من أسرار مغرب زمان .. كواليس عقد الحماية ولغز وفاة السلطان

من أسرار مغرب زمان .. كواليس عقد الحماية ولغز وفاة السلطان

فضلاً عن بيعة مشروطة استهدف بها مغاربة قبيل الحماية تحرير ما تم احتلاله من مناطق ووقف ما كانت عليه البلاد من أطماع استعمارية، طبعت فترة ظهور وتولية مولاي عبد الحفيظ سلطاناً جملة صراعات مع وضع عام داخلي غير مستقر، علما أن ما عرف بسلطان الجهاد ورث مغرباً مثقلاً بأزمة عامة أفقدته هيبته وأنزلته أسفل سافلين، ناهيك عما كان من دسائس أجنبية وبؤر فوضى هنا وهناك مع ثقافة تهويل وبث شائعات.

وكثيرون هم ممن لا يعرفون بما هو كافٍ- بتعبير عبد الهادي التازي- ما واكب عقد الحماية من ظروف منذ الأيام الأولى لبسط الحكم الفرنسي على البلاد، فضلاً عن كيف تم نسف هذا العقد الذي لم يكن طبيعياً. مع طبيعة خلاف بين "رونيو" الوزير الفرنسي والجنرال "موانيي"، لمَّا قال الأول بأن للحماية حدودا لا ينبغي تجاوزها عكس الثاني الذي كان يرى أن القوة والفتك هما الدواء.

والحقيقة أن عقد الحماية الذي تم في ظروف غامضة لا يزال بأكثر من سؤال، فهل كان مولاي عبد الحفيظ مالكا لجوارحه وهو يمضي عليه بل هل أمضاه فعلاً؟، وهل كان تحت تأثير ضغط أو اعتقال أو مساومة؟. علماً أنه لا أحد حضر الإمضاء، وليست هناك وثيقة مكتوبة أو خبر أو تعليق في كل ما كتب حول تاريخ مغرب هذه اللحظة الدقيقة. وحتى الوزير الفرنسي "رونيو" لمَّا تم ما تم مع مولاي عبد الحفيظ وعاد الى مقر إقامته بفاس، قال: "صِي فِي" أي "لقد حدث"... هكذا بأسلوب أمني واضح، علماً أن مولاي عبد الحفيظ قبل خروجه في اتجاه موكب حمله لمنفاه، أقدم على كسر شارات ملك وعرش كما كسر مظلته وهو يشتم ويلعن. إضافة لتسليمه وثيقة تنازل للمقري صدره الأعظم، طالباً منه الاحتفاظ بها إلى حين مغادرته البلاد. وكان قد استقر بطنجة لبعض الوقت قبل انتقاله إلى إسبانيا، حيث كان ينظم تجمعات مع وطنيين مغاربة؛ وهو ما أغضب الفرنسيين الذين صادروا أمواله وأملاكه بقرار عن المقيم العام ليوطي في أبريل 1922، منها حوالي ثلاثة آلاف هكتار من الأراضي الخصبة كان يمتلكها برأس الماء ضواحي فاس.

وحول هذه اللحظة الرهيبة، ورد أنه بعد تناول غذاء إثر توقيع عقد الحماية قصد الجميع منتزهاً ملكياً من أجل حفل شاي، وكان مولاي عبد الحفيظ يتناول سجائر في وضع تبدو عليه آثار حزن، وأنه كان ينطق من حين إلى آخر بكلمات حاملة لمعانٍ مع تظاهر بجو عائلي؛ بل ورد أنه لعب دوراً في الشطرنج مع "رونيو"، الفرنسي الذي أراد أن يبرهن عن عبقرية أيضاً، معتقداً أنه من المشرف للدبلوماسية الفرنسية أن يكون هو الفائز، بحيث كان يلاحظ ويمعن متى حاول مولاي عبد الحفيظ أن يخاتل في لعبه وأن يكون لجنوده الكلمة، بل ورد أن هذا الأخير توجه نحو بن غبريط بابتسامة ساخرة معلقاً على سير اللعبة قائلاً: "ليس لدي ولو الحق في أن آمر الجنود أن يذهبوا حيث أشاء أنا وأن أنظم دفاعي". وأنه أضاف لقوله: "لقد أصبحت لا أمثل شيئاً وأن الفرنسيين هم الذين يحكمون الآن".

وحول الحماية وعقدها وملابساتها، ورد أن الفقيه محمدا بن الحسن الحجوي كتب من مدينة فاس للوزير محمد الجباص الذي كان يتولى شؤون دار النيابة بطنجة آنذاك في شأن أيام فاس الدامية التي أعقبت الحدث، علما أن الحجوي كان عضواً في حكومة مولاي عبد الحفيظ وأن الرسالة التي كانت ربما بيوم واحد بعد انتهاء ما وقع بفاس من أحداث أشارت إلى أن الفرنسيين حمّلوا كل المسؤولية للسلطان فيما حدث بعد توقيعه العقد.

يذكر أنه، بعد حوالي أسبوعين عن إمضاء عقد الحماية وفي رد فعل على وضع غير واضح، ثار طابوران من جيش المخزن على من كان يؤطرهم ويدربهم من ضباط فرنسيين؛ بل منهم من ذهب إلى قصر السلطان لمعرفة ما يجري دون جدوى لشدة ما كان من غموض وارتباك، فرجعوا إلى ثكناتهم وهم وضع نفسي مضطرب، فقتلوا من قتلوا من ضباط فرنسيين بالمدينة القديمة. ردود حظيت بتأييد أهل فاس من حرفيين وتجار وغيرهم، معتقدين أن مولاي عبد الحفيظ هو سلطان جهاد وأنه سيظل متعهداً بوصيته، قبل أن يتبين لهم أنه مجرد اسم فاقد لسلطة سيادة وأن البلاد باتت تحت رحمة الفرنسيين.

وأمام ما حصل من أحداث دامية، أمر ليوطي بعزل مولاي عبد الحفيظ لصالح شقيقه مولاي يوسف، والذي اشترط نقل عاصمة البلاد من فاس نظراً لرفض أهلها عقد الحماية إلى الرباط، وكان من جملة ما تأسس عليه عزل سلطان بهذه السرعة ما كان على عاتقه من بيعة مشروطة.

ومن الإشارات التي توحي بالسؤال بعدما ما تبين من تصرفات السلطان واستقباله لبعض عساكره خلال هذه الأزمة، وهو ما أثار غضب الفرنسيين، هل في النص العربي المغيب لمعاهدة الحماية ما يعني أن الجيش المخزني المجدد تم فيه الاحتفاظ بشخصية ما متميزة له تحت نظر السلطان؟ وحول ما ورد أن السلطان ندم عن توقيعه لعقد الحماية هل ندم أم اكتشف أن الوثيقة التي دخلت حيز التطبيق ليست تلك التي وقع الاتفاق عليها مع الفرنسيين؟ وما طبيعة التعديلات التي أدخلت على وثيقة الحماية بالعربية مكراً وخديعة؟.

وللإشارة، فقد ظل نص الحماية عند السلطان لمدة خمسة أشهر من أجل النظر والرأي والدراسة، وكان قد تولى ترجمته قدور بن غبريط مترجم السفارة الفرنسية بطنجة، علما أن علاقة السلطان بالوزير الفرنسي "رونيو" حول محتواه لم تكن على ما يرام. بحيث من تحفظات السلطان ما كان يقبل بها، ومنها من كان يحيلها على الحكومة الفرنسية. ولشدة ما كان عليه مولاي عبد الحفيظ من ضغط نفسي خلال هذه المدة، كان يعبر أحياناً عن رغبة في التنازل عن العرش. وكان "رونيو" قد قدِم ثانية إلى فاس نهاية مارس 1912 ومعه نص الحماية المعدل، وباسم السلطان ورد أن المقري رحب معبراً عن استعداده لقبول الاقتراحات. هكذا حُرر النص العربي لمعاهدة الحماية على أنه الأصل، وهو ما غيب بمجرد توقيعه في 30 مارس من نفس السنة بحيث تم الاكتفاء بترجمة الذي لا يحمل تعديلات. ومن هنا بداية ما حصل من صراع بين ليوطي بعد تعيينه مقيما عاما بالمغرب، وبين السلطان إلى حين تنازله عن عرش البلاد في غشت 1912.

وبعد كل ما حصل وفي أول لقاء للمقيم العام ليوطي مع الجالية الفرنسية بالرباط خلال نفس الشهر، قال: "كنت رجعت من فاس في فاتح غشت لأفرض على عبد الحفيظ التنازل عن العرش لصالح أخيه يوسف.. لا شك أنكم تدركون.. الظروف الحرجة لتهيئ الحدث الكبير الذي تم إنجازه (خلع عبد الحفيظ)". وربما النص العربي الذي حرصت فرنسا على عدم نشره والسماح بالاطلاع عليه يشمل ما هو أخطر، كما بالنسبة إلى مدة الحماية المحددة ربما في خمس وعشرين سنة. وكان هَمُّ مولاي عبد الحفيظ الأساسي بعد تنازله هو إشعال فتيل مقاومة الفرنسيين، وهو ما حصل بالأطلس المتوسط بزعامة صهره موحا وحمو الزياني ثم بالشمال عبر أحمد الريسوني ومحمد بن عبد الكريم الخطابي، وقيل إنه في خضم أزمته قال لن يكون سلطان محمية.

وحول ملابسات إبرام معاهدة حماية لا تزال بغموض شديد، بحيث تجمع المصادر التاريخية المغربية خاصة أن أقل ما يمكن قوله عنها إنها تمت في ظروف غير طبيعية، فضلاً عما ووخد به السلطان عبد الحفيظ إما حقا أو باطلاً بعد تنازله عن العرش؛ وهو ما ظل يلاحقه دوماً وما تسبب له أيضاً في متاعب آخر حياته. وورد من خلال رسالة له بعث بها إلى أحد أصدقائه بطنجة في نونبر 1919، أنه تحدث عن كيفية مغادرته لهذه المدينة بداية الحرب العالمية الأولى، وما عومل به من قساوة قائلاً: "والإهانات التي تجرعت غصصها، ولم أزل منذ انتقالي من ذلك الثغر أتجرع ألم الهجرة وأنتظر انتهاء الأزمة بانتهاء الحرب".

وكانت صحف ألمانية قد روجت عام ألف وتسعمائة وسبعة وثلاثين أن سلطان المغرب، المقيم بباريس إقامة إجبارية، كان يعتزم المطالبة بعودته إلى عرشه في ثلاثين مارس من نفس السنة تاريخ انتهاء معاهدة الحماية. خبر كان بصدى كبير في فرنسا وأوروبا عامة، قبل أن يفاجأ الجميع بوفاته في رابع أبريل من السنة نفسها، حيث قام قدور بن غبريط بجمع كل وثائقه بإذن من السلطات الفرنسية حتى لا يتسرب منها أي شيء. ورغم ما حصل من مفاوضات سياسية مغربية فرنسية بإيكس ليبان في عهد الاستقلال، ظلت وثيقة عقد الحماية بسرية تامة وكتمان.

وقد أقيمت صلاة جنازة على سلطان الجهاد في مسجد باريس ظهر اليوم الموالي من الوفاة، بعد ما نُقل جثمانه تحت إشراف فقيه مفت بحضور قدور بن غبريط. هذا قبل وضعه أمام باب المسجد، حيث قدمت له التحية عبر وحدة عسكرية، وقبل نقله إلى محطة القطار بباريس والتوجه به إلى مرسيليا ومن ثمة إلى المغرب عبر طنجة، التي وصلها يوم 12 أبريل ومنها تم نقله إلى الدار البيضاء ثم الى فاس حيث دفن بمقبرة مولاي عبد الله.

وحول أزمته ومن خلالها أزمة مغرب ما قبل الحماية، وضع مولاي عبد الحفيظ تقييداً في السياسة أسماه بـ"داء العطب في المغرب قديم". وثيقة بقدر ما هي تجربة كتابة سلطانية بأهمية تاريخية كبيرة تجاه فترة دقيقة من جهة، بقدر ما هي بأبعاد كثيرة ومن داخل جهاز المخزن من جهة ثانية. ولا شك في أن هذا التقييد، الذي جاء بعد عقد الحماية، هو وقفة تأمل عميقة وصريحة تجاه ما حدث، ما يتبين عندما قال: "ثم أني لم أخرج من فاس بعد عزمي الأكيد على التنازل، حتى صار أحد قضاتها يجعل يد القنصل على قلبه ويخاطبه بقوله: أحبك أن تجعلني مثل قميصك وأنا أحبك فأحبك أن تحبني لمحبتي لك، والأمر فمن لا يستغني بالله لا أغناه الله أبداً".

يبقى سؤال الباحثين حول من كان مسؤولاً عما حدث مطلع القرن الماضي إلى غاية أزمة معاهدة حماية عقدت في ظروف غامضة، ويبقى سؤال المؤرخين أيضاً عن حياة منفى وعن لغز وفاة سلطان جهاد قال يوماً داء المغرب عطبه قديم.

*مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث