أن يتمكن الإيرانيون من تجاوز أزمتهم الداخلية.

الحوار مع الأكاديمية الإماراتية الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، تطرق إلى العلاقات المغربية الخليجية، وعلاقات العرب مع إيران، كما تطرق أيضا إلى الشأن الإماراتي الداخلي والتحولات التي تشهدها دولة الإمارات في السنوات الأخيرة.

هل من تعريف مختصر بـ"مركز الإمارات للسياسات"؟ وما هو موقع ودور مركزكم في تحليل التطورات وتقدير المواقف في الشرق الأوسط؟

مركز الإمارات للسياسات مركز بحث وتفكير مستقل، أُسِّس في مدينة أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة في الأول من سبتمبر 2013؛ وهو أول مركز من نوعه في المنطقة تُنشئه وتَقوده امرأة. يتركز اهتمام المركز بالدرجة الأولى على دولة الإمارات العربية المتحدة وعلاقاتها الخارجية، وعلى منطقة الخليج العربي وتفاعلاتها الإقليمية والدولية. ويضطلع المركز بمهمّة استشراف مستقبل المنطقة، واتجاهات السياسات الإقليمية والدولية، وتأثير المشاريع الجيوسياسية المختلفة فيها.

هل تعتقدون أن صانع القرار في العالم العربي في حاجة إلى باحثين ومراكز أبحاث تدعم قراراته وترشدها؟

بالتأكيد، وهذا ما يحاول مركز الإمارات للسياسات فعله، حيث يهدف المركز إلى تقديم تحليلات استراتيجية وأوراق سياسات ودراسات تخدم صنّاع القرار في دول منطقة الخليج، مع إعطاء الأولوية لدولة الإمارات العربية المتحدة، بما يساعد على تحقيق فهم دقيق وواقعي لمصالح دولة الإمارات ودول الخليج العربيّة وأمنها، وإنجاز أوراق تقييم المخاطر في مختلف المجالات، وتقديمها للشركاء المحليّين والإقليميّين والدوليّين، وعقد الملتقيات الاستراتيجية التي تستشرف اتجاهات السياسات والمشاريع الجيوسياسية الإقليمية والدولية، ومدى تأثيرها في منطقة الخليج والمحيط العربي.

نعم، ما هو تقديركم للعلاقات المغربية-الإماراتية الراهنة؟

أعتقد أنها علاقات وثيقة ومتينة، والبلدان في سعي مستمر إلى تطوير شبكة المصالح المتبادلة وتحسين الفهم المشترك والشراكة الاستراتيجية بينهما.

كيف استقبلتم موقف المغرب في وقوفه على الحياد من الأزمة الخليجية بخصوص قطر؟

هذا حق سيادي للمغرب، وجزء من سياسته الخارجية المستقلة، وأظن أن هذا الموقف لم يؤثر في العلاقة الاستراتيجية الراسخة التي تربطنا مع المغرب.

في نظركم، ما الذي تتوقعه الإمارات من المغرب؟

ما نتوقعه من المغرب هو، بلا شك، ما نتوقعه من أي حليف وصديق، أعني أن تكون دوائر المصالح المتبادلة بين الإمارات والمغرب في أوسع مدى، وأن تكون الخلافات في أضيق مستوى، والحمد لله أن هذا هو حال العلاقات بين دولة الإمارات والمملكة المغربية على مدى عقود طويلة.

الملاحظ دكتورة ابتسام أن العلاقات المغربية-الخليجية شهدت موجة قوية من التنسيق والتعاون منذ سنة 2012، إلا أن هذه الموجة بدأت تضعف في السنتين الأخيرتين، ما هي الأسباب في رأيكم؟

لا أظن أن علاقتنا مع المغرب ضعفت أبداً، غير أن حزام التهديدات في المنطقة العربية منذ 2012 أخذ في الاتساع والتمدد، وكان من الطبيعي توزيع الجهد الخليجي لمواجهتها، على أكثر من صعيد.

ملاحظة أخرى تسترعي الانتباه وهي أن المغرب له علاقات خاصة ومميزة مع دولة الإمارات العربية المتحدة تتجاوز ما هو دبلوماسي وسياسي؟ هل توافقين على هذا الكلام؟

هذا صحيح، فما يجمع البلدين الشقيقين أوسع من المصالح الاقتصادية والرؤية السياسية المتقاربة للملفات الإقليمية والدولية، والتعاون المشترك في مواجهة التهديدات.

ما السر في ذلك، في نظرك دكتورة؟

لأنّ العلاقة الإماراتية-المغربية المتميزة تاريخياً تنطوي (إضافة إلى ما ذكرته قبل قليل) على تقارب وتفاهم شخصي بين قيادات البلدين، إلى جانب الصداقة الممتدة على المستوى الشعبي.

لنعد إلى الملف الإيراني لو سمحت..

تفضل..

المغرب أعلن قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، وجل الدول الخليجية وقفت مع المغرب في هذا القرار، هل ترين أن إيران تهدد أمن المنطقة؟

للأسف هناك عوامل توتر كامنة ومستمرة في عموم العلاقات العربية الإيرانية، ترجع إلى عدم احترام طهران مبدأ السيادة الوطنية للدول العربية، وضرورة الكفّ عن جميع أشكال التدخل في الشأن الداخلي العربي، والمؤشرات في تصاعدٍ بأنّ القيادة الإيرانية ليست مستعدة بعد لوقف هذه الممارسات. ولذلك يمكن القول إن قطع المغرب في الآونة الأخيرة علاقاته الدبلوماسية مع إيران إنما يؤكد التهديدات الإيرانية لأمن المنطقة، وما لم تُحلّ جذور الأزمة في العلاقات بين إيران والدول العربية، فستبقى هذه العلاقات محكومة بالتوتر، حيث إنه على الرغم من أهمية المصالح التي تجمع الإيرانيين والعرب، ومنها ما هو استراتيجي وحيوي لكلا الطرفين، فإن الخلافات السياسية والأيديولوجية ظلت حائلاً دون تحقيق هذه المصالح، وانعكس ذلك بالتالي سلباً على الشعوب في ضفتي الخليج العربي.

وفي تقديري، فإن الأسباب الحقيقية للخلافات العربية الإيرانية ناتجة في الأساس عن إشكاليات تعانيها بنية النظام الإيراني الحالي نفسه، إضافة إلى أسباب أخرى متعلقة بعوامل ثقافية وأيديولوجية مختلقة، أنتجت "نزعة شوفينية" تجاه العرب. وأعتقد أن السياسات الإيرانية السلبية في عموم المنطقة، ابتداء من سوريا واليمن والعراق ولبنان وصولاً إلى المغرب، إنما تُظهِر بكل جلاء مدى ارتباط عدم الاستقرار وانتشار التطرف والإرهاب بهذه السياسات، وهذه هي الرسالة التي تبعثها الإدارة الأمريكية بانسحابها، مؤخراً، من الاتفاق النووي الإيراني.

إن المنطقة العربية لا تحتمل مزيداً من عناصر التوتير والصراعات والحروب وتمزيق المجتمعات والدول، ومن الضروري أن نتعاون جميعاً ونبذل أقصى الجهود لوقف هذا النزيف، ولا يبدو أن إيران حتى الآن من الوارد أن تكون جزءاً من هذه الجهود.

طيب دكتورة ابتسام، ألا ترين معي أن دولة إيران "بنت" المنطقة وليست كيانا غريباً عن الثقافة العربية، والفرس والعرب ساهموا معاً في بناء الحضارة العربية والإسلامية، سؤالي هنا، كيف يمكن إعادة ترتيب العلاقة مع إيران؟ وماهي محددات التعامل مع دولة هي موجودة ومعها علاقات ووشائج؟

في تقديري أن النخب العربية والخليجية، وكذلك صُناع القرار في المنطقة، يتطلعون إلى مستقبل أفضل للعلاقات العربية الإيرانية، ويحدوهم أمل كبير بأن يتمكن الإيرانيون من تجاوز أزمتهم الداخلية، حتى يصبحوا أكثر استعداداً وربما جدارة، بعلاقات طيبة مع محيطهم ومع العالم.

إن الشعب الإيراني شعب عريق وعظيم، ولدينا معه علاقات تاريخية ممتدة، وعلى الرغم من استمرار الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى)، وكذلك استمرار الهجمة الإعلامية الإيرانية على الإمارات ودورها الرامي إلى حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، فإن القيادة الإماراتية غلبت على الدوام منطق الحكمة والصبر، ولم تبادر يوماً إلى الإساءة، حفاظاً على مصالح وعلاقات الشعبين الإيراني والإماراتي، وأملاً في وصول الرسالة إلى القيادة الإيرانية بأقل خسائر ممكنة، لعلها تجد في طهران آذاناً مصغية، لكن الإمارات في النهاية ملتزمة بأمنها الوطني، وأمن شقيقاتها من دول الخليج العربية، وأمن المنطقة بشكل عام، ولن تتوانى عن اتخاذ أية تدابير من شأنها أن تمنع جرّ المنطقة إلى مزيد من الفوضى.

ألا ترين معي دكتورة ابتسام أن الصراع العقائدي مع إيران هو صراع خاسر بالنسبة للعرب ورابح لإيران حين نضع جميع الشيعة في سلة إيران، ولا سيما حين تظهر إيران وكأنها حامية لآل البيت والشيعة في العالم؟ أو ليس هناك شيعة عرب هم أيضا متضررون من السياسة الإيرانية؟

الخلاف مع إيران هو خلاف سياسي وليس خلافاً عقائدياً أو طائفياً، فلا مشكلة لدينا أبداً مع عقائد الآخرين وأفكارهم ومذاهبهم، وحقوق الإنسان تكفل لأي شخص تبني الفكر أو العقيدة التي يؤمن بها. هذا من جهة أولى. ومن الجانب الآخر، فإن الشيعة العرب هم مواطنون كاملو المواطنيّة في بلدانهم، والعالم المعاصر والعلاقات الدولية تُعرّف الأفراد في الدائرة الأولى ببلدانهم والدول التي ينتمون إليها، فأن تكون شيعياً لا يتقدّم على كونك بالأول عراقياً أو لبنانياً أو بحرينياً وهكذا. بمعنى آخر لا يحق لإيران أو لغيرها أن تدّعي أنها أحرص على الشيعي الكويتي من بلده الكويت.

والحقيقة أن الشيعة العرب يدركون ذلك، وهم حريصون كل الحرص على مصالح بلدانهم، التي يؤمنون بها بوصفها "بلداً نهائياً" لهم، كما قال الإمام موسى الصدر. وتمكن إيران والحرس الثوري الإيراني من استقطاب وتوظيف بعض الشخصيات الشيعية العربية أو بعض القوى والأحزاب الشيعية العربية لخدمة المشروع الإيراني في المنطقة، مثل حزب الله اللبناني، أو بعض القوى الشيعية أو الجماعات الدينية في العراق وسوى ذلك، لا يعني أن إيران تمثل الشيعة العرب، بل على العكس، فإن الشيعة العرب هم أبناء بلدانهم العربية وليسوا إيرانيين، بل كثير منهم يعارض السياسات الإيرانية في المنطقة وتجاه بلدانهم أيضاً. ومع إيماني الكامل بحرية العقيدة، فإن علينا ألا ننسى أن التشيع في منبعه وأصله وفصله هو عربي، وحب آل بيت رسول الله يتقاسمه المسلمون من كل المذاهب والطوائف وليس حكراً على أحد دون غيره، وإجلال وإكرام الإمام علي والإمام الحسين يتقاسمه السني مع العلوي مع الشيعي مع الزيدي وسواهم من المسلمين.

هل مركز الإمارات للسياسات ينفتح على الشيعة المتضررين من السياسة الإيرانية؟

مركز الإمارات للسياسات هو مركز للتفكير وترشيد السياسات وتقديم الأبحاث المنهجية، وهو منفتح أشد الانفتاح على كل باحث أو طرف يسهم في تطوير عمل المركز، بغض النظر عن دينه أو جنسيته أو جنسه. وقد استضاف المركز منذ تأسيسه أصواتاً شيعية من مختلف الأطياف، مثل محسن ميلاني أو سيد حسين موسويان وصولاً إلى علي الأمين وغيرهم. وحين أقام مركز الإمارات للسياسات حلقة نقاشية عن الحوثيين استضاف العديد من الأصوات الزيدية في اليمن، الذين أغنوا النقاش بعمق ومنهجية عالية. لا مشكلة لدينا مع حرية الفكر والتعبير عن وجهات نظر مختلفة، ومشكلتنا فقط مع من يحمل السلاح ضد الدولة أو ضد المخالف له في التوجّه أو المذهب. مشكلتنا مع من يدعم جماعات دينية، تحت لافتة طائفية أو هوياتية منغلقة، مشكلتنا مع السياسات الإيرانية الحالية التي توظّف البعد الطائفي لإخفاء طموحاتها القومية التوسعية والتدخلية غير المشروعة في البلدان العربية.

طيب، هل تعتقدون أن حالة السيولة التي أصابت النظام الدولي سوف تستمر طويلا؟

حتى الآن يبدو من الصعب التحدث عن قطبية واحدة على المستوى الدولي، كما يتعذر الكلام عن قطبية متعددة متوازنة وراسخة، وربما لا يبالغ بعض الاستراتيجيين في الحديث عن نظام عالمي بلا قطبية. ولا شك في أن تغير مفهوم القوة سيبقى محدداً أساسياً في استيعاب اتجاهات القوة على الساحة العالمية ومآلاتها المستقبلية.

حققت المرأة في الإمارات مكاسب وإنجازات استثنائية فاقت في بعضها المرأة الأوروبية، ما السّر وراء هذا التميز الإماراتي؟

هذا الفضل يعود إلى مؤسس دولة الإمارات الراحل الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، الذي اعتنى منذ تأسيس اتحاد دولة الإمارات بتعليم البنات وتمكين المرأة، وساعده في ذلك انفتاح المجتمع في الإمارات على ذلك، وإجماعه على احترام المرأة وعدم ممانعته أن تكون صنواً للرجل في كل المجالات العامة.

وفي السنوات الأخيرة قادت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، أم الإمارات، "الاستراتيجية الوطنية لتمكين وريادة المرأة في دولة الإمارات 2015-2021"، ولا شك أن ذلك سيعزز المكتسبات والإنجازات المميزة التي حققتها المرأة الإماراتية، خاصة وأن هذه الاستراتيجية توفر إطاراً عاماً ومرجعياً وإرشادياً لكل المؤسسات الحكومية (الاتحادية والمحلية) والخاصة ومؤسسات المجتمع المدني في وضع خطط وبرامج عملها، من أجل توفير حياة كريمة للمرأة لجعلها متمكنة، ريادية، مبادرة، تشارك في كل مجالات العملية التنموية المستدامة، بما يحقق جودة الحياة لها. ويمكن القول باختصار إن عنصراً أساسياً من عناصر التجربة التنموية الإماراتية يكمن في تمكين المرأة.

لو سمحت دكتورة، أرى أن الكثير مازال محكوما بالنظرة النمطية لدولة الإمارات، أي إنها دولة خليجية نفطية، هل هذا الأمر صحيح؟ هل هناك فعلا نموذج إماراتي ناجح؟ وهل بالإمكان تعميم تجربة هذا النموذج على بعض الدول العربية؟

في الواقع ليست الإمارات مجرد دولة نفطية، فعلى المستوى الاقتصادي تقوم الإمارات بتنويع اقتصادها الوطني وتقليل الاعتماد على النفط، وهي نجحت في ذلك نجاحاً ملحوظاً، وتفوقت على شقيقاتها الخليجيات، كما أنها في مراحلها الأخيرة لاعتماد الطاقة النووية السلمية لإنتاج الكهرباء وبقية الاستخدامات الأخرى؛ وذلك في استراتيجية للاستغناء تدريجياً عن مصادر الطاقة التقليدية. وتعد الإمارات نموذجاً تنموياً ناجحاً في تنويع الاقتصاد، وفي تعزيز القطاعات الإنتاجية، وفي الاعتماد على السياحة وصناعة المؤتمرات، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتمكين المرأة والشباب على المستوى التأهيلي والتنموي.

وتشير استطلاعات الرأي وقياس الاتجاهات العامة للشباب العربي إلى أن الإمارات هي البلد المفضل لهم للعمل والعيش.

في الفترة الأخيرة، تأسست في الإمارات وزارة السّعادة، وزارة الشّباب، وزارة المستقبل، في أي سياق تأتي هذه المبادرات، وبأي أهداف؟

تعتقد دولة الإمارات أنه من أجل المحافظة على المنجزات والمكتسبات التنموية المميزة التي حققتها خلال نحو نصف قرن من تأسيس اتحاد دولة الإمارات، من الضروري الإنصات لنبض العصر واستشراف المستقبل اعتماداً على العلم والمعرفة والمنهجيات الموضوعية. لذا، فإن الإمارات اتجهت إلى تشكيل مجالس تشجيع الابتكار والتفاعل مع الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الصناعي والروبوتات وأبحاث الفضاء والطباعة ثلاثية الأبعاد...، في توجّه استراتيجي بأن السعادة ليست نمطاً استهلاكياً بل أسلوب حياة يعتمد على الإنتاجية القائمة على المعرفة العلمية، واللحاق بالتطورات الهائلة في عصرنا في مجال المعلوماتية والرقمنة وأبحاث الطب والبيولوجيا التي تغيّر شكل العالم ومصير الإنسان، كما لم يحدث سابقاً في أي مرحلة في التاريخ الإنساني. وتحاول الإمارات عدم التأخر في الانخراط المؤثّر في هذه الحقول، وهي بذلك تقدّم مثالاً جذاباً في المنطقة العربية. وفي تقديري، فإن هذا كله يُعَدُّ من الجوانب الأساسية في نموذج الإمارات التنموي، الذي يغري الآخرين في المنطقة بمحاكاته واستلهام الدروس منه، ولا شكّ في أنه نموذج يقدّم صورة إيجابية للعرب والمسلمين في العالم.

أنت امرأة على رأس مركز ضخم يعنى بالسياسات وإعداد التقارير وتنظيم المنتديات وإصدار أوراق ومطبوعات ومنشورات في الموضوع...الخ، سؤالي دكتورة ابتسام، ما الذي يمكن فعله في مجال التعاون النسائي المغربي-الإماراتي بخصوص البحث الأكاديمي؟

نرحب أشد الترحيب بالتعاون البحثي والأكاديمي مع أشقائنا في المملكة المغربية، وترحيبنا أكثر بالتعاون البحثي النسائي في البلدين، والمغرب زاخر بالطاقات والكوادر المميزة، ومن المفيد تكاتف الجهود في إنجاز البرامج البحثية التي تتجه نحو تلاقح الخبرات وتبادل التجارب من أجل تطوير ميدان السياسات العامة، ومن ذلك المجال الخاص بالمرأة، وتوسيع ميادينه وآفاقه.

طيب، كيف تنظرون إلى مستقبل الشرق الأوسط في ظل التوتر والتعقيد الذي تشهده معظم الملفات: النووي الإيراني، الأزمة القطرية، الحرب في اليمن، الأزمة في سوريا؟

ما يزال الشرق الأوسط يمر في حالة سيولة وارتباك، وما تزال الملامح النهائية لحاصل الصراعات والحروب والتوازنات والتحالفات لم تتضح بعد، كما جاء في الآونة الأخيرة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني ليضفي مزيداً من الأحداث الدراماتيكية في المنطقة العربية والشرق الأوسط. ومن المهم تكاتف الجهود باتجاه إرساء حلول وتسويات سياسية عادلة ومستدامة للصراعات المشتعلة في الشرق الأوسط، وحقن الدماء، وأنْ تتجه البوصلة نحو البناء والإعمار والمصالحات والقبول بالآخر، والابتعاد عن المعادلات الصفرية في إدارة الأزمات والنزاعات.

اسمحي لي دكتورة ابتسام أن أطرح سؤالا واضحا، هل من فرصة لتأسيس مشروع عربي واضح قادر على مواجهة المشاريع التي تستهدف المنطقة العربية؟

لطالما دعت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مشروع عربي واسع يقوم على الاعتدال والوسطية ومحاربة الإرهاب، ويتأسس على تقوية الدولة الوطنية القائمة على المواطنية المتساوية لكل أبنائها دون تمييز، وذلك في مواجهة المليشيات والجماعات المسلحة والأحزاب العابرة للوطنيات، والأحزاب الطائفية أو الأممية، ويتأسس هذا المشروع كذلك على القراءة الوسطية السمحة والمنفتحة للدين، وعلى التفاعل مع العصر والعالم بمرونة وثقة، وتسلح بالمعرفة والعلم والتكنولوجيا والقيم الإنسانية المشتركة. بهذه المداخل الأساسية يمكن مواجهة التهديدات، وأعتقد أن الحكم الرشيد وتعزيز الشفافية والمحاسبة وتوسيع المشاركة الشعبية وترسيخ حكم القانون والمؤسساتية هي الدعائم الأساسية لمواجهة المشاريع التي تستهدف المنطقة العربية، لكن في كل الأحوال ينبغي أن تنصبّ الجهود على إصلاح جوانب النقص والقصور في الداخل، وعدم الاتكاء على عقلية المؤامرة في تفسير الخلل والضعف.

ما هو مستقبل التنسيق الإماراتي السعودي المصري؟ وما هي تهديدات هذا التّنسيق؟

هذا التنسيق في أحسن حالاته، وهو يدعم الأمن والاستقرار في المنطقة، وهو تنسيق يتنامى ويتوثق باستمرار، لأنه تأسس على فهم متقارب مشترك لشبكة المصالح ومصادر التهديد في الإقليم، وما دامت مخاطر الظاهرة الإرهابية في المنطقة قائمة، فإن هذا التنسيق مستمر، والأمر ذاته يقال بخصوص استمرار المشروع الجيو سياسي الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة والداعم للمليشيات الطائفية، والمهدد للبيئة الأمنية في المنطقة. وأظن أنه ما دام أن هذا التنسيق مصلحة مؤكدة لهذه الدول، فإن دواعي استمراره وتعضيده ستبقى قوية وراسخة.

في السنوات الأخيرة أنشأت دولة الإمارات العربية المتحدة "مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات"، السؤال: ما هي أهداف هذا المجلس بالضبط؟

قبل أكثر من عام أعلن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، تشكيل "مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة" الذي يهدف إلى تعزيز سمعة الدولة إقليمياً وعالمياً وترسيخ احترامها ومحبتها بين شعوب العالم، ويختص برسم السياسة العامة واستراتيجية القوة الناعمة للدولة. ويتبع مجلس القوة الناعمة بشكل مباشر إلى مجلس الوزراء، ويعمل على صياغة منظومة وطنية متكاملة تشمل الجهات الحكومية والخاصة والأهلية لنقل قصة الإمارات إلى العالم بطريقة جديدة. ويؤكد المسؤولون الإماراتيون أن "التواصل الإنساني هو الأكثر تأثيراً وهو المطلوب اليوم لتحقيق سمعة مستدامة تكسب قلوب الناس وعقولهم معاً، ورسالة تذكرنا جميعا بأن الأهم هو الإنسان والتأثير المستدام فيه. كما يعي المسؤولون الإماراتيون أن دولة الإمارات هي الأولى إقليمياً والثالثة عالمياً في استقطاب الخبرات الدولية وجذب العمالة الأجنبية الماهرة من مختلف دول العالم؛ ما يشكل مصدر غنىً ثقافي وحضاري، وبالتالي استوجب عملاً مؤسساتياً متكاملاً على كل الصعد الاجتماعية والتربوية والمؤسساتية، بما فيها القضائية والعدلية، للحفاظ على هذه المكانة المتميزة من خلال نشر ثقافة التسامح باعتباره الوئام في سياق الاختلاف.

أنشأت دولة الإمارات العربية المتحدة عدة مراكز ومنتديات ثقافية وفكرية في كثير من الدول العربية وحتى الغربية، ماهي استراتيجية دولة الإمارات من هذه المراكز والمنتديات؟

إنّ دولة الإمارات تسعى جاهدة إلى ترسيخ الاعتدال ودعم الاستقرار في المنطقة، وهي في دعمها للثقافة والفكر والإبداع إنما تسعى إلى إنشاء بنية تحتية مؤسساتية تكرس قيم التنوير والتسامح والتعايش والتحديث وقبول الآخر، وتقديم صورة إيجابية عن العرب والمسلمين من خلال إظهار التسامح الذي ينطوي عليه الإسلام ومحاربة نزعات التشدد والتطرف والحركات الإرهابية التي تريد اختطاف الدين والعروبة والنطق باسمنا وتقديم صورة مخيفة للعربي أو المسلم أو سكان هذه المنطقة. الحوار والجدل والنقاش العلمي وتلاقح الأفكار في أجواء أكاديمية وعلمية حرة، هو ما ترغب الإمارات في الإسهام بنشره وإشاعته، وهو ما يدفعها إلى تخصيص موارد مالية مهمة من ثروتها لدعم المعرفة وتأليف الكتب وترجمتها وإنشاء الجوائز العلمية في كل المجالات، ودعم الفن والأدب والشعر، واستضافة المنتديات والمؤتمرات المتعددة، والاستثمار في هذا وغيره في سياق بلورة أنوية أولى وأساسية في مشروع للنهضة العربية وازدهار الفكر العربي.