عندما ردد فاسيون "اللطيف" وتضرعوا لله لشفاء "المشير ليوطي"

عندما ردد فاسيون "اللطيف" وتضرعوا لله لشفاء "المشير ليوطي"

في الـ27 من يوليوز الجاري، تكون قد مرت 86 سنة على رحيل الماريشال ليوطي بفرنسا سنة 1934 عن عمر ناهز 80 سنة، وكانت وصيته أن يدفن في الرباط، عاصمة المغرب الذي دخله منذ 1908، وتقلد فيه مسؤولية أول مقيم عام للسلطات الفرنسية فيه بين أبريل 1912 وأكتوبر 1925، وهو الذي وضع الكثير من خطط تسيير وهندسة حقبة ما سمي بـ"الحماية الفرنسية"، والكثير من القوانين والترتيبات التي استمر العمل بها لعقود طويلة بعد رحيله عن المسؤولية، وما تزال لمسته حاضرة في الكثير من الطقوس والعادات المخزنية.

لم يكن أمام القيادات الفرنسية بعد وفاته سوى أن تحقق له وصيته الأخيرة، بتجهيز قبر بقبة مغطاة بالقرميد الأخضر مثل "ضريح ولي صالح". وهو الذي ولد يوم 17 نونبر 1954 بنانسي وقدم خدمات جليلة لبلده، سواء عندما كان في الجزائر أو بالمغرب.

جثمان لم يهنأ بالمغرب

تم نقل جثمانه عبر البحر نحو ميناء الدار البيضاء يوم 29 أكتوبر 1935، ثم نحو الرباط حيث تمت إعادة دفنه في قبة فخمة بالقرميد والأشجار ولوحة على القبر مكتوب عليها اسمه بالعربية والفرنسية.

وقتها أبرق الرئيس الفرنسي إلى زوجة الراحل، الممرضة التي عملت مديرة مستشفى في فرنسا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، أن "الماريشال يغادر مقاطعة اللورين ليرقد رقدته الأخيرة بالمغرب، هذه البلاد التي بذل في سبيلها النفس والنفيس، لكن فرنسا ستحتفظ بذكرى من كان في حياته أعظم جندي وطني متبصر، غرس نواة الحضارة والتمدن في العالم".

لكن تنبؤ الرئيس ألبير فرانسوا لوبران، آخر رئيس للجمهورية الفرنسية الثالثة، وهو يجامل زوجة الماريشال ويواسيها في ذلك الخطب الجلل، لم يكن دقيقا؛ فرقدة ليوطي بالمغرب لم تكن الأخيرة كما كتب في تلك البرقية التي نشرتها جريدة "السعادة" في ذلك الوقت عندما تم استقدام جثمانه ليدفن بالعاصمة المغربية في موكب مهيب واستعدادات قل نظيرها.

فما أن نال المغرب استقلاله بخمس سنوات حتى تم استجماع رفات الماريشال ليوطي من جديد ليعود إلى فرنسا ويدفن بجوار أسلافه سنة 1961، مباشرة بعد وفاة السلطان محمد الخامس؛ فالرباط كانت أولى أن يدفن فيها عاهل البلاد وأحد رموزها الكبيرة، ولم تكن لتتحمل أن يدفن في أراضيها شخصان لهما رمزية متعارضة، وكأن ذلك سوف يربك الزائرين ولسانهم يلهج بالدعوات بالمغفرة وطيب الثرى، أتكون الدعوات لرمز التحرير أم لرمز الاستعمار؟

إينيس ليوطي

حتى زوجته، مؤسّسة الصليب الأحمر بالمغرب، الممرضة إينيس ماري دو بورغوانغ، المعروفة باسم "إينيس ليوطي"، التي تزوجت المشير في 1909 بعد أن مات زوجها الأول جوزيف فورتول، لم تهنأ طويلا في قبرها بالرباط بعد أن توفيت في الدار البيضاء يوم 9 فبراير 1953. فلم تقض في قبرها في تلك القبة المجهزة سوى ثماني سنوات، قرب زوجها الماريشال ليوطي، ليحكم عليها بالإفراغ نحو مقبرة فرنسية أخرى.

ولدت إينيس دو بورغوانغ في 5 يناير 1862 في باريس وتزوجت بضابط المدفعية جوزيف فورتول الذي توفي سنة 1900، وكان لها معه ثلاثة أولاد. اشتغلت إينيس ممرضة في جمعية إغاثة الجنود الجرحى، وقد تنقلت بين فرنسا والدار البيضاء لتأسيس مستشفى ميداني لتطبيب الجنود الفرنسيين الذين يصابون في تلك المواجهات التي تحدث بين العسكر الفرنسي والمقاومين المغاربة والجزائريين، حيث اشتغلت كذلك في وهران في المهمة نفسها، وهناك التقت هوبير ليوطي أول مرة في 1907.

وقد اقترنت به في 14 أكتوبر 1909، وعاشا بين الجزائر وفرنسا إلى أن تم تعيين المارشال مقيما عاما في 30 مارس 1912. حيث انتقلت رفقته للعيش في المغرب، هذا البلد الذي لم تغادره حتى بعد وفاة زوجها؛ إذ دفنت بجواره، ثم عندما تم نقل رفات ليوطي تم نقل رفاتها أيضا.

ليوطي والحماية

كتب جورج سپيلمان متحدثا عن ليوطي سنوات بعد رحيله، قائلا: "هذا الرجل العظيم يهدف إلى استرجاع وحدة الامبراطورية الشريفة وتمكين الدولة العلوية من زمام الأمور، بعد أن كانت مهددة من طرف حركات تمرد من قبل البربر، ويطمح ليوطي إلى تهدئة البلاد وتوحيدها وعصرنتها محترما في الوقت ذاته روحها وشخصيتها وعقائدها".

وأضاف في كتابه "Du Protectorat à l'indépendance: Maroc, 1912-1955"، الصادر عن "پلون" سنة 1967، أن ليوطي "أراد أن يضمن ازدهار المغرب عبر تحسين جودة خيراته الطبيعية وعبر وضع حد لتطاحن العائلات الكبرى، وأن يقضي على الأوبئة المتعاقبة والدورية".

يدافع سپيلمان عن ليوطي بنفس طويل، حيث أكد أن الماريشال "عندما اشتغل في الجزائر وضع الأصبع على هفوات الاستعمار ونواقصه، واعتبر تجربة الجزائر تجربة لا يجب النسج على منوالها"، مضيفا أنه يرى "من الواجب تحويل تهميش الأهالي إلى شراكة حقيقية عن طريق الاحتفاظ بالحكومات في مكانها والاستعانة بالنخبة، وخدمة الناس وليس استخدامهم".

وكتب ليوطي في نونبر 1920 عن نهجه، قائلا: "أريد أن يلعب جهاز الإدارة الشريفة باستمرار دورا منشطا وألا يكتفي بدور الرقاص أو جهاز نقل ووساطة، أريده أن يسهر على تربية السلطان والوزراء وكل موظفي المخزن، وأن يجعلهم على اتصال دائم بالمصالح الفرنسية عبر اجتماعات ومناقشات مشتركة، وإحداث علاقات دورية بين دار المخزن ومكاتب الإقامة العامة".

إشادة مولوية بالماريشال

ونقل سبيلمان في كتابه سالف الذكر إشادة مولوية بما أنجزه ليوطي في المغرب خلال فترة إقامته العامة؛ إذ أورد أن السلطان محمد بن يوسف أشاد خلال حضوره المعرض الكولونيالي بمدينة Vincennes سنة 1931، بخصال ليوطي وسلوكه خلال الفترة التي اشتغل فيها مقيما عاما بالمغرب.

وأورد قول السلطان: "لقد جئنا لحضور المعرض الكولونيالي لنرى تلك الإنجازات الرائعة والشاهدة على عبقريتكم، لذلك نقدم بهذه المناسبة السارة تحياتنا للفرنسي الكبير الذي عرف كيف يحافظ للمغرب على تقاليد وعادات أسلافه، إضافة إلى إدخال التنظيم العصري الذي لا مفر منه لكل بلد يريد تطوير مسيرته".

وأضاف السلطان وهو يقارن البلاد قبل الحماية وبعدها: "لقد كانت كل مؤسساتها وفنونها وإداراتها المضطربة في أمس الحاجة إلى منظم ومجدد من حجمكم لكي يضعها على الطريق الصحيح نحو مستقبلها، وبأخذكم بعين الاعتبار حساسية السكان، وباحترامكم لمعتقداتهم ولتقاليدهم جذبتموهم لفرنسا، البلد الحامي، وهذا يرجع أيضا إلى رحابة صدركم ونبل روحكم العالية".

محمد بن يوسف الذي كان يتحدث بعد 19 سنة من توقيع معاهدة الحماية وبعد رحيل ليوطي عن الإقامة العامة بالمغرب بست سنوات، قال: "في أقل من خمس عشرة سنة شيدتم مدنا جديدة دون أن تفقد مدننا العتيقة طابعها الخاص، كما قمتم بشق طرق عبر مختلف أنحاء مملكتنا لتسهيل المبادلات، وفتحتم موانئ تثير إعجاب الجميع أدت إلى تنمية التجارة المغربية، وأنشأتم مدارس من ذوق فني رفيع قدمت لرعايانا العلوم اللازمة لفهم الحياة العصرية وولوج بوابة التقدم، وفي كل الأنحاء شيدتم المستوصفات والمستشفيات، حيث أعطت فرنسا الرؤوفة الإسعافات الطبية للمرضى، ناهيك عن الوسائل المسخرة للوقاية ومحاربة الأمراض".

حبيب المسلمين

سنة 1922 مرض ليوطي وانتشر خبر مرضه وخرج الفقهاء والأعيان ومريدو الزوايا في فاس مرددين اللطيف والدعاء له بالشفاء، واصفين إياه بـ"حبيب المسلمين" و"مشير الإسلام والمسلمين"، رافعين الأكف أن يزول عنه مرض الكبد الذي أصابه واستلزم منه استدعاء طبيب فرنسي جراح ليجري له عملية جراحية، لكن الشرفاء والفقهاء والأعيان طالبوه بأن يزور ضريح مولاي ادريس ليشفى من المرض، وألحوا على "حبيب المسلمين" أيما إلحاح ليضع على الأقل قدمه في مدخل الضريح، بحسب ما أورده علي الطرابلسي في كتابه "سمط اللئالي في سياسة المشير ليوطي نحو الأهالي".

وجاء في الكتاب أن هوبير ليوطي بعد شفائه قرر أن يحقق للفاسيين هذا الطلب، فقام بزيارة إلى الضريح في مارس 1924، وخاطب جموع الناس الذين فرحوا بشفائه، ومن بين ما قاله: "إنني لم ولن أنس عندما طرأ المرض على جسمي تلك الدعوات والابتهالات المتوالية التي كنتم تقومون بها أنتم وغيركم من رجال الدين في وسط هذا الحرم الأنور المشهور باستجابة الدعوات فيه وقضاء رغائب قاصديه".

وقال أيضا: "بمجرد ما وطئت قدمي تراب هذا البلد الأمين، رأيت من أهم الواجبات تقديم زيارة هذا المقام الديني الذي أقدسه وغيره من المعاهد والمعابد الدينية تقديسا لا يقل عن تقديس أربابها لها، وذلك لأعرب لكم عن امتناني من أدعيتكم التي كنتم تزودوني بها أثناء مرضي حتى استجاب الله لكم، ومنّ عليّ بنعمة العافية التي لا توازيها نعمة".