هكذا بنت قبائل "مجاط" مجد "درعة تافيلالت" خلال العصر الحديث

هكذا بنت قبائل "مجاط" مجد "درعة تافيلالت" خلال العصر الحديث

قال عدي الراضي، باحث في التاريخ والتراث، إن "المصادر بجميع أصنافها تشكل المفتاح السحري لحل الأبواب الموصدة أمام الباحثين في تاريخ المغرب المنسي، وتمهيدا لهذا البحث المتواضع من الواجب إبداء ملاحظات أساسية حول المادة الخام المعتمدة في مصانع البحث لإنتاج تاريخ يكشف المستور وينير الزوايا القاتمة من ماضي المجالات الهامشية والنائية في جغرافية المغرب".

وأضاف الراضي، في مقالة تحت عنوان "التقاط الأخبار بين سطور الأسفار لإنارة عتمة تاريخ مجاط"، أنه "في غياب الأبحاث الأركيولوجية، تبقى المصادر المكتوبة من الحوليات وكتب المناقب والتراجم أهم المواد التي يمكن استعمالها لكتابة تاريخ قريب من العلمية وبعيد عن التحامل الذي يطبع بعض الكتابات التقليدية".

وتابع: "أما كتب المناقب والتراجم، رغم ما تحتوي عليه من كرامات وأخبار بعيدة عن المنطق، فإن إخضاعها لتمحيص دقيق مع قراءة ما وراء سطورها، يمكن استنباط منها معلومات مهمة ومعطيات أساسية لن يلفيها الباحث في المصادر الأخرى".

وأورد كاتب المقالة أنه "بالنسبة لتاريخ إثنوغرافيات القبائل الصنهاجية، من الصعب الخوض في هذه المغامرة لسكوت المصادر عن ذكر أحداثها وأماكن استقرارها"، مضيفا: "في هذا البحث المختصر، حاولنا إبراز حقائق تاريخية تهم قبيلة مجاط، إحدى القبائل الصنهاجية التي لم تنل نصيبها من الدراسات التاريخية والاثنوغرافية، رغم دورها الكبير على مسرح الأحداث خلال العصر الحديث والوسيط".

تبعا لذلك، يستعرض الكاتب الموقع الجغرافي للقبيلة، فيلفت إلى أنه "بين مدينة الحاجب ومكناس، مرورا ببوفكران، وعلى بعد بضعة أمتار من الطريق السيار والحي الصناعي مجاط، توجد بناية يمين الطريق على الضفة اليسرى لواد بوفكران تحمل لافتة فوق مدخلها بعنوان قيادة وجماعة مجاط، حيث يعتقد الكثير من المغاربة أن مجاط مجرد اسم ملحقة إدارية بأحواز مكناس".

"بقرية حديثة البناء تُعرف سابقا بالكاريان؛ نسبة إلى المقالع الرملية التي بنيت بمكانها خلال أواخر التسعينات من القرن الماضي، في إطار محاربة أحياء الصفيح، وبالعودة إلى الماضي البعيد واستحضار التاريخ، فقد كان لهذه القبيلة حضور قوي، لا سيما في أحداث القرن 16 و17"، وفق المصدر عينه.

وأردف: "ساهمت قبيلة مجاط وغيرها من القبائل الصنهاجية في إغناء تاريخ المغرب على جميع المستويات السياسية والدينية والعلمية والثقافية، بتأسيس دول عظيمة وحدت المغرب من المحيط غربا، إلى برقة شرقا، إلى تخوم الصحراء الكبرى جنوبا، وإنشاء زوايا ومراكز علمية ودينية بالبادية والمدينة، تركت بصماتها على كافة الأصعدة".

وفي هذا الصدد، شدد كاتب المقالة على أن "ما تزخر بها الكثير من الخزانات من مخطوطات نفيسة في تام كروت؛ زاوية سيدي حمزة وغيرها، وما تضمه المكتبة الوطنية من ذخائر علمية من إنتاج ثلة من العلماء المتفقهين في كل أصناف العلوم، مثل: أبو علي لحسن بن مسعود اليوسي، المقري، أبو القاسم الزياني، أحمد الولالي، عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي، واللائحة طويلة من النوابغ خريجي المراكز العلمية بأرض صنهاجة، لا سيما الزاوية الدلائية، خير دليل على كون القبائل الصنهاجية عملت على نشر العلوم الدينية وإغناء اللغة العربية، وبزوغ الكثير من العلماء الصناديد في مختلف الفروع العلمية من قلب هذه القبائل".

ويأتي ذلك عكس المغالطات التاريخية السائدة القائلة بكون القبائل الأمازيغية في العصور الماضية عبارة عن رحال ورعاة يعمهم الجهل والأمية لا وجود للعلم في أوساطهم ولا مجال للتعليم في أوطانهم، تبعاً للمقالة التي أبرزت أنه لدحض "هذه الأفكار العمومية بدون استثناءات وكل الترهات البعيدة عن الحقيقة التاريخية وتصحيحا لهذه الأكاذيب الرائجة عند الأجيال الحالية والقادمة، حاولنا في هذا البحث الوجيز تناول تاريخ قبيلة إمجاط، إحدى القبائل الحاضرة وبقوة على مسرح الأحداث السياسية والعلمية والثقافية بالمغرب، خاصة خلال العصر الحديث".

ففي قراءة للباحث حول قبيلة مجاط، قال إن "المصادر التاريخية تذكر القبيلة باسم مجاط، وهو في الأصل تحريف للأصل الأمازيغي لكلمة "إمجاط"؛ جمع "أمجوط"، وهو الأقرع؛ ويعني أيضا الأراضي الجرداء من العشب والنبات، حيث نجد بقصر أيت يعقوب بمنابع زيز بالسفح الجنوبي للعياشي مكانا معروفا بـ "ألمو" أمجوط، وهو إعارة التعبير اللفظي من غياب الشعر بالرأس إلى المجالات الطبيعية، فالأرض الخالية من الغطاء النباتي لظروف مناخية محددة تجعلها جرداء على قياس الرأس الخالي من الشعر".

واسترسل عدي الراضي قائلا: "يعود السبب في تسمية القبيلة حسب الرواية الشفوية إلى أمهم الفاقدة لكل شعرها نتيجة مرض تيمجطت، من الأمراض والأوبئة المنتشرة بكثرة في المغرب خلال القرون الماضية، حيث كانت تعرف بتامجوط، وأبناؤها يكنون: أيت تمجوط، والقبيلة صنهاجية الانتماء، وفرع مهم من حلف أيت يدرا سن الذي يضم الكثير من القبائل مثل أيت عياش، أيت نظير، أيت يوسي، أيت سادن؛ إذ استقرت كل هذه البطون بجبل العياشي وأعالي زيز وملوية العليا خلال العصر الوسيط والحديث، قبل أن تستقر بسهل سايس وبأحواز مكناس منذ عهد المولى إسماعيل كمحطة مهمة في رحلتها الكبرى من الصحراء".

وبشأن الموطن الحالي لقبائل مجاط، لفت الكاتب إلى أنه "اسم واحد لثلاثة قبائل مختلفة اللهجة، تنتمي لجذر واحد منذ قرون وفرقتها الظروف التاريخية لتستوطن مجالات مختلفة، وتتأثر كل مجموعة منها بمحيطها الجغرافي والقبلي؛ فهي إشكالية تاريخية تحتاج إلى أبحاث رصينة، فالمعروف تاريخيا هو أن مجاط مكناس ومجاط وأحواز مراكش قبيلة واحدة تم تقسيمها خلال ظروف تاريخية سوف تتم الإشارة إليها لاحقا، وعلاقتها مع مجاط الصحراء ونظيرتها بتزروالت تتطلب دراسات تاريخية عميقة".

وتابع الكاتب قائلا: "في هذا البحث المتواضع سوف نقتصر على مجاط مدينة مكناس لوجود دلائل تاريخية تجعلها من أقوى القبائل خلال القرن 15 و16، خاصة بعد تأسيس الزاوية الدلائية، فمجاط الصحراء المغربية تسود في أوساطها اللهجة الحسانية، وتندرج ضمن القبائل المستعربة؛ فرع ضمن قبيلة ثكنة التي تجمع قبائل أمازيغية وأخرى عربية، وأهم المكونات القبلية أيت موسى وعلي، ازرقين، مجاط...".

"ثكنة بالسكون على حرف الكاف في الأصل حلف قبلي يضم قبائل عربية وأمازيغية. وبتأمل أصل الكلمة، نعتقد أنها لفظة أمازيغية تختزل المعنى والمغزى من التحالف، باعتبار أن تكنا تعني الزوجة الثانية (الضرة بالعامية المغربية)؛ لهذا فإن جوهر الالتحام بين البطون القبلية ينطلق من منطق الزوجتين داخل أسرة واحدة؛ فالزوج هو أرض الصحراء والقبائل بمختلف فصائلها، حرم تحت عصمة رجل واحد ولا داعي للصراع والحرب والمنافسة"، بتعبيره.

وزاد الراضي: "كان هذا الشعار عنوان الاتفاق لنبذ الخلاف وتفادي الصراعات الجانبية التي ليست في مصلحة كل الأطراف، مادامت أرض الصحراء شاسعة وإمكانية العيش والرعي فيها متاحة للجميع؛ لهذا إن ادعاءات أعداء الوحدة الترابية للمغرب بكون بني حسان شعب مستقل ضرب من الوهم نابع من الجهل التام بالتاريخ المغربي، والساكنة القاطنة بالصحراء الغربية المغربية تشكلت عبر القرون من عناصر قبلية من بني معقل ونظيرتها من البطون الأمازيغية الصنهاجية بالخصوص، التي استوطنت الصحراء منذ قرون قبل قدوم العرب إلى شمال إفريقيا وطوبونيمية الصحراوية خير دليل".

وبالعودة إلى أسماء الأعلام الجغرافية بالصحراء الغربية من خريطة المملكة المغربية، نجدها غنية بمعجم أمازيغي عريق، يذكر منها الباحث مجاط أحواز مراكش بشيشاوة يتحدثون اللهجة السوسية، ومجاط تازروالت مقر زاوية سيدي حماد وموسى، واللهجة المصمودية هي المتداولة بين الساكنة بالمنطقة، ثم "مجاط" أحواز مكناس، لافتاً إلى أن قبائل مجاط توجد بمجال واسع يمتد بين مكناس وبوفكران، وتتمركز معظم الفصائل المجاطية بالبريدية على بعد حوالي 10 كيلومترات من مدينة مكناس، وتستقر بطون أخرى بسيدي سليمان مول الكفان، خاصة ازرفن وايت عير"، أيت بوحيات، واكناون".

وتابع: "تتكون قبيلة مجاط المستقرة بالبريدية بأحواز مكناس من عدة فصائل وبطون، نذكر منها ايت حدو وحمو، أيت بالقاسم، أيت الحسين، أيت علي وشعو، أيت عثمان وشعو، أيت علي وموسى، أيت إزضالن، أيت عثمان، أيت رحو...".

أما المواطن التاريخية لقبائل مجاط، فأورد الكاتب أن "القبائل الصنهاجية غادرت أقصى الجنوب المغربي نتيجة ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية ومناخية، ثم استمرت في الاتجاه نحو الشمال في رحلتها الكبرى، لتستقر بتودغا وسجلماسة فركلة وأعالي غريس وزيز، خاصة قبائل آيت يدرسن التي تجاوزت بعض فصائلها جبل العياشي نحو ملوية العليا منذ القرن الحادي عشر الهجري أيام عز دولة المرابطين".

"بالاستعانة بالطوبونيميا المحلية، نجد أن مجاط استوطنت منابع ملوية، حيث توجد بقرية تاعرعارت إحدى القرى المتواجدة بقلب جبل العياشي ربوة اوعيرم "تاوريرت ن اوعيرم"، وهو أحد القياد الأقوياء الذين ناهضوا سلطة عبد المؤمن بن علي، والقائد ينسب إلى فرقة أيت عيرم أحد بطون مجاط التي تستقر حاليا وبنفس الاسم بسايس بقيادة سيدي سليمان مول الكيفان الموطن الجديد لهذا الفصيل منذ أيام المولى اسماعيل، وكل هذه الإشارات ترجح كون ملوية العليا موطن قبائل مجاط منذ القرن 10"، حسَب المقالة.

ويرى الباحث أنه لا يملك معلومات كافية تهم الرحلة الكبرى للقبيلة عبر الزمان والمكان، حيث يذكر أن المصادر التاريخية تتحدث عن أيت ايدراسن بصفة عامة، وذكرت قبيلة مجاط لأول مرة ضمن مصادر القرن 16 و17؛ أيام بزوغ وشهرة الزاوية الدلائية، بالنظر إلى أنها اتفقت جميعها على أن مجاط قد استوطنوا في هذا العهد بملوية العليا، وحتى الرواية الشفوية تزكي هذا الطرح، مبرزا أن الأسباب التي جعلت القبيلة تغادر ملوية العليا عديدة ومتداخلة.

وبخصوص الرواية الشفوية، أوضح المتحدث أن "من البديهيات المتفق عليها من طرف جميع قبائل أعالي ملوية والمرسخة في الذاكرة الجماعية، أن سبب مغادرة إمجاط لملوية تعود إلى لعنة أصابت القبيلة نتيجة اعتداء بعض رعاتهم على امرأة أحد الأولياء، ومع الأسف لم تتم الإشارة إلى اسم الصالح المعني، حيث حرضوا كلابهم عليها لرؤية وجهها لأنها محتجبة طول إقامة الولي بأرضهم؛ فغضب الشيخ الصالح من زوجها ولعنهم، وقصده أعيان القبيلة يعتذرون من الرجل على جرم رعاتهم وانتهاك حرمة الشيخ، فقال لهم لقد خرجت الرصاصة من البندقية ولن تعود إلى ماء محلها".

وتابع بأن "الدعوة مستجابة، لكن لكم الاختيار بين أمرين؛ إما أربعين يوما من العواصف الثلجية أو أسبوعا من المطر الوابل، وفضلوا الأمر الأخير باعتقاد أنه أهون من الأول، وأخطأ تكهنهم، حيث هدمت قراهم وماتت ماشيتهم، وعاشوا فترة رهيبة، وفضلوا الرحيل مرغمين. فبالعودة إلى المصادر المكتوبة، فإن اللعنة الحقيقية التي أصابت القبيلة تتلخص في حدث كبير طبع مسار قبائل ايت يدراسن كلها، ويتمثل هذ الأمر في الهزيمة النكراء التي منيت بها أمام الجيش الاسماعيلي الجرار".

وحسب المصادر التاريخية، فقد شكلت سنة 1668 منعطفا خطيراً في المسار التاريخي لحلف ايت يدراسن عامة، وقبيلة مجاط بصفة خاصة، باعتبارها بداية محنة القبيلة التي تم تشتيت الفصائل المنضوية تحت لوائها، وذهبت أمجادها باختفاء الإمارة الدلائية، وفق الباحث، وغادرت ملوية العليا في اتجاهات مختلفة بعد اختفاء الشيخ مولاي احمد، آخر رموز السلطة الدلائية، ولتفادي تمردها من جديد عمل السلطان إسماعيل على إنزالها بهضبة سايس، وتجريدها من الخيل والسلاح، وأمرها للاهتمام بالرعي".

واستطرد: "منذ هذا التاريخ، استقرت أغلب فصائل أيت يدراسن بأحواز مكناس وفاس، وفي ظروف تاريخية أخرى تم تقسيم مجاط وترحيل بعض أفخاذها نحو مراكش، والبقية من القبيلة تنتقل بين هضبة سايس وسهل الغرب إلى أن تم إرجاعها في عهد السلطان المولى عبد العزيز في بداية القرن الماضي إلى سايس، لتستقر به وقاست من المستعمر الذي عمر أراضيها وأصبح جل رجال القبيلة اليد العاملة في الضيعات الاستعمارية، وبعد الاستقلال استفادت القبيلة من برنامج الإصلاح الزراعي الذي دشنتة الحكومة بإنشاء ملكيات جماعية تعرف بأراضي الكيش التي تم توزيعها على الذكور من القبيلة، وبعد ذلك تعاونيات فلاحية جمعت عدة أبناء من القبيلة؛ مثل تعاونية أيت شعو بمنطقة بوري وغيرها".

ويمتد المجال الوظيفي لقبائل مجاط حاليا من البريدية إلى الطريق السيار من الجهة الشمالية، وإلى حدود بني مطير بأراضي أيت بويرزوين من الجهة الجنوبية، ومن الناحية الغربية إلى أراضي جروان بآيت يعزم، تبعاً للمقال، وتحدها فصائل آيت حرز الله من الجهة الشرقية، وإداريا تابعة لعمالة مكناس المنزه وموزعة على عدة قيادات؛ أهمها مجاط ومركز سيدي سليمان مول الكيفان.

وقد هاجر الكثير من رجال القبيلة إلى الديار الفرنسية منذ الستينات والخمسينات من القرن الماضي، مثلما جاء في المقالة، ويخترق واد بوفكران أراضيها؛ إذ حضر هذا الوادي بقوة في تاريخ المنطقة، وعمل السلطان إسماعيل على تحبيس وتوقيف مياهه على الاسماعيلية؛ وهي المدينة التي اخترقتها عدة جداول وسواقي، تم جلبها من الوادي لسقي بساتين وعرصات السلطان خارج وداخل أسوار الإسماعيلية، لا سيما مزرعة "العويجة" التي شكلت إلى حدود العقود الأخيرة من القرن العشرين المزود الرئيسي لأسواق المدينة بالخضر والفواكه، والنبتات العطرية مثل النعناع والشهبلاء، قبل أن يكتسح العمران أنحاءها المعروفة حاليا بحي مرجان".

وتابع: "بسبب رغبة السلطات الاستعمارية لتحويل مياه واد بوبكران نحو ضيعات المعمرين وقعت معركة ماء لحلو أو كيرّا الماء الحلو، التي استشهد خلالها الكثير من المغاربة الرافضين للسياسية الاستعمارية بأحواز مكناس، وعلى ضفة الوادي أسس السلطان إسماعيل قصبة بوفكران، النواة الأصلية لهذه المدينة الطرقية ذات موقع استراتيجي بين الضيعات الفلاحية والتعاونيات الزراعية، والتوزيعات التي حظيت بها مختلف فصائل ايت يدراسن، خاصة مجاط وبني مطير بالمنطقة. ومن الجهة الأخرى للوادي، ما زالت أطلال منزه السلطان ظاهرة للعيان، والقرية تحتفظ باسمها إلى يومنا هذا، وتعرف بمنزه الشرفاء".

واسترسل الباحث بالقول: "كانت أرض مجاط من الأماكن الأولى بالمغرب التي لحقها الاستيطان الزراعي، وتم إنشاء ضيعات فلاحية من طرف معمرين فرنسيين. فبالعودة إلى الطوبونيميا بالمنطقة، نجد أن عدة أماكن تعرف بأسماء الفرنسيين من أصحاب الضيعات"، موردا المثال بـ "موني" (ضيعة فلاحية على ضفة الوادي غير بعيد عن جماعة مجاط حاليا)، نسبة إلى مونيي الذي تولى رئاسة المجلس البلدي لحمرية خلال الثلاثينات من القرن الماضي، ثم "باريكو" على طريق اكوراي، "وفرارة "على الطريق الرئيسية رقم 13 بمدخل مدينة بوفكران قدوما من مكناس، والنماذج كثيرة في هذا المجال.

ولفت الراضي إلى أن "السلطات الاستعمارية عملت على إنشاء مطار عسكري بأرض مجاط خلال العشرينات من القرن الماضي، بعد ذلك تم تحويله إلى أحواز فاس. وبالقرب من البريدية، موطن قبائل مجاط حاليا، مازال المكان يحتفظ باسم "لافياسيون" بمعنى الطيران (Aviation)، وهو الآن مجال رعوي مهم، حيث ساهم الوجود الاستعماري بسايس في تغيير الأعلام الطوبونيمية بهذه الهضبة، وعرفت الكثير من الأماكن أسماء جديدة، واختفت الأسماء القديمة، وضاعف ذلك من صعوبات الباحث في تاريخ هضبة سايس، باعتبار أن المصادر التقليدية ذكرت بعض الأماكن التي لم يعد لها وجود، وتبدلت أسماء الخريطة الجغرافية لهضبة سايس بعد إنشاء المعمرين لضيعات فلاحية عرفت الآن بأسمائهم كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وعرفت بعض الأماكن بأسماء التعاونيات التي تم إنشاؤها بالمنطقة، مثل تعاونية عبد اللي وايت شعو وبوري وغيرها".

نافلة القول لدى الباحث إن "قبائل مجاط تركت بصمات بارزة في تاريخ المغرب؛ فقد قادت قبائل آيت يدراسن منذ القرن 11 في شخص القائد اوعيرم، وشكلت العمود الفقري للزاوية الدلائية التي أسسها أحد الاقطاب الروحية والصوفية بالقبيلة، هو أبو بكر بن سعيد بن عمر بن حمي المجاطي، التي حكمت كإمارة مستقلة فاس ومكناس وتافيلالت إلى حدود سلا والغرب مدة 33 سنة بعد دحض القوى المنافسة كالمجاهد العياشي والخضر غيلان في عهد سيدي محمد اوالحاج. وبعد تدمير الزاوية الدلائية وانهزام ايت يدراسن أمام جيوش المولى إسماعيل، انتقلت قيادة الحلف إلى قبيلة آيت نظير (بنومطير) في شخص أسرة محمد وعزيز، بعد تقسيم قبيلة مجاط وتهجير شطر منها نحو أحواز مراكش".