المناسك المحدودة تستشرف مفهوم "الحج الأخضر" خلال المستقبل

المناسك المحدودة تستشرف مفهوم "الحج الأخضر" خلال المستقبل

من انبعاثات الكربون المنخفضة مقارنة بالسنوات الماضية إلى تقليل النفايات والإجراءات الصديقة للبيئة، يعزّز الحج بأعداد محدودة من المسلمين في مكة المكرمة بسبب فيروس كورونا المستجد مفهوم "الحج الأخضر" في المستقبل.

فبالإضافة إلى كونه تحدّيا لوجستيكيا وأمنيا، يشكل الحج عادة تحديا في مجال البيئة أيضا، إذ إنه يستقطب نحو 2,5 ملايين شخص من جميع أنحاء العالم خلال أقل من اسبوع في أماكن مزدحمة جدا.

وتخلق هذه الحشود ما يشبه "تسونامي" بيئي مع ازدياد تلوث الهواء بفعل ارتفاع عدد الحافلات والسيارات والطائرات بشكل كبير جدا، وآلاف الأطنان من النفايات، وارتفاع معدلات استخدام المياه في ظل طقس حار للغاية.

وبدا الحج هذا العام، الذي يؤدي مناسكه بضعة آلاف من الأشخاص فقط، مساحة للتنفس والتحرك بحرية.

لكن بالنسبة لنهاد عواد، مسؤولة الحملات في منظمة "غرينبيس الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، فإنّ الأمر "لا يتعلق بأعدادنا فقط، بل بتأثيرنا الجماعي".

وبشكل عام، يرى الحجاج والمنظمون أنّ المناسك مختلفة تماما عمّا كانت عليه في أي وقت مضى من ناحية البيئة.

وقال الحاج عظيم الله فرحه من أفغانستان، وهو واقف بصعيد عرفات، إنّ "المواقع التي نوجد بها نظيفة، وهناك فرق من عمال النظافة يباشرون برفع النفايات في كل وقت، وخصصت الجهات المنظمة للحج حاويات النظافة في كل مواقع وجود الحجاج".

وأضاف الحاج، الذي أدّى المناسك أكثر من مرة: "لا مقارنة بين هذا العام والأعوام الماضية (...) نشاهد عمالة منتشرة بأعداد أقل؛ ولكن تؤدي مهامها بكل اقتدار".

وكان يسير في الموقع ذاته عامل النظافة رحيم فجر الدين، مستذكرا أنّه في اليوم ذاته من العام الماضي كان هو وفوج كبير من زملائه مستنفرين في مشعر عرفات "لإزالة النفايات التي تتراكم بشكل كبير بعد قضاء الحجاج يوم عرفة وتوجههم إلى مشعر مزدلفة".

وشارك نحو 2,5 ملايين شخص في مناسك 2019.

ويسير الحجاج عادة في شوارع مدينة مكة المكرمة، مخلّفين وراءهم نفايات وزجاجات وأطباق طعام وأكياسا بلاستيكية، يقوم عمال النظافة بحملها ونقلها على مدار الساعة.

ويتم نقل الحجاج هذا العام بحافلات مخصّصة، وتضع السلطات قيودا مشددة على تحركاتهم، وتقدم لها الطعام في أماكن معينة؛ ما يحد من النفايات ومن إمكانية انتشارها في الطرقات وفي المواقع الدينية.

طاقة شمسية؟

لم تكن البيئة، حتى وقت قريب، في قلب اهتمامات السلطات السعودية عندما يتعلق الأمر بالحج.

وركّز القادة السعوديون، من "خادم الحرمين الشريفين" إلى المسؤولين على الأرض في مكة المكرمة والمدينة المنورة، عملهم على إنجاح عملية استقبال أكبر عدد ممكن من الحجاج المسلمين الآتين من دول العالم كلها تقريبا. وهذا ما يفسّر مشاريع التطوير الضخمة التي تم إطلاقها في العقود الأخيرة لزيادة سعة الاستقبال.

في 2018 أطلقت بلدية مكة برنامجا لفرز النفايات وبدأت تنظر في إمكانية فرض إعادة تدويرها، ثم تم تركيب لافتات بلغات عديدة لتشجيع الحجاج أنفسهم على فرز نفاياتهم.

وعلى الرغم من القيود الصارمة والحد من أعداد الحجاج هذا العام لمنع انتشار الفيروس، فإن بلدية مكة نشرت أكثر من 13 ألف عامل نظافة في الأماكن المقدسة، مجهّزين بـ"أحدث المعدات مثل (...) والمكانس الآلية وغيرها سيكون العمل على مدار 24 ساعة"، بحسب بيان رسمي.

وتتجه أمانة المدينة المقدسة لتنفيذ مشروع حكومي لتدوير جميع النفايات خلال مواسم الحج ومعالجتها للاستفادة منها وبما يتلاءم مع البيئة، وهو قيد الدراسة حاليا.

وقالت عواد لفرانس برس: "يمكن أن يكون الحج هذا العام، على الرغم من تنظيمه في مرحلة من التحدي على مستوى العالم، مصدرًا للأمل. إنه يقدم لمحة سريعة عمّا سيكون عليه المستقبل المستدام والحج الأخضر".

واعتبرت أنّ "ما حقّقته قوّة قاهرة اليوم بحاجة إلى أن يتحقّق بالاختيار في المستقبل (...) فمن خلال الاستثمار في التنمية المستدامة وتبنّي الممارسات الخضراء، لا يزال بإمكاننا أن نعيش تقاليدنا وأداء طقوسنا على أكمل وجه مع الحفاظ على سمائنا خالية من التلوث وشوارعنا خالية من القمامة".

وتابعت عواد: "تخيلوا حجّا بمشاركة الملايين من الحجاج الواعين تماما للبيئة المحيطة بهم في مكة مغذّاة بالطاقة الشمسية. هذا هو المستقبل الذي يجب أن نعمل جميعا من أجله".