صحَّة بوتفليقَة تثيرُ سناريُوهات الربيع الجزائرِي والانقلَاب العسكري

صحَّة بوتفليقَة تثيرُ سناريُوهات الربيع الجزائرِي والانقلَاب العسكري

ليست المرة الأولى التي تتوارد فيها أخبار رسمية وغير رسمية عن مرض الرئيس "بوتفليقة"، لكن يبدو أن نقل الرئيس الجزائري إلى باريس وتوالي البيانات بطريقة غير معهودة من ديوان الوزير الأول لتطمئن بان الوضع الصحي لـ"بوتفليقة " "لا يبعث على القلق" وأن "الوظائف الحركية والحسية للرئيس لم تتأثر"، واتفاق السلطات الجزائرية مع باريس بأن يظل الملف الصحي لـ"بوتفليقة" سريا، والإشارة في البيانات الصادرة عن ديوان الوزير الأول أن "نشاطات الحياة الوطنية تسير بطريقة عادية" ، كل هذا يظهر جليا أن الجزائر تعيش حدثا غير عادي، لأن الأمر أضحى يخفي صراعا سياسيا بين المؤيدين لـ"بوتفليقة" والمعارضين له، وقد يكون تهييئا للرأي العام الجزائري لحدث قادم، ولمزيد من إلقاء الضوء على الحدث كان الاتصال لهسبريس مع عبد الرحيم منار اسليمي، أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، لإلقاء الضوء على الحدث الذي تعيشه الجارة الشرقية الجزائر.

البيانات المطمئنة حول صحة بوتفليقة تعبير عن الخوف من تطبيق المادة 88 من الدستور

إن الإشارة في البيانات الرسمية إلى أن "نشاطات الحياة الوطنية تسير بطريقة عادية " يرى عبدالرحيم المنار اسليمي تحمل "بصمات صراع بين من يريد الحفاظ على "بوتفليقة" لولاية رئاسية جديدة أو على الأقل إلى حين تهييئه السلطة لأحد المقربين منه، وبين محاولات من معارضين يوجهون رسائل للانتخابات الرئاسية القادمة، رسائل تسبق "بوتفليقة" وتجعله عاجزا على البقاء في السلطة الى حدود شهر أبريل 2014 موعد إجراء الانتخابات الرئاسية".

وهي معارضات، المحلل السياسي، تتشكل من تحالف يضم جزء من الجيش وبعض الأحزاب السياسية، وبذلك، فالبيانات المتتالية، حسب رأيه، هي رسائل لمعارضات الرئيس المريض، لهذا نجدها تشدد على فكرة أن وضعيته الصحية عادية للهروب عن مقتضيات المادة 88 من الدستور التي تلزم المجلس الدستوري الجزائري بالاجتماع لإثبات "حقيقة المانع الصحي" بكل الوسائل والاقتراح على البرلمان بالتصريح بثبوت المانع.

وأشار أستاذ القانون الدستوري إلى أن "بوتفليقة" ومحيطه يواجهان المادة 88 من الدستور الجزائري التي بدأت تخرجها أطراف من المعارضة السياسية المدعومة من طرف بعض مكونات الجيش، ويبدو أن الجيش يحتاج الى هذه المادة الدستورية للانقلاب على "بوتفليقة" والحيلولة دون وصوله الى سنة 2014 . وبذلك، فالبيانات والتأويلات السياسية لها، وبحث الجزائريين عن المعلومة الصحيحة داخل نظام عسكري مغلق تجعل الرأي العام الجزائري منقسما بين جزء يعتقد بوجود السلطة وجزء يعتقد بان الجزائر تعيش فراغا على مستوى السلطة ،وهو دفع للجزائريين بالاستعداد لكل الاحتمالات القادمة.

صراع بوتفليقة والجيش لم ينته وسيناريو انقلاب الجيش على "بوتفليقة" وارد

وأشار اسليمي إلى أن الجزائر لم تتحول بعد إلى حكم مدني رغم الانتخابات الرئاسية المتتالية، فالنظام السياسي الجزائري اليوم نصفه مدني ونصفه عسكري، فالجيش لازال قادرا على قيادة الانقلاب على السلطة المدنية الموجودة في الواجهة، رغم أن "بوتفليقة" استطاع أن يحدث انقساما في الجيش لكونه جاء إلى الحكم بعد عشر سنوات من الحرب تجسدت فيها الأزمة في الإسلاميين والجيش معا.

فالجيش، يرى اسليمي، لايزال موجودا ويدافع عن مصالحه، مشيرا إلى وجود تيار قوي منه يرفض استمرار "بوتفليقة" في الانتخابات الرئاسية القادمة، وقد لاحظنا كيف أخرج تحالف سياسي مع الجيش أوراق متعددة من ملفات الفساد لمحاصرة "بوتفليقة" ومنها ملف شقيقه "سعيد بوتفليقة" ،مقابل ذلك أخرج "بوتفليقة" ملف الفساد داخل شركة "سونطراك" التي هي دولة داخل الدولة الجزائرية، وداخل هذه التفسيرات هناك اعتقاد اليوم بان عملية "عين أميناس" هي وجه من أوجه الصراع بين "بوتفليقة" وقيادات من الجيش .

وعن أهم الاحتمالات التي قد تظهر في المقبل من الأيام، يرجح اسلمي احتمال انقلاب الجيش على "بوتفليقة" انقلابا سلميا يستعمل فيه الدستور رغم موقف الجيش نفسه من الدستور، "ويبدو أن خروج رئيس مجلس الامة (البرلمان) إلى الواجهة في الأسابيع الأخيرة هو مؤشر على بداية هدا الانقلاب،على اعتبار ان رئيس مجلس الأمة هو الشخصية الثانية التي يعطيها الدستور صلاحية تسيير البلاد لمدة محددة، في حالة وجود مانع صحي للرئيس قابل للإثبات، وهو ما يسعى إليه تيار داخل المؤسسة العسكرية وتيارات سياسية مدنية" يقول أستاذ القانون الدستوري .

ويضيف:" قد يستبق الرئيس "بوتفليقة" لوجود قضايا خلافية كبرى مطروحة منها قضية الإسلاميين ودورهم في اللعبة السياسية الجزائرية في المستقبل".

حراك اجتماعي و تحديات أمنية : مؤشرات ترشح الجزائر لربيع عربي جديد

لكن هذه الصورة التي تبين صراعا فوقيا على السلطة في الجزائر، وتمسك الرئيس ومحيطه بالسلطة، بالرغم مرضه، وتطلعه الى ولاية رئاسية جديدة ،هي حالة شبيهة بأوضاع عاشتها تونس لما تمسك "زين العابدين بنعلي" بالسلطة رغم مرضه، وشبيهة بحالة مصر لما تمسك "حسني مبارك" بالسلطة له أو لابنه رغم حجم التغيرات الاجتماعية التي وقعت في المجتمع المصري، أما إزاء الحالة الجزائرية، يقول منار اسليمي: "نحن أما أحد المؤشرات القوية التي تحمل بوادر دخول الجزائر في ربيع عربي جديد على المدى القصير" مشيرا في ذات السياق إلى أن الجزائر باتت "قريبة من ربيع عربي لوجود فراغ في السلطة وتمسك محيط رئاسي برئيس غير موجود، داخل تحديات اجتماعية تجعل من سقف وثيرة الحراك الاجتماعي تتزايد بعد ان تآكلت اساطير الدولة الوطنية لدى الجيل الجديد ،الذي لم يشارك في الانتخابات البرلمانية الجزائرية الأخيرة، وخاصة أبناء الجنوب الجزائري الذين لم يستفيدوا من رفاه النفط، لأن شركة "سونطراك" لا توظف إلا 55 ألف شخص أغلبهم أجانب من داخل 34 مليون من الساكنة الجزائرية، كما أن السلطات الجزائرية، على الرغم من الاحتياطات المالية الكبيرة ، فإنها ترتبك بمجرد انخفاض سعر النفط في الاسواق العالمية، لأنها لم تستطع انتاج سياسات عمومية وطنية بل حاولت خلال مرحلة "بوتفليقة" شراء السلم الاجتماعي بعائدات النفط التي لا يمكن ان تستمر فيها نتيجة تزايد سقف المطالب الاجتماعية".

وعن العامل العرقي في الجزائر، وتحديدا مطالب الامازيغية في منطقة القبايل، يلحظ اسلمي إلى أن "مطالب الحركة الأمازيغية الجزائرية سيرتفع سقفها يوميا إذ لم تستطع السلطات تدبيرها" ناهيك عن ظاهرة الفساد التي "تجعل من الدولة الجزائرية رخوة غير قادرة على الاشتغال بالمؤسسات وتطبيق القانون نتيجة صراع بين قطاع من الجيش والرئيس بوتفليقة" حسب رأي المتحدث.

كما اشار اسليمي في اتصال مع هسبريس إلى أن الجزائر تعيش تحديا آخر ناتجا عن احتضانها لحركات متطرفة كأنصار الدين ودخول قيادات التوحيد والجهاد ومقاتلين الى مناطق "تمنراست" هذا بالإضافة إلى وجود مقاتلين اسلاميين في الحدود الليبية الجزائرية.

ويخلص المتحدث إلى أن الفراغ الرئاسي بغياب "بوتفليقة" ووجود صراعات داخل الجيش تأتي في مرحلة تتزايد فيها المخاطر الداخلية (الموارد البشرية الانتحارية) والخارجية الجزائرية جنوب مالي وعلى الحدود مع تونس وليبيا، وهو ما يجعلها مفتوحة على كل الاحتمالات والمغامرات ،مما يجعل من الصعب عليها اليوم ان تستمر في قبول غياب "بوتفليقة"، فالجزائر، حسب رأي اسليمي، مفتوحة على سيناريوهين: إما انقلاب عسكري بغطاء دستوري يعطي السلطة لرئيس مجلس الأمة في انتظار تنظيم انتخابات سابقة لأوانها، وإما انقلاب عسكري من خارج الدستور يعود بأحد القيادات العسكرية القديمة الى السلطة، وقد ظهر أول مؤشر لهذا السيناريو الثاني بعودة اسم الرئيس السابق "لامين زروال" إلى التداول، وهو "تداول يفسر أن الجيش يهرب من الإصلاحات ويعود الى الماضي العسكري للجزائر" يورد اسليمي.