البشاري: هذه أهداف مؤتمر أبو ظبي للأقليات المسلمة في العالم

البشاري: هذه أهداف مؤتمر أبو ظبي للأقليات المسلمة في العالم

أكد محمد البشاري، أمين عام المؤتمر الإسلامي الأوروبي، أن مؤتمر أبو ظبي للأقليات الدينية، المزمع تنظيمه في أبوظبي خلال شهر ماي المقبل، يأتي في سياق صعب يتعلق بصعود الأحزاب اليمينية الشعبوية، وسيادة خطاب متطرف مختطف من طرف جماعات الإسلام السياسي.

وأوضح البشاري، وهو أحد الأعضاء الفاعلين في تنظيم المؤتمر، أن مؤسسة الأقليات الإسلامية ستُعنى بالتفكير في مستقبل الأقليات المسلمة في العالم على ضوء التغيرات المستجدة، التي تسهم في تحديد ملامح النظام العالمي الجديد، الذي هو قيد التشكل، في إطار ما بات يعرف بعالم ما بعد العولمة.

وتناول الحوار مع الدكتور محمد البشاري، وهو مغربي يعيش في فرنسا منذ مدة طويلة، ويهتم بشأن الجاليات المسلمة في الغرب بشكل عام، قضايا الهوية وارتباطها بالجاليات المسلمة بين البلدان الأصلية وبلدان الغرب، وكذا الانتماء المطلق إلى الإسلام.

كما تطرق الحوار، أيضا، إلى مستقبل الأقليات الدينية في دول الغرب، وأهم التحديات التي تواجهها، إضافة إلى أهداف مؤتمر الأقليات، الذي سيعقد في أبو ظبي خلال غرة شهر ماي المقبل.

إليكم الحوار كاملا ..

كثر الحديث في العقدين الأخيرين عن الأقليات، وصدرت كتب تتناول موضوع الأقليات المسلمة، لا سيما في الغرب، كيف جاءت فكرة تنظيم هذا المؤتمر؟ هل سيتم استثمار ما كتب في الموضوع وتفعيله على واقع الحياة العملية؟ أم أن لكم تصورا آخر في الموضوع؟

من المؤكد أنه خلال العقدين السابقين، استشعرت البشرية نُذر أزمات حضارية انبنت على مؤشرات رصد لم تستثن أي مجتمع من المجتمعات، على اختلاف الأديان والمعتقدات والإثنيات والعرقيات، وهي نذر توحي بصراعات مدمرة لن يكون أي دين وأي مجتمع بمنأى عن تداعياتها السياسية والاقتصادية.

لكن الأخطر من ذلك كله هو الصراعات التي منشؤها الخصومات الموهومة بين الأديان. لكن مع ذلك كان يحذوها أمل الانخراط في عولمة جامعة تقوم على أساس التعدد والتنوع الثقافيين، عولمة تنصهر في بوتقتها الأعراق والديانات والمواريث الإنسانية انصهارا تتعزز معه فرص التعايش والتعارف والتعاون، بعيدا عن منطق صراع الحضارات، الذي يستحث الهويات على الانكماش والنكوص نحو مواقع الدفاع عن الذات لمواجهة غزو الآخرين.

يعني في هذا السياق العام جاء تنظيم مؤتمركم حول الأقليات المسلمة في العالم، الذي ستحتضنه أبو ظبي خلال بداية الشهر القادم؟

نعم، وأريد أن أضيف شيئا مهما في هذا الصدد.

تفضل.

لا يمكن إنكار أن الأقليات المسلمة في السياق العالمي عموما، مثلها مثل الأقليات الأخرى، تتمتع بحقوق لا حصر لها، وتستظل بظل منظومة قانونية تكفل لها العيش في أمن وكرامة. لكن توتر الأوضاع في العالم، جراء موجات الهجرة المتدفقة والأحداث الإرهابية الأليمة وصعود الأحزاب الشعبوية المتمثلة في اليمين المتطرف، على وجه الخصوص، أصبح ينذر بمستقبل قاتم، وهو وضع استغلت فيه هذه التيارات مجموعة من الأسباب، التي أصبحت تغذي الخطاب المعادي للحضور الإسلامي في الغرب بمسوغات ومبررات للتهجم على الأقليات المسلمة والمطالبة باندماجها اندماجا تضيع معه خصوصياتها الدينية والثقافية.

أفهم من كلامك أن الأقليات المسلمة في العالم تعيش مشكلا جديدا يتعلق بصعود الأحزاب الشعبوية.

هذا صحيح، فضلا عن تحدي الخطابات المعادية للحضور الإسلامي في السياق الغربي، على الخصوص، إذ هناك تحدِّ مرتبط بالخطاب الديني الإسلامي نفسه، الذي إما أنه مختطف من طرف جماعات الإسلام السياسي، ويعمل على التأصيل لمفاهيم "التمكين"، و"الأسلمة" أو "العزلة الشعورية"، وإما أنه يقدس تفسيرات وتأويلات للنصوص والمفاهيم الدينية لم تعد تنسجم مع الزمان والمكان والإنسان.

والنتيجة أن هذا الخطاب فشل في تأطير ومرافقة الوجود الإسلامي في الغرب تأطيرا ومرافقة تمكنانه من التوفيق بين مقتضيات الانتساب إلى الدين الإسلامي ومقتضيات الانتماء إلى المجتمعات التي تحتضنه في ظل المواطنة، كما تقررت مدلولاتها ومعانيها في البيئة العلمانية الغربية.

إنه وضع عالمي بقدر ما يلزم المسلمين والأقليات المسلمة بالتفكير في سبل تأسيس وتأصيل خطاب فقهي مناسب لظروف عيشهم في مجتمعات متعددة الثقافات والأعراق والأديان، ينبغي أن يحملهم على إبداع سبل مجابهة العداء المتنامي لهم ولدينهم ولانتماءاتهم الثقافية.

وعليه، فقد أصبح من الضروري الالتفات إلى قضية الأقليات عموما، والأقليات المسلمة خصوصا، والعناية بالتفكير في مستقبلها على ضوء التغيرات المستجدة التي تسهم في تحديد ملامح النظام العالمي الجديد الذي هو قيد التشكل، في إطار ما بات يعرف بعالم ما بعد العولمة.

يعني هذا هو السبب الذي جعلكم تسارعون إلى تنظيم مؤتمر يهتم بالأقليات المسلمة في العالم؟

نعم، هذه بعض الأسباب حول فكرة عقد المؤتمر العالمي للأقليات المسلمة، لكن ما أكد الحاجة المستعجلة إلى هذا المؤتمر هو وجود أسباب أخرى، من بينها:

ـ ظهور حركات قتالية وجماعات انفصالية تدعو إلى تأسيس دويلات خاصة بالمسلمين محاربة في فلبين وروسيا أو غيرها.

ـ الهجمات الإرهابية على مركز التجارة العالمي في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر 2001 قتلت الآلاف من الرجال والنساء وهم يمارسون عملهم، بينما وقع المئات من المسافرين ضحايا لتفجيرات القطارات في مدريد في الحادي عشر من مارس 2004، وراح العشرات من المسافرين الأبرياء ضحايا تفجيرات لندن في السابع من يوليوز 2005.

ـ صار المسلمون الأوروبيون – بعد هجمات نيويورك وواشنطن، ومجازر مدريد ولندن وباريس وبروكسيل –يعيشون تحت وطأة الإدانة الجماعية لما يسمى بـ"الإرهاب الإسلامي"، والتي أخذت حدتها تتزايد من قبَل بعض السياسيين وأجهزة الإعلام.

ـ ظهور "داعش" واستقطابها بعض أبناء الأقليات المسلمة، وتنفيذها عمليات إرهابية بباريس وبروكسيل وغيرهما من العواصم العالمية، حيث إن المسلمين يعتقدون جازمين بأنه لا توجد إدانة جماعية، بل مسؤولية فردية.

هل هذا المؤتمر يعنى بالمسلمين في دول الغرب أم في العالم بشكل عام؟

المشاركون في هذا المؤتمر من 140 دولة غير أعضاء في منظمة التعاون الاسلامي، يعيش فيها المسلمون، وهم أصناف مختلفة، منهم الأصليون كمسلمي الهند والصين وروسيا وأفريقيا، أو جاليات عربية وتركية وأفريقية مهاجرة واستقرت بأوروبا استقرارا نهائيا أو مؤقتا، بالإضافة إلى الأمريكيتين وأستراليا، أو أبناء المهاجرين الذين أصبحوا مواطنين، بالإضافة إلى المهتدين الجدد.

مفهوم الأقلية يستضمر معنى قدحيا لهذه الفئة، وهو ما يعني أن هؤلاء الناس لم يستطيعوا الاندماج في بلدانهم، السؤال هنا ماذا تقدمون لمثل هؤلاء الناس؟

مصطلح الأقلية المستعمل في وثائقنا ينطلق من المطالبة بالمساواة في الحقوق الأساسية للإنسان في ممارسته الشعائر التعبدية، أسوة بالطوائف الدينية الأخرى كالمسيحية واليهودية والبوذية والهندوسية وغيرها. والمواثيق الدولية منذ قيام منظومة حقوق الإنسان تنادي بإعطاء "الأقليات" حقها الطبيعي، واحترام خصوصياتها العرقية والثقافية والدينية واللغوية.

إنه منطلق حقوقي وقانوني ليس تأصيلا لإشكالية العدد. وعادةً ما تكون هذه المجموعات غير وجه الأغلبية في مواجهة "هيمنة الأغلبية".

الأمر يتعلق أساسا بالهوية، ومن المعلوم أن للهوية شقين، شق خصوصي يتعلق بالبلد الرئيس الذي قدم منه المهاجر، ومفهوم عام يتعلق بالانتماء إلى الإسلام بشكل عام، باعتباره هوية مطلقة بالنسبة إلى المسلمين، وهنا تكمن الصعوبة في التناول والتنزيل، هل أنت واع بهذه الإشكالية؟

العالم أصبح قرية صغيرة، والنمو التقني في مجال التواصل الاجتماعي قصّر المسافات وأرسى معايير جديدة للعيش المشترك، كما أصل لمفهوم المواطنة العالمية.

العنصر الهوياتي المغربي قيمة مضافة أثرت على مسيرة صناعة ثقافة إنسانية تحافظ على الخصوصيات وتنسج عبر شبكة القيم قواعد وأسس جديدة لعقد اجتماعي قادر على أن يجعل من تدافع الثقافات ومرجعياتها فضاء أمن لكل المكونات.

ويلعب مغاربة العالم، اليوم، دورا كبيرا بالدفع في هذا الاتجاه حتى لا تهيمن عربدة العولمة اللاأخلاقية وتؤثر سلبا على مقومات الشخصية المغربية.

وكنا قد أصلنا عبر العقود الماضية عدة مفاهيم ترفع حرج التناقض بين الانتماء إلى الهوية الدينية والأصلية وبين مقتضيات المواطنة الجديدة، منها:

ـ أنّ دول الأقليات المسلمة ليست دار إسلام ولا دار حرب، بل هي دار التعارف والعيش المشترك على أساس العقد الاجتماعي.(The Social Contract)

- أن دول الأقليات المسلمة ليست دار الإسلام لأن المسلمين فيها ليسوا أغلبية، وعليه لا يمكن تطبيق كل الأحكام الخاصة كطائفة دينية إلا في حدود المسموح به وفق قوانين البلد، وهي أيضا ليست بدار حرب، لأنه من الممكن فيها ممارسة الشعائر التعبدية. وبناء على هذا، فإن دول الأقليات المسلمة هي دار التعارف والعيش المشترك، لإمكانية العيش في أمن وسلام ضمن إطار العقد الاجتماعي على أساس المبادئ التي يقبل بموجبها الأفراد الأحرار بناء مجتمعات يتساوى فيها الجميع دون النظر إلى اختلافات الدين أو العرق أو اللغة أو الثقافة أو الجنس.

يعني هذا أن ذلك يحتاج إلى تعاون من مؤسسات رسمية أيضا للبلدان التي تنحدر منها هذه الأقليات، فمثلا أنت تعيش في فرنسا، ولكن لا ننسى أنك مغربي، هذا مثال فقط، السؤال هنا دكتور كيف يمكن للمؤسسات الرسمية في البلد الأم أن تساعد في هذا الموضوع الذي أنتم بصدد تفعيله في واقع الحياة؟

لقد أصبح التعاون واجبا في هذا الوقت بالذات بين البلدان الإسلامية والحكومات الغربية والمؤسسات الإسلامية على أساس الشراكة، من أجل النهوض بالأداء الوظيفي للمؤسسات الإسلامية، وتحصين أبناء الأقليات المسلمة من تيارات التكفير والتفجير وولاية الفقيه. وهذه الشراكة تلزم بشكل صريح الأقليات المسلمة بالقيم المشتركة، من قبيل سيادة القانون ومبادئ التسامح وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والاعتقاد بأن كلّ إنسان يمتلك الحقّ بالقيم الضرورية الخمس: النفس والدين والعقل والمال والعرض.

ونعتقد جازمين بأنه إذا صار هذا التعاون بهذا الشكل، من المؤكد ستحقق المجتمعات أمنها الروحي والفكري من كل مهددات تيارات الهدم والعنصرية.