دروس وعِبر معركة وادي المخازن في خُطب الزعيم علال الفاسي

دروس وعِبر معركة وادي المخازن في خُطب الزعيم علال الفاسي

لا يخفى على أحد، خصوصا دارسي التاريخ المتخصصين، أهمية معركة وادي المخازن في تاريخ المغرب.. المعركة التي كانت فعلا فاصلة في الحد من المد الصليبي وتراجعه القهقرى..معركة كان لها دور وفضل في رسم معالم المغرب المسلم الذي نعيش فيه الآن. ومن القادة السياسيين والمفكرين الذين أولوا أهمية كبيرة لهذا الحدث، وجعلوه ذكرى يحتفى بها، نجد الزعيم علال الفاسي.

فكيف تعامل علال الفاسي مع هذه الذكرى؟ وكيف ظل حاملا لهمّ إحياء ذلك الانتصار؟

في هذا المقال يلقي القيادي الاستقلالي عبد الواحد الفاسي الضوء على تفاصيل الذكرى، وارتباط "الزعيم" بها.

يردَّدُ فــينا الــيــومُ صوت المآذن بفضلكم أبطال "وادي المخازن"

هذا مطلع القصيدة التي نظمها علال الفاسي سنة 1957 في أول احتفال بذكرى معركة وادي المخازن بعد الاستقلال.

هذا البيت وحده كاف لمعرفة أهمية المعركة؛ معركة وادي المخازن أو الملوك الثلاثة. المعركة التي كانت حاسمة بين أمرين لا ثالث لهما: إما الانتصار وإيقاف المد الصليبي على المغرب بل على إفريقيا، وإما الهزيمة وبداية النهاية بالنسبة للإسلام في هذه المنطقة.

ونعت علال الفاسي هذه الموقعة بـ"تلك الموقعة التي كانت حاسمة في تقرير مصير المغرب كوطن إسلامي عربي مستقل"، واعتبر أننا أولى بإحياء ذكرى عامرة بالمجد والفخار لوطننا ولشهدائنا؛ كما ذكر أن "مواطنينا اليهود قد سبقونا لإحياء هذا الاحتفال لأنهم لم يهملوا قط داخل معابدهم شكر الله على أن أنقذهم وأنقذنا من دسائس الاستعمار الدولي البرتغالي الذي كان يُبيِّت لبلدنا نفس مصير العرب واليهود في الأندلس أو أشد".

ولولا جهــادٌ مــنكم بعــزيـمـــة وما بان فيكم من عظيم التضامن

لأضحت بلادي طعـمة لعـدوها كأندلس أخت الأسى والتـغــابـن

ويشرح علال أن الفكرة التي دفعت الغربيين لاقتحام معاقل الإسلام، ومنها المغرب، تقوم على عاملين أساسيين هما:

- عامل الاستغلال المادي

- عامل التبشير الصليبي

لا بد أن نذكر أن قرار العمل على تمسيح المغرب اتخذ سنة 1565؛ أي 13 سنة قبل المعركة، وذلك في مؤتمر "طرانطا" الذي جمعه البابا من 1543 إلى 1565، وكلف بذلك ملك البرتغال باعتبارها أعظم دولة بحرية في العالم آنذاك. وهكذا تهيأت الظروف لغزو المغرب، ما أدى إلى نشوب معركة وادي المخازن.

بطبيعة الحال، ما مكَّن من هذا الهجوم هو المشاكل الداخلية والخيانة التي ارتكبها محمد المتوكل السعدي المعروف بالمسلوخ والتحالف مع الأوربيين عندما فقد عرشه. لقد كانت الدولة السعدية تتخبط في مشاكل عديدة إبان حكم هذا الملك الذي تم خلعُه - نظرا لانحرافه - بعد إفتاء العلماء، وتعويضُه بعمه الملك عبد المالك السعدي.

لجأ الملك المخلوع إلى طنجة المحتلة من طرف البرتغال ليتآمر مع ملكها سيباستيان على أساس أن يعيده إلى عرشه مقابل تنازله النهائي له عن شواطئ المغرب.

دأب علال الفاسي منذ سنة 1957 على أن يترأس كل سنة مهرجان إحياء الذكرى بمكان الواقعة أو بمدينة العرائش أو بمدينة القصر الكبير. ولم يكن هذا الاحتفال في مفهوم الزعيم مقصودا لذاته، بل كان مجرد وسيلة لاستقطاب الأمة وتكتلها وخلق تآلف متماسك بينها يجعلها تنخرط بوعي وإدراك وبعاطفة ووجدان في تاريخها الحافل بالأمجاد، ويجعلها تستلهم أروع ما حمله الأجداد وأقدس ما يتحتم استيحاؤه من قيم تُمثِّل قوةَ الدفع الحقيقية إلى الأمام، وتُجسِّد الطاقة الوطنية الكبرى التي تستطيع الأمةُ من خلالها أن تستمد قدرتها في النهوض والسير نحو الرفعة والسمو.

هكذا يتعين علينا استخلاص ما يمكن استخلاصه من معركة وادي المخازن في شروطها التي توفرت آنذاك، وفي إطار مقومات التعبئة في كل وجوهها ومستوياتها لصالح الشعب ومن أجله اليوم وغدًا.

إن هذه المعركة العظيمة تعتبر من أهم الغزوات الداخلية في إطار الحروب الصليبية التي جهزتها حكومات مسيحية لاكتساح بلاد الإسلام. هذه المعركة التي نزل بها الجيش المغربي بقيادة أحمد المنصور الذهبي في مواجهة جيوش الصليبيين التي كان يتراوح عدد أفرادها بين 80 ألفا و120 ألف مقاتل. ولكن الشعب المغربي لم تذهله هذه القوة ولم يرهبه عددها، فحقق الانتصار العظيم على أكبر قوة عسكرية في ذلك العصر، كانت تمثل إمبراطوريةً لا تغرب عنها الشمس؛ ونجح بذلك في وقف المد الصليبي الذي كان يستهدف المغرب الإسلامي، وأوقف التوسع في مهده وكان - بذلك - الصخرة التي تحطمت عليها أحلام الطغاة؛ ما أكسب المغاربة مناعة مؤكدة وقضى على كل مناوشة أو جشع غربي لمدة طويلة.

انتهت هذه المعركة التي كانت تسمى معركة الملوك الثلاثة بانتصار المغرب المسلم، وبقاء الدولة المغربية قوية وموحدة. وفي هذه المعركة مات ملك البرتغال وهو يمثل المستعمر، ومات محمد السعدي المعروف بالمسلوخ وهو يمثل الخيانة (بعد مقتله في المعركة تم سلخُ جلده وملؤه بالتبن)، ومات عبد المالك السعدي وهو يمثل البطولة؛ بطولة الملوك المغاربة في الذَّوْد عن الوطن وحماية الإسلام. إن هذا الانتصار هيأ للمغرب آنذاك أسباب تحرير شواطئه وتأسيس الدولة المغربية باستقلال عن الجميع. وعرف بعدها عصر السعديين ازدهارا كبيرا.

بعد هذه النبذة المختصرة والسريعة عن المعركة سنعطي فكرة عن ثلاث خطب للزعيم علال الفاسي، مدونة في كتيب عن المعركة تم طبعه بمناسبة الذكرى الأربعمائة لمعركة وادي المخازن، التي تم الاحتفال بها سنة 1978.. وهي الذكرى التي كان علال الفاسي يريد أن يجعل الاحتفال بها يتم بكل أقاليم المملكة، إلا أنه التحق بالرفيق الأعلى أربع سنوات قبل ذلك ( 1974).

الخطاب الأول سنة 1957

كان خطابا شاملا حول الموضوع، تناول أحداث معركة وادي المخازن وتضمن عددا من الاستنتاجات والأفكار الأساسية التي سنحاول أن نستخرجها، ونقدم في ما يلي بعضا منها.

1. الخيانة: الفكرة الأولى التي تنبثق انطلاقا من هذه المعركة وتمثل القاسم المشترك في كل الأزمات هي الخيانة. "وهكذا اتفقت الخيانة والاستعمار وهما الحليفان الطبيعيان في كل الأوقات على التآمر على الدولة وكسر شوكة المسلمين".

2. رفض الاستعانة بالأجنبي مهما كانت الأحوال: "وهكذا وضعوا حدا لترهاته وبينوا للناس أنه لا حق لأحد أن يستصرخ بالأجنبي ضد الشعب، وأن ذلك كفرٌ وخيانة يُحارب مرتكبها من الجميع، كما أنه لا يجوز اعتبار كل الوسائل للانتصار على الخصم جائزة".

3. عظمة الشعب المغربي: "تجميع الشعب المغربي، وهي مقادير ضخمة هائلة أدهشت المسلوخ فبعث يهدد بجموع الروم التي معه المواطنين محاولا الفَتَّ في عضُدِهم، ولكن الشعب المغربي المسلم لا يخاف القوة ولا يرهَب الظالمين.

إني واثق من أن حيوية الشعب المغربي تتغلب على كل الصعاب؛ ولكن هذه الحيوية هي التي منعت الكارثة من أن تقع..فالحمد لله الذي هدى الأمة المغربية للكفاح المتواصل من أجل دينها ووطنها وملكها".

4. الدور الأساسي الذي لعبته الصوفية والشاذلية في استنهاض الهمم: "كان العصر عصر تصوف وكانت الشاذلية هي الطريقة الغالبة في المغرب، تقوم مقام حزب الغالبية في الجهاز الاجتماعي العصري. وكان زعيم الشاذلية المدافع هو أبو المحاسن يوسف الفاسي، إليه يرجع أمرها، وعنه يأخذ مريدوها، وبه يرتبط سندها. وفي ذلك يقول صاحب المرآة: قال الشيخ أبو المحاسن، وكان إذ ذاك بالقصر لرجل من أصحابه: أذِّن في الناس أن الزموا بلادكم ودوركم، فإن عظيم النصارى مسجون حيث هو حتى يجيء السلطان من مراكش.

وبعث أبو المحاسن بالرسل إلى السلطان، وخرج هو وتلامذته يحرسون الشواطئ إلى أن يجيء الجيش الرسمي. وأخيرا وصل عبد المالك السعدي ومعه جيشه العرمرم بقيادة أخيه أحمد المنصور".

5. موت عبد المالك والنتيجة العكسية. "يظهر أن دسائس الأجنبي تسربت حتى لدائرة الملك، فقد سم عبد المالك أحد الذين كانوا معه من القواد الأتراك، وكان المتآمرون حسِبوا أنه متى توفي الملك والمعركة قائمة وقع الفشل في نفس المسلمين فاندحروا. ولكن الأمر بالعكس، فإن أبطال المعركة كتموا خبر موت ملك المغرب وتقدم الجيش والمتطوعون من المغاربة للقتال، وكان على ميسرة الجيش المغربي أبو المحاسن".

6. تضامن واتحاد من أجل الانتصار: "لهذا فإن إقامتنا ذكرى وادي المخازن تنبهنا إلى مقدار الثروة التي تحصل عليها بلادنا، كلما التفَّت حول حركة إسلامية وطنية يتزعمها رجل مخلص، وكلما وقع الانسجام التام بين الشعب وبين العرش".

7. حزب الاستقلال امتداد للحركات التي قاومت الاستعمار: "وإن حزب الاستقلال ليعتبر نفسه الامتداد المتواصل لحركات الأحياء المغربية التي قاومت الاستعمار، وحافظت على الكيان، وجمعت بين أطراف المغرب في وحدة قومية، شعارها الدين، ولحمتها العروبة، وتاجها العرش".

"وفي ما يخص حزب الاستقلال فإنه سيكون ضد كل المحاولات الأجنبية لتفرقة صفوف المكافحين من أبناء المغرب العربي".

"وبعد صراع متوال عسكري وسياسي تحررت الأقطار الأربعة في شمال أفريقيا، وتحرر المغرب الأقصى بفضل كفاح الملك محمد الخامس والشعب وبفضل الدور الذي قام به حزب الاستقلال".

"ومن الحق أن نقول إن حزبنا قام في مساندة محمد الخامس بنفس الروح التي ساندت بها الجزولية الشاذلية عبد المالك السعدي ومولاي رشيد ومولاي إسماعيل العلويين".

8. برنامج متكامل لإحياء المنطقة موجه إلى وزراء الحزب: "هو في إحياء هذه الناحية من وطننا، وذلك بالاستفادة من مياه وادي المخازن لإنعاش الأراضي الزراعية لناحية العرائش؛ لأن هذه الناحية تعاني بطالة كبرى، زيادة على ما تلاقيه من التموين الكهربائي الذي يعتبر غير كاف. إننا نضع هذا المشروع أمام صديقي المخلصين: السيد عبد الرحيم بوعبيد، وزير الاقتصاد الوطني، والسيد الحاج عمر بن عبد الجليل، وزير الفلاحة، ليقوما بإعطائه ما يستحقه من العناية والدرس، ثم يرفعانه لمولانا جلالة الملك"

الخطاب الثاني وعنوانه: المغرب لم يكن إلا بالصحراء (1958)

يبدأ الخطاب وينطلق من قناعة كبيرة وهي الصفة الصحراوية لبلادنا.

9. الصفة الصحراوية للمغرب: "أما الحقيقة التي أحب أن أؤكد القول فيها بالخصوص فهي الصفة الصحراوية لبلادنا، سواء من الوجهة الطبيعية أو الجدلية أو التاريخية".. ويكبر لديه الأمل حيث يقول: "وإنني لسعيد أن أرى الدعوة إلى تحرير الصحراء قد وجدت صداها في أبناء قومنا، سواء في الصحراء أو في داخلية الوطن".

"إن المغرب لم يكن يوما إلا وهو مرتبط بالصحراء، أو الصحراء مرتبطة به، سواء من الوجهة الجغرافية أو الإنسانية أو السياسية. هذه هي الحقيقة التاريخية والجدلية معا".

"أليس في ذلك ما يؤكد صفة المغرب الصحراوية، وما يعطي لدعوتنا الصحراوية قيمتها التاريخية والروحية، إلى جانب قيمتها الوطنية والاقتصادية".

10. الوحدة هي الحل: "إن الأمة المغربية أحوج ما تكون اليوم إلى وحدة في التفكير وفي الاتجاه، وإنَّ تبَنِّي خلايا غريبة لا مبرر لها في وطننا لا من الوجهة التاريخية ولا الجدلية لهو أعظم مظاهر التضليل التي يمكن أن يقوم بها أحد. وإن اتخاذ الجزئيات سبيلا للتفرقة لدليل على سوء النية، والعمل لصالح الاستعمار".

11. كل المحاولات قبل الحرب (رسالة عظيمة من الملك عبد المالك إلى سيباستيان): "إن ما تعزم عليه من محاربتي في عقر داري ظلم وتعدّ غير معقول، وأنا لا أضمر لك شرا، ولم أقم بشيء ضدك، فكيف تبيح لنفسك أن تزيل لي ما هو حقي وتعطيه لشخص آخر مقابل وعود خلابة، لا يستطيع أن يفي لك بها ما دمت حيا. إنك تأتي لتطردني من مملكتي، وإنك بما تملك، وبما يوجد في عالمك، لن تقدر على ذلك، ولا تظن أن الجبن هو ما يملي علي ما أقول لك؛ فإن فعلت فإنك تعرض نفسك للهلاك، وإنني مستعد للتفاهم معك رأسا لرأس في المحل الذي تريده..وإني افعل كل هذا سعيا في عدم هلاكك المحقق عندي، ولا تملي علي هذه العواطف إلا محبتي للعدل..وأزيد أنني أقبل أن أتحاكم معك لدى محكمتك التي لا تزيل شيئا ظلما وعدوانا لتعطيه لغيره. وأنا أقبل حكمها مسبقا، وإنني أشهد الله على ما أقول، وأعلم أنك شاب لا تجربة لك، وأن لك في حاشيتك نبلاء يشيرون عليك بآراء فاشلة".

الخطاب الأخير لعلال الفاسي (1973): معركة أنقذت العالم الإسلامي.

12. تشبيه هذه المعركة بغزوة بدر (إبن القاضي): "شبه ابن القاضي هذه الحادثة بغزوة بدر لما أيد الله به المؤمنين من النصر وما حمي به الإسلام كله بحماية المغرب من الاحتلال البرتغالي الذي كان يريد اتخاذ إفريقيا الشمالية طريقا إلى الشرق العربي وإلى احتلال البلاد المقدسة كما أسلفنا".

13. دعوة إلى إنقاذ الأجزاء المغتصبة من أراضينا: "فهل لي أن أدعو المواطنين إلى الالتفاف حول كلمة سواء، لإنقاذ أجزاء مغتصبة من أراضينا بالحسنى، وبنفس الروح التي تشتمل عليها رسالة عبد المالك إلى سيباستيان، أي في إطار السلام وحسن الجوار، أو بالدخول في معارك لا محيد عنها للقيام بواجبنا.

إذا لم تكن إلا الأسِنَّة مركــبـا فلا يسع المضطر إلا ركوبها

إن انسجام الملك والشعب في هذا الموضوع وغيره من الموضوعات أمر ضروري، وإن الذين يتحالفون مع المحتلين ضدنا ليسوا منا ولا من إخواننا".

14. انتقاد موجه إلى العرب والمسلمين: "إن تهافت المسلمين والعرب اليوم على التلاعب بحقوق بعضهم والتخلي عن وحدة العروبة وجامعة الإسلام، وعن وحدة المغرب العربي في سبيل مصالح محلية وإقليمية مُضر بنا جميعا."

15. إنقاذ الأراضي المسلمة: "إننا نوجه النداء الصارخ للمسلمين عامة كي يتحدوا لإنقاذ الأراضي المسلمة من فلسطين وكشمير حتى الساقية الحمراء ووادي الذهب. إنها معركة واحدة، وإن مصيرنا أيها العرب وأيها المسلمون واحد".

16. اليقظة دائما: "فلنكن يقظين، ولنعلم أن واجبنا كوطنيين استقلاليين وكعرب مسلمين، أن نكون في صف الذين يجاهدون في سبيل الله والمستضعفين، وأن نعلم أن النصر مع الصبر، واليُسر مع العسر، والعاقبة للمتقين، والله ولي الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون".

كيف جاءت فكرة الاحتفال بذكرى معركة وادي المخازن؟

بعد عودة علال الفاسي من مصر في صيف 1956 - أي بضعة شهور بعد الاستقلال - قام بزيارة عدد من المناطق في المغرب بغاية التعبئة والتهييء للاستمرار في الكفاح من أجل استرجاع الصحراء المغربية ومن أجل إرساء الديمقراطية. وأثناء زيارته للعرائش والقصر الكبير في بداية سنة 1957، قدم اقتراحا لفروع الحزب بالمنطقة من أجل إحياء ذكرى ملحمة وادي المخازن، نظرا لأهمية العبر التي يمكن استخراجها منها والتي ستفيد في العمل المستقبلي.

في 4 غشت من نفس السنة قرر فرع القصر الكبير تنظيم مهرجان خطابي بمناسبة ذكرى هذه الملحمة العظيمة قرب مكان الموقعة يترأسه الزعيم علال الفاسي؛ فكان مهرجانا وأي مهرجان.

اسمحوا لي إن أقحمت نفسي في هذا الموضوع لأتكلم عما شهدته خلال هذا المهرجان الذي حضرته، ولم أكن أتجاوز السنة الثامنة من عمري؛ فكل ما تذكرته في هذه المناسبة الأولى وتأثرت به كثيرا هو ذلك الافتخار باكتشافي لـ"علال الشعب".

لم أكن أفهم كثيرا مما يقال لكنني كنت أحس بأهمية وعمق الموضوع انطلاقا من حماس وتجاوب الحشود الغفيرة من المواطنين الذين حضروا اللقاء. ذلك التواصل الغريب الذي يجعلك تدرك وتستوعب كل الرسائل التي يريد أن يبلغها الزعيم دون أن تسمع كل شيء. مثل ذلك كمثل الأفلام الصامتة حيث تفهم كل شيء دون سماع أي كلمة. وعندما تقرأ - بعد سنوات - الخطاب الذي ألقاه في هذه المناسبة، تجد أنه عبارة عن محاضرة بكل ما في الكلمة من معنى، محاضرة قُدمت أمام الآلاف من المواطنين الذين يستطيعون استيعاب الأهم دون تتبع الكل. كان علال يتوجه في نفس الوقت للحاضرين وكذلك للذين سيقرؤون نص الخطاب. وكانت الثقة هي العنصر الأساسي لتقبل وفهم كل شيء، لأن ما يقوله الزعيم لا يمكن أن يكون إلا لصالح الوطن.

لا يمكن أن نتصور اليوم مثل هذه المهرجانات.. أمواج من المواطنين بالآلاف واقفون لساعات تحت شمس حارقة، لا يتحركون إلا لرفع وترديد الشعارات.. رجال ونساء من كل الأعمار وأطفال حضروا لسماع صوت وكلام الزعيم الذي حينما يظهر على المنصة يرتفع الحماس إلى أقصى درجة، والهتافات العفوية لا تريد أن تنتهي، وعلال يحيي أحباءه بتحريك طربوشه الوطني. وهو التعبير الذي لم يتوقف إلا عند قراءة القرآن الكريم.

بعد ذلك، وبعد التقديم يأتي دور الزعيم.. وبمجرد ما يبدأ كلمته بـ"باسم الله خير الأسماء في الأرض وفي السماء" حتى تنطلق الهتافات من جديد وتُسمع بصفة منسجمة رغم الآلاف من المعبرين الهاتفين: "زعيمنا السياسي هو علال الفاسي"، وكذلك "يحيى بن يوسف"، وكثير من الشعارات التي تمجد المغرب وحزب الاستقلال ويستمر الخطاب لمدة طويلة، ربما أكثر من ساعة، ولا أحد يتزحزح من مكانه أو ينسحب. وتنتهي الكلمة ولا ينتهي الحماس. والكل يريد أن يصل إلى علال الفاسي للسلام عليه أو تقبيل يديه كما كانت العادة والقاعدة مع العلماء. وترى علال مبتهجا ولا يظهر عليه أي أثر للتعب لأنه لم يكن يحس أنه أكثر سعادة إلا مع ووسط الشعب المغربي. نعم، إنه علال الشعب.

"رحم الله علال الفاسي، فقد تملكته الحرية بكل أبعادها التاريخية والحاضرة والمستقبلية، وتملكه النضال في سبيلها، وقد ناضل كل حياته من أجلها، وترك للأجيال من بعده تراثا نضاليا مجيدا سيسعده في قبره أن يسيروا على منواله، وأن يحققوا لبلادهم كل ما كان يطمح إليه من آمال". (عبد الكريم غلاب).