هكذا حاصرت إجراءات وتدابير سلاطين المغرب الأوبئة عبر التاريخ‎

هكذا حاصرت إجراءات وتدابير سلاطين المغرب الأوبئة عبر التاريخ‎

قال عبد الله ستيتو، أستاذ التاريخ والحضارة بجامعة ابن زهر، إن المغرب عبر تاريخه الطويل اتخذ مجموعة من التدابير لمواجهة أنوع عديدة من الأوبئة، مثل الموت الأسود، التيفوس الطفحي (Typhus)، الزكام والسعال الديكي، المعروف عند المغاربة بـ"كحيكحة"، والزهري، والحمى الخبيثة، والإسهال، والطاعون، والكوليرا، وغيرها من الأوبئة التي كانت تفتك بعدد غير هين من المغاربة.

اتقاء الوباء

تنوعت الإجراءَات التي اتخذها السلاطين المغاربة، كما يورد الأستاذ الجامعي بأكادير أنها همت جانب "اتقاء الوباء وتجنبه قبل حلوله"، ومن ذلك "مراقبة المعابر الحدودية البرية والبحرية، ومنع الدخول إلى المغرب ومخالطة سكانه في القرى والمدن"؛ كما شملت "إيقاف حركية رعايا السلطان في اتجاه الخارج، كيفما كانت طبيعتهم، تجارا، علماء، فقهاء، متصوفة رحالة متجولين ومستكشفين".

ومن تدابير الاتقاء أيضا "إيقاف الرحلات الحجية عندما يتزامن الوباء مع موسم الحج في بلدان شمال إفريقيا والمشرق العربي؛ إذ تمنع وفود حجيج المغرب من التوجه نحو المشرق لأداء فريضة الحج خوفا من التسبب في نقل العدوى إلى البلد عند عودتهم من الأماكن الموبوءة".

وقد سعت سلطات ذلك الوقت أيضا إلى "إيقاف العمليات الجهادية والحرْكات المخزنية: إذا ثبت أن جيوش العدو موبوءة، أو أن المجالات القبلية المقصودة بالحرْكة فيها جائحة معدية، فإن السلطان يوقف حرْكاته، سواء أكانت جهادية أو تأديبية تجاه تلك المناطق، لاسيما أن تلك الحرْكات كانت تتم أحيانا بقيادة السلطان شخصيا".

مواجهة الوباء

رغم كل التدابير التي تدخل في إطار اتقاء الوباء فإن السلاطين المغاربة يتجهون إلى تدابير أخرى لمواجهة هذه الأوبئة، ومنها حسب عبد الله ستيتو "أسلوب المواجهة الذي يطلق عليه الحجر الصحي، الفردي أو الجماعي، الذي يكون القصد منه تحقيق التباعد الاجتماعي ما أمكن من خلال عزل الناس بعضهم عن بعض، ومنعهم من التلاقي والتجمع، وخاصة في الأماكن العمومية؛ كالمواسم، والأسواق، والأضرحة، والمساجد، والمآتم والأعراس، وغير ذلك"، لافتا إلى أن "أسلوب المواجهة هذا هو الذي يطبقه اليوم المغرب لمواجهة كوفيد 19، ولم يطبق أسلوب اتقاء الوباء وتجنبه".

كمثال على هذه الإجراءَات بالمغرب عبر التاريخ، أورد الباحث بجامعة ابن زهر: "فرض الحجر الصحي على المشروف والشريف، وعلى القوي والضعيف، ومعاقبة كل من خالف ذلك، ما يتضح من خلال رسالة السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي إلى ابنه أبي فارس، خليفته على مراكش، الوزير أحمد بن محمد الصغير، الذي أراد الخروج من تارودانت قاصدا مراكش في ظرفية وبائية خطيرة. والرسالة مؤرخة في ربيع الأول 1011هـ/1602م"، مردفا بأن هذه الرسالة جاء فيها: "وقد طالعنا كتاب ولدِ خالكم أحمدٍ بنِ محمد الصغير، وصح عندنا من بحر كلامه ما ذكرتم عنه، من أنه كثَّر خَبرَ الوباء ليجِدَ ذريعة للخروج من سوس، والذي تأمرونه به أنكم تحذرونه من القدوم عليكم لمراكش، وأن ذلك لا يرضينا منه، وكيف يروم الخروج من موضوع عيناه له من غير أمرنا، لاسيما مع غيبتنا عن البلد، وأنه إن فعل ذلك لا محالة تسقط منزلته عندنا، ثم لا يعود إليها أبدا".

شروط ضرورية

وأضاف الجامعي المغربي أن "هذه القرارات السياسية والأمنية والإجراءَات الإدارية والتنظيمية التي اتخذها سلاطين المغرب وملوكه لمواجهة الوباء، سواء في إطار أسلوب اتقاء الوباء وتجنبه قبل حلوله، أو في إطار أسلوب المواجهة بعد حلول الوباء بالبلاد، لم تكن سهلة بالنسبة إليهم وإلى ورجال المخزن، ولم تكن متاحة لجميعهم؛ لأن تصريفها وتنزيلها على أرض الواقع كانا مشروطين بثلاثة شروط لا بد من توافرها".

ووضح المتحدث نفسه هذه الشروط الثلاثة بأنها "أولا سلطة سياسية حازمة وقوية من السلطان ومحيطه؛

ثانيا هياكل إدارية فاعلة ومنظمة: الإدارة المخزنية المركزية، والإدارة المحلية في مختلف جهات المغرب"، وزاد أن الشرط الثالث هو ضرورة توفر "نخب محلية فقهية وعلمية وقبلية مستوعبة لأدوارها التاريخية، ومدركة للوظائف والمسؤوليات الملقاة على عاتقها، ومنسجمة في آرائها ومواقفها مع الخطاب السلطاني".

ثم أردف ستيتو بأن هذا الشرط الثالث "هو الذي جعل المغرب يعيش جدلا فقهيا واسعا كلما حل الوباء به"، وزاد: "هذا الجدل انصب على مناقشة كيفية تدبير الوباء من خلال خطابين متعارضين: خطاب ديني قدري، وآخر تاريخي واقعي؛ وهو الخطاب الذي غالبا ما تبنته السلطة السياسية في المغرب، وأخذت به في ما يهم مصالح الناس ومنافعهم".

الحاكم البرتغالي

أكد عبد الله ستيتو أن إجراء الحجر الصحي "فرضه أيضا الغزاة البرتغاليون المحتلون لعدد من المدن المغربية؛ مثل ما قام به الحاكم البرتغالي في أصيلة، الذي اتخذ ما يلزم من إجراءَات الحيطة والاحتراز طمعا في إيقاف تداعيات وباء 1522 الذي انتشر في فاس، وانتقلت عدواه نحو المدن الشمالية، ومنها مدينة أصيلة المحتلة من قبل سلطات لشبونة"، مردفا بأن الحاكم البرتغالي "أمر بتنفيذ عدة إجراءَات، منها منع أي نشاط تجاري مع مملكة فاس، وفرض رقابة مشددة على الحدود الفاصلة بين المجالات الخاضعة للبرتغاليين وتلك التي تحت يد المغاربة، وأوقف حملاته العسكرية على المناطق المجاورة، وتخلى عن تضريبها وجمع الضرائب من سكانها، وسبي رجالها ونسائها، وسلب أمتعتهم وأموالهم ومواشيهم".

ثم زاد ستيتو في السياق نفسه: "ومن أهم إجراءَات الوقائية التي اتخذها في حق من ثبت قدومهم من المناطق الموبوءة تجريدهم من ثيابهم وحرقها، وإجبارهم على كثرة الاغتسال والاستحمام بماء البحر، وإلباسهم ثيابا جديدة".